الثلاثاء, 22 أيار 2018 14:11

رمضان شهر الانتصارات.. (1) فتح أنطاكية

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم هي معركة فتح أنطاكية.

في الرابع من رمضان من عام 666 للهجرة ( 1268 ميلادي) نجح المسلمين بقيادة الظاهر بيبرس في استرداد مدينة إنطاكية من يد الصليبيين بعد أن ظلت أسيرة في أيديهم 170 عامًا.

كانت مدينة أنطاكية من مدن الشام التي شملها الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد فتحها المسلمون عقب معركة اليرموك بقيادة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -، وظلت هذه المدينة بأيدي المسلمين إلى أن بدأت الحملات الصليبية على بلاد الإسلام سنة 491هـ، فكانت من أوائل المدن التي سقطت في قبضة الصليبيين مدينة أنطاكية؛ وذلك لأهميتها البالغة عندهم بحكم موقعها المتحكم في الطرق الواقعة في المناطق الشمالية للشام؛ ولأنها مقر مملكة هرقل أيام الفتح الإسلامي للشام، فعملوا على إزالة أي أثر إسلامي فيها، وحولوا المساجد إلى كنائس، واهتموا بتحصينها غاية الاهتمام لتكون نقطة انطلاق لهم إلى البلاد الأخرى، حتى بنوا عليها سوراً طوله اثنا عشر ميلاً، وعلى هذا السور ما يقارب مائة وستة وثلاثين برجاً، وفي هذه الأبراج ما يقارب أربعة وعشرين ألف شرفة، يطوف عليها الحراس كل يوم وليلة على التناوب، فغدت من أعظم المدن في ذلك الحين مناعة وحصانة.

وظلت أنطاكية في أيدي الصليبيين قرابة مائة وسبعين عاماً حتى قيَّض الله لها من يخلصها منهم وهو الملك الظاهر بيبرس الذي تولى سلطنة المماليك سنة 658هـ، وأخذ على عاتقه استرجاع البلاد الإسلامية من أيدي الصليبيين، فقام بطرد التتار من الشام إلى العراق ليتفرغ لقتال الصليبيين، وبدأ يفتح المدن، الواحدة تلو الأخرى، ففتح قيسارية وأرسوف وصفد، ثم أخذ الكرك ويافا، وضرب قلعة عكا، ثم نزل على حصن الأكراد فحمل إليه أهله من الفرنج الأعطيات فأبى أن يقبلها وقال: "أنتم قتلتم جنديّاً من جيشي وأريد ديته مائة ألف دينار"، وبذلك مهد الطريق لفتح أنطاكية، واستطاع عزلها عن المدن المجاورة، وقَطَع كل الإمدادات عنها.

وفي الرابع والعشرين من شعبان سنة 666هـ خرج بيبرس من طرابلس، دون أن يطلع أحدًا من قادته على وجهته، وأوهم أنه يريد بلداً آخر غير أنطاكية، فنزل على حمص، ومنها إلى حماة، ثم إلى فامية، وكان يسير بالليل وينزل على البلاد بالنهار، حتى لا يتمكن الصليبيون من معرفة هدفه، وعمل على تقسيم جيشه إلى ثلاث فرق، اتجهت فرقة منها إلى ميناء السويدية لتقطع الصلة بين أنطاكية والبحر، وفرقة أخرى اتجهت إلى الشمال لسد الممرات بين قلقلية والشام، ومنع وصول الإمدادات من أرمينية الصغرى. أما الفرقة الرئيسية التي كانت بقيادته فتوجهت مباشرة إلى أنطاكية، وضرب حولها حصارًا محكمًا في أول رمضان سنة 666هـ.

وبعد أن فرض عليها الحصار طلب أهلُها الأمان، وأرسلوا وفداً للتفاوض معه، ولكنهم اشترطوا شروطاً رفضها بيبرس فشدّد في حصارهم حتى فتحها بالقوة في الرابع عشر من شهر رمضان سنة 666هـ، وغنم المسلمون الغنائم الكثيرة، وأُطْلق من فيها من أسرى المسلمين، وعادت هذه المدينة إلى المسلمين بعد أن سيطر عليها الصليبون مائة وسبعين عاماً، وكان سقوط إنطاكية أعظم فتح حققه المسلمون على الصليبيين بعد معركة حطين.

الإصلاح