الجمعة, 16 تشرين2/نوفمبر 2018 10:41

شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم

لقد كرَّم الله بني آدَمَ وفضَّلهم على كثيرٍ ممّن خلَق تفضيلاً، واجتبَى منهم من خصَّهم بالنبوَّة والرسالة جيلا جيلا، ثم اصطفَى مِن أولئك أفضلَهم نبيا و رسولا: إماَمَهُم و خاتِمهم نبيَّنا سيدنا محمّدَا بن عبد الله صفوةَ بني هاشم، وهاشمٌ خِيَارُ قريش، فهو صلى الله عليه و سلم خيارٌ من خيارٍ، اختاره الله  لهداية هذه الأمة إلى الدين  القويم والصراط المستقيم، فكانت حياة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عبادةً وشكرًا، ودعوةً وحِلمًا، وابتلاءً وصبرًا، تحلَّى فيها بخُلُقٍ سامٍ وفألٍ محمود، شمائلُه عطِرةٌ وسيرتُه حافلة، فما مِن خيرٍ إلا دلَّ الأمة عليه، وما من شرٍّ إلا حذَّرَها منه، قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: ((ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِره عنكم)) متفق عليه.

قضَى صلى الله عليه و سلم قريبًا من شطرِ زمنِ رسالته يَدعو لأمرٍ واحدٍ هو أعظمُ أمرٍ أمَر الله بهِ، من لم يَستجِب له فيه خلَّده الله في النار وحرَّم عليه الجنةَ. افتتَحَ رسالتَه به، وقام على جبل الصفا وقال لقريش: ((قولوا: لا إله إلا الله؛ تُفلِحوا)). نعم مكثَ صلى الله عليه و سلم عشر سنواتٍ في مكّة لا يدعو إلى شيءٍ سواه، ثم دعا إلى بقية الشرائع معه إلى مماته، ووعدَ من حقَّق هذا الأمر بدعوةٍ منه مُستجابةٌ له يوم القيامة؛ فقال: ((لكلّ نبيٍّ دعوةٌ مُستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ -إن شاء الله-من مات من أمتي لا يُشرِك بالله شيئًا)) متفق عليه.

 من شمائله صلى الله عليه و سلم أنه كثيرُ التعبُّد لله، قام بالطاعة والعبادة خيرَ قيام، قدَماه تتشقَّقُ من طول القيام، في ركعةٍ واحدةٍ قرأ البقرةَ وآل عمرانَ والنساء، وكان جميلَ الصَّوتِ في تلاوة القرآن، قال البراء : سمعتُ النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في العِشاء: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فما سمعتُ أحدًا أحسَنَ صوتًا -أو: قراءةً- منه. (متفق عليه).

 من شمائله صلى الله عليه و سلم انه خاشعٌ لله يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء، ولِسانُه لا يفتُر عن ذكر الله، قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان يذكر الله على كل أحيانه. رواه مسلم. وقال ابن عمر : إن كنَّا لنعُدُّ لرسول الله في المجلس الواحد مائةَ مرةٍ: (ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم).

 ومن شمائله صلى الله عليه و سلم انه يُحبُّ الصلاة ويُوصِي بها، قال أنس:  كانت عامةُ وصيّة النبي حين موته: ((الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم))، قال: حتى جعل رسول الله يُغرغِرُ بها صدرُه، وما يكادُ يُفيضُ بها لسانُه، أي: يُوصِي بها حتى فاضَت روحُه. (رواه أحمد).وكان يحثُّ صغارَ الصحابة على نوافلِ الصلوات، قال لابن عمَر وهو فتى: ((نِعمَ الرجلُ عبد الله لو كان يُصلِّي من الليل)) متفق عليه.يقينُه بالله عظيم، مُوقِنٌ بأنَّ كلام الله فيه شفاء، إذا مرضَ يرقِي نفسَه بكلام الله، قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا اشتكَى يقرأ على نفسه بالمُعوِّذات وينفُث. (متفق عليه).

 من شمائله صلى الله عليه و سلم انه مُعظِّمٌ للرسل من قبله؛ قال له رجل: يا خير البرية، فقال: ((ذاك إبراهيم))(رواه مسلم). ونهى عن إطرائه وتعظيمه؛ فقال:(لا تُطروني كما أطرَت النصارَى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله) رواه البخاري.

من شمائله صلى الله عليه و سلم انه يدعو كلَّ أحدٍ إلى هذا الدين ولو كان المدعوّ صغيرًا، زار غلامًا يهوديًّا مريضًا، فقعدَ عند رأسه وقال له:(أسلِم)، فأسلَم الغلام.(رواه البخاري).و كان صلى الله عليه وسلم يتواضَعُ للصغير ويغرِسُ في قلبه العقيدة؛ قال لابن عباس:(يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات: احفَظِ الله يحفظك، احفَظِ الله تجِده تُجاهَك، إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله ) (رواه الترمذي). وكان صلى الله عليه و سلم يتلطّفُ في تعليمِ صحابَتِه ويُظهِر ما في قلبه من حبِّه لهم؛ أخَذ بيدِ مُعاذٍ وقال له: (والله إني لأُحبُّك، أُوصيك يا معاذ: لا تدعنَّ في دُبُر كل صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك)(رواه النسائي).و كان صلى الله عليه وسلم لا يُعنِّفُ ولا يتكبَّر؛ بل صدره مُنشرحٌ لكل أحدٍ؛ دخل رجلٌ وهو يخطُب، فقال: يا رسول الله، رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينُه، قال: فأقبَل عليَّ رسول الله وترك خطبتَه حتى انتهَى إليَّ، فأُتِي بكرسيٍّ حسبتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله وجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرها. (رواه مسلم.)

 ومن شمائله صلى الله عليه و سلم أنه رفيقٌ بالشباب مُشفقٌ عليهم، قال مالك بن الحويرث: أتَينَا النبيَّ ونحن شَبَبة مُتقارِبون، فأقَمنا عنده عشرين لَيلَة، فظنَّ أنَّا اشتقنَا أهلَنا، وسألَنا عمن تركنا في أهلنا، فأخبرناه، قال: وكان رفيقًا رحيمًا، قال:(ارجعوا إلى أهليكم، فعلِّموهم ومُروهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي)(متفق عليه).

 ومن شمائله صلى الله عليه و سلم انه دَمِثُ الأخلاق ليس بفاحشٍ ولا مُتفحِّشٍ في الألفاظ، وحياؤه أشدّ من العذارء في خدرها، عفّ اليد لم يضرب أحدًا في حياته؛ قالت عائشة رضي الله عنها: ما ضربَ رسول الله شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا، إلا أن يُجاهدَ في سبيل الله، ولم ينتقم لنفسه؛ بل يعفو ويصفَح، وإذا خُيِّر بين أمرين أخذَ أيسَرهما ما لم يكن إثمًا.

ومنها انه صلى الله عليه وسلم طلْقُ الوجه؛ قال جرير بن عبد الله: ما رآني رسول الله قطُّ إلا تبسَّم.واصلٌ لرَحِمه، صادقٌ في حديثه، قاضٍ لحوائِجِ المكروبين؛ قالت له [السيدة خَديجة]: (إنّك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الحديث، وتحمِلُ الكلَّ، وتـُكسِبُ المعدوم، وتَقري الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحقّ).بارّ بوالدته؛ زار قبرها فبكى وأبكى من حوله، وقال: (استأذنتُ ربي في أن أستغفِرَ لها فلم يُؤذَن لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرَها فأذِن لي)) رواه مسلم. يُوصِي بالجارِ، ويحُثُّ على حُسن جواره وإكرامه، قال لأبي ذرٍّ: (إذا طبَختَ مَرقة فأكثِر ماءَها وتعاهَد جيرانك)(رواه مسلم).

  ومن شمائله صلى الله عليه و سلم انه رقيقُ القلب رفيقٌ بمن تحته؛ خدَمه أنسٌ عشرَ سنين، فما قال له: أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ صنعَه: لم صنعتَ؟ ولا: ألا صنعتَ؟! رحيمٌ بالضعفاء والمرضى؛ أمَر من يُصلِّي بهم أن يُخفِّف صلاتَه من أجلهم.رءوفٌ بالناس شديد الحِلم؛ بالَ أعرابيٌّ جهلاً منه في مسجِده، فتناولَه الناس، فقال لهم: (دَعوه حتى يقضِي بولَه، وهَريقوا على بولِه سجلاً من ماءٍ -أو: ذنوبًا من ماء-؛ فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثوا مُعسِّرين) (رواه البخاري).كثيرُ البذل والعطاء، لا يردُّ سائلاً ولا مُحتاجًا، قال حكيمُ بن حزامٍ : سألتُ رسولَ الله فأعطاني، ثم سألتُه فأَعطاني، ثم سألتُه فأعطاني.(متفق عليه).كريمُ اليدِ واسعُ الجُود؛ جاءَه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَين. ورأى رجلٌ عليه بُردةً فقال: أكسنيها؛ ما أحسنها! فأعطاه إياها(رواه البخاري).

ومن شمائله صلى الله عليه وسلم انه طيّبٌ لا يأكل إلا طيبًا، يتوارى عن أيِّ شُبهةٍ في المطعَم أو المشرَب، قال:(إني لأنقلبُ إلى أهلي فأجِدُ التمرةَ ساقطةً على فراشي فأرفعها لِآكُلَها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فأُلقيها) (متفق عليه).

وكان صلى الله عليه و سلم يُجِلّ صحابَتَه ويُعظِم مكانتهم وإن كانوا حديثي السّنّ، قال عن أسامة بن زيد وهو لم يتجاوز حينذاك الثامنة عشرة من عمره:( أُوصيكم به؛ فإنه من صالحيكم)(رواه مسلم).وإذا مرِضَ أحدُهم عادَهُ وحزنَ لمُصابه، زار سعدَ بنَ عبادة فوجدَ مرضَه شديدًا، فبكى.

ومنها انه وفيّ مع صحابته، لم ينسَ فضلَهم وإيثارهم، آخِرَ يومٍ صعد فيه المنبر قال:(أُوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي - أي: جماعتي وموضع ثقتي- وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقِيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنهم وتجاوزوا عن مُسيئهم)(رواه البخاري).وحفظَ لخديجةَ مواقفها العظيمة وبذلَها السخيّ وعقلَها الراجِح، فكان يذكرها بالخير بعد وفاتها، ويصِل أقرباءها، ويُحسِن إلى صديقاتها.وأمر بسدِّ كل خَوخةٍ -أي: باب- من البيت يُفتَح على المسجد النبوي سوى باب أبي بكرٍ وفاءً له.

ومع عِظَم أعباء ما أُوكِل إليه من الرسالة كان جميلَ المعشَر مع أهله مُتلطِّفًا معهم، فإذا دخل بيتَه يكون في مهنتهم، وإذا حضرَت الصلاة خرج إلى الصلاة.رقيقٌ مع أولاده وأحفاده مُكرمٌ لهم، إذا دخلت ابنتُه فاطِمَةُ يقوم لها ويأخُذ بيدها ويُجلِسُها في مكانه الذي كان يجلسُ فيه. وكان يضعُ الحسنَ على عاتقه ويقول:(اللهم إني أُحبّـُه فأحِبَّه)(متفق عليه). وخرج على صحابته وبنتُ ابنته أمامة على عاتقه، فصلَّى بها فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها.(متفق عليه).وصف عثمانُ رضي الله عنه معاملتَه صلى الله عليه و سلم لصحابته فقال: صحِبنا رسول الله في السفر والحضَر، وكان يعودُ مرضانا، ويتبَعُ جنائزنَا، ويغزو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير(رواه أحمد).

ذاقَ صلى الله عليه و سلم من الحياةِ مُرَّها ولأواءها؛ قالت عائشة رضي الله عنها: دخلت عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجِد عندي شيئًا غير تمرةٍ واحدة.(متفق عليه).وربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع؛ قال عمر : لقد رأيتُ رسولَ الله يظلُّ اليومَ يتلوَّى، ما يجدُ من الدَّقَل -أي: التمر الرديء- ما يملأ به بطنَه(رواه مسلم).لاقَى من المِحن والشدائد أشقَّها؛ نشأ يتيمًا، وأُخرِج من بلَدِه، وحُوصِر في الشِّعْبِ ثلاثَ سنين، واختفَى في غارٍ، ومات له ستة من الولد، وتبِعَه قومُه في مُهاجَره وقاتلوه، ومكرَ به أهلُ النفاق، وسُقِي السمّ، وعُمِل له السحر، وكان يقول:(أُخِفتُ في الله وما يُخافُ أحد، وأُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد).ومع ما لاقاه من تلك المصائبِ وغيرها كان مُتفائلاً في حياته ويقول:(يُعجِبني الفألُ والكلِمَةُ الحسَنَة)(متفق عليه).

 أعرضَ صلى الله عليه و سلم عن الدنيا ورجا ما عند الله؛ فكان يقول:(ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها) ففارقَ الحياةَ ولم يُخلِّف شيئًا من حُطامها؛ قالت عائشة رضي الله عنها: تُوفِّي رسولُ الله وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء.وصفَه عليٌّ بقوله: لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه.

ذ. سعيد منقار بنيس