الثلاثاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2018 12:23

ذكرى المولد النبوي عند بعض السلاطين والملوك والأمراء المغاربة

سأتناول في هذا المقال ما كان عليه بعض السلاطين، والملوك، والأمراء المغاربة عند حلول شهر ربيع الأول، شهر مولد النبي العدنان عليه الصلاة والسلام. وإليك أيها القارئ بعض أشهر من أحيوا هذه الذكرى الشريفة: فمنهم الخليفة المرتضى الموحدي، ومنهم الفقيه أبو القاسم العزفي، ومنهم السلطان أبو الحسن الأكحل المريني، ومنهم السلطان أحمد المنصور الذهبي السعدي، ومنهم السلطان الحسن الأول العلوي، هذا أوان إيراد عاداتهم رحمهم الله تعالى في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، مرتبين على سنوات وفياتهم، مع ذكر بعض مصادر ترجمة كل علم.

فأما الخليفة المرتضى الموحدي (تـ 665) ؛ فقد قال عنه ابن عذاري المراكشي (712): “كان يقوم – يعني: المرتضى الموحدي – بليلة المولد خير قيام ويُفيض فيه الخير والإنعام، وكان أشار له بذلك الفقيه أبو القاسم العزفي؛ لأنه لما ألف كتابه: الدر المنظم في مولد النبي المعظم، بعث به إليه وأشار بذلك الرأي عليه. وكان محبا في مطالعة الكتب، وتواليفها، وتصانيفها، فألف له الفقيه أبو محمد ابن القطان جملة من الكتب الحفيلة الجليلة، وأمده بالدواوين العظيمة الخيرات الجليلة، فمنها: كتاب نظم الجمان وواضح البيان فيما سلف من أخبار الزمان، وكتاب شفاء الغلل في أخبار الأنبياء والرسل، وكتاب الأحكام لبيان آياته عليه السلام، وكتاب المناجاة، وكتاب المسموعات فيه: قصائد متخيرات فيما يخص بالمولد الكريم، وشهر رجب وشعبان ورمضان، وغير ذلك”.

ونبقى في القرن الثامن لكن ننتقل إلى ولاية بني أبي عزفة بسبتة، فإن الفقيه أبا القاسم العزفي (تـ 677) لما تولى إمارة سبتة عام (648) حقق رغبة والده قاضي سبتة أبي العباس أحمد بن محمد اللخمي العزفي السبتي (تـ 633) الذي يعتبر أول من ندب إلى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بالمغرب، لئلا تنصهر معتقدات المسلمين وتضمحل عاداتهم، سيما وأن هذه المرحلة عرفت انتشار عادات ومعتقدات نصرانية، خاصة بالجهات المتاخمة للأندلس.

قال ابن عذاري المراكشي (تـ 712) في معرض حديثه عن أبي قاسم العزفي: من مآثره العظام: قيامه بمولد النبي عليه السلام من هذا العام، فيطعم فيه أهل بلده ألوان الطعام، ويؤثر أولادهم ليلة يوم المولد السعيد بالصرف الجديد من جملة الإحسان إليهم والإنعام، وذلك لأجل ما يطلقون المحاضر، والصنائع، والحوانيت يمشون في الأزقة، يصلون على النبي عليه السلام، وفي طول اليوم المذكور يسمِّع المسمعون لجميع أهل البلد مدح النبي عليه السلام، بالفرح والسرور والإطعام للخاص والعام، جار ذلك على الدوام في كل عام من الأعوام”.

وقال الحافظ شمس الدين الذهبي (تـ 748): “حدثني أبو الصّفا خليل بن أَيْبَك الكاتب أنّ الإمام أبا حيّان حدّثه أن أبا القاسم هذا لم يؤدِّ طاعة لأحدٍ من ملوك المغرب، وساسَ بلدة أحسن سياسة، بحيث لم يختلف عليه اثنان، ولم يتسمَّ بألقاب الملوك، إنّما يُقال: الفقيه ... ألف كتاب الدر المنظّم في المولد المعظّم، وكان يعمل بسَبْتَة المولد بخلاف سائر الأندلس، فإنّه لا يُعمل فيها سوى ميلاد عيسى تَبَعًا للنّصارى”.

وبعد أن سُنَّ إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف في المغرب، ازدهرت الاحتفالات بحلول هذا الشهر في القرن الثامن، فهذا السلطان المريني: أبو الحسن الأكحل (تـ 752). قال الوزير ابن مرزوق التلمساني (تـ 781) في الباب السادس في رعاية آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ هذا المنصب الشريف والقيام بحقه في ليلة مولده عليه السلام من كتابه المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا الإمام أبي الحسن: "الفصل السادس في عادته الجارية ليلة مولده عليه السلام وسابعه. هذه مكرمة خص الله بها هذه المملكة الشامخة والسلطنة المرينية، وإن حكاها غيرهم، فما أشبه ولا قرب. أثار الفقيه العزفي رحمه الله صيدها، فصادوها، ونبه على الخير فمضوا عليه، واعتادوا، وزاد فيها هذا المولى رضي الله عنه من المحاسن ما صيرها مثلا، وألبسها من سيره الجميلة حللا.

لازمت حضوره والاختصاص بالاطلاع عليه من سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة إلى منصرفنا من تونس، فأذكر من عادته المستمرة ما حفظته: كان رضي الله عنه يقيمها سفرا وحضرا، ولا يشغله عن إقامتها شاغل، حتى لقد كنا بسبتة مقيمين مقابلين لنزول النصارى على الخضراء، وكان رضي الله عنه في تعب وملازمة مقاومة لجيوش المسلمين من أهل العدوتين، حسبما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه، فحضرت ليلة المولد، فلم يصل أهل البلاد قاطبة -على جري العادة- فإنه كان يصل الشرفاء، والقضاة، والفقهاء، والخطباء من أهل البلاد لشهودها، ووصل من أهل فاس خطيبها كان أبو الفضل المزدغي خاصة، فلما حضر وكان وصوله ليلة المولد، سأله، فاعتل لما سمعوا اشتغال السلطان بمهم الجهاد، فاختلفوا، فتغير لذلك رضي الله عنه وسال زعيم المزمزمين وهو: ابن الطراحة، فأخبره بمثل ذلك عن بقية أهل صنفه، فصدر أمره بإيقاف جرايات من لم يصل، تنبيها لهم على أنهم أخطؤوا إذ ظنوا به لاشتغال عن هذا المهم، وأمر بعقوبة المتخلفين من المزمزمين ... فإذا استوت المجالس وانقضى اللغط، ولا تكاد تسمع صوتا إلا همسا، قام قارئ العشر فقرأ، ثم تقدم زعيم المسمعين بصفه فيقضي بعض نوبته، ويشرع في قصائد المدح والتهاني، فتقرأ على نظام محفوظ، وترتيب محوط على قدر المنازل والرتب والمناصب، فتطير القلوب فرحا، وتسرد المعجزات، وتكثر الصلوات على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي من أعاجيب ما يرى في بلاد المغرب وبركاتها على هذا القبيل ظاهرة، والخيرات لا تزال بسبب الاعتناء بها عليهم متظافرة متكاثرة ... ولم تزل هذه السيرة والحمد لله مستمرة، فقد أجراها المولى المرحوم أبو عنان، وزاد محاسن وكما أحياها وزاد مولانا أبو سالم وكساها جمالا، وزادها أبهة وجلالا مولانا أبو فارس رضي الله عنه، على ما أخبرني به من شهدها”.

ومن العصر المريني ننتقل إلى العصر السعدي، فها هو ذا: السلطان أحمد المنصور الذهبي (تـ 956). قال عنه أبو الحسن التامكَروتي (تـ 1003): “وردنا عنده – يعني: المنصور الذهبي – أعذب مورد بالحضور في موسم المولد، الذي قام به لجده النبي صلى الله عليه وسلم واستوفاه، وأخلص لله النية في تعظيمه والإنفاق فيه، بما عجز عنه سواه ... فدخل الناس على مقاماتهم في الرتبة، وطبقاتهم في النسبة، ومنازلهم في القربة. وأخذ كل واحد موضعه من القبة، من: شرفاء،   وقضاة، وصلحاء، ووزراء، وقواد، وكتاب، وفقهاء ... وخُيِّل لكل منهم في ذلك المقام الكريم أنه في جنان النعيم. والسلطان نصره الله جالس برتبته العالية في مرتبته العرفية في فاخر ملابسه وثيابه السامية السنية ... فلما استوفى الناس بالدخول من كل معروف ومجهول، وكثرت على المواضع المغالبة والغلبة، وامتلأت بالازدحام الساحة والعتبة، واجتماع الأجناد والطلبة، وسكنت بعد حين الجلبة، وركزت ضخام الشمع الملون المزوق المزيَّن. وامتلأت القبة والساحة بأخلاط من الناس، وأصناف من القبائل على أجناس عجل بالإطعام من أنواع الطعام في القصاع المالقية والبلنسية المذهبة، والأواني التركية والهندية المعجبة ... وأنشدوا قصائد ومقطعات في مدح النبي المكرم، وفضل مولده العظيم، ونظموا في ذلك الدر المنظوم، وبالغوا في ذلك وأطنبوا ... ثم ختم المجلس بالدعاء والابتهال، والتضرع في السؤال إلى الله سبحانه ذي الجلال لمولانا الخليفة بدوام العز، وبقاء الأمر المعز وتأييد النصر”.

وقال أبو فارس الفشتالي (1031) وزير المنصور: “إذا طلعت طلائع ربيع الأول طلائع هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، توجهت العناية الشريفة إلى الاحتفال له بما يربي على الوصف، ويقف دونه همم الحاسب ... حتى إذا كان ليلة الميلاد الكريم، وقد أخذت الأهبة، وتم الاستعداد، وتناهى الاحتفال وأقصى مبالغ الكمال، وتلاحقت الوفود من مشايخ الذكر والإنشاد ... فإذا حضرت صلاة الفجر برز مولانا الإمام أمير المؤمنين أيده الله فيصلي بالناس، ثم يقتعد أريكة قبته وسرير ملكه، وعليه خلع البياض شعار الدولة الكريمة ... وتسايل الناس من البلد على طبقاتهم مغلسين من: شرفاء، وقضاة، وفقهاء، وكتاب، وشعراء، وقراء، وخطباء، وأجناد، ورؤساء، وأشياخ نبهاء، وعمال أثرياء ... تقدم أهل الذكر والإنشاد يقدمهم مشايخهم من بعد أن يفرغ الواعظ من قراءة ما يناسب المقام من الاستفتاح لفضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وسرد معجزاته، والثناء على شريف مقامه وعلى جلاله، واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة في مدائح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يخصها اصطلاح العرف باسم: المولديات نسبة إلى المولد النبوي الكريم ... فلما جاء الله بساعة الكمال، ألقت الهمم العلية المنيفة الكريمة الأحمدية المنصورية على الله بحبها وائد حزبها من ختم محاسن هذه المحاسن الشريفة النبوية بالدعوات الجليلة الإمامية العلوية”.

وقال محمد بن جعفر الكتاني (تـ 1345): “كان له اعتناء باقتناء الكتب، وبعمل المولد النبوي، ويحضره معه أعيان العلماء والشرفاء. ويحمل علماء وقته وأدباءه على نظم قصائد بليغة في المدح النبوي، تنشد بين يديه”.

وفي عهد الدولة العلوية الشريفة نالت الذكرى المولدية بمزيد عناية وكبير رعاية، فإن السلطان الحسن الأول العلوي (1311) حسب قول الناصري (تـ 1315): “استمر مقيما بمكناسة إلى فاتح ربيع الأول منها، وفي يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور، نهض أيده الله إلى فاس فدخلها يوم الخميس السادس منه بعد ما تلقاه أشرافها، وأعلامها، وأعيانها، وجميع رماتها، حتى النساء والصبيان، مع العامل، والقاضي ... وعيَّد بفاس عيد المولد الكريم، وقدمت عليه الوفود من كل ناحية، واجتمعت ببابه وجوه القبائل من كل قاصية ودانية، وازدان العصر، وعمّ الفتح والنصر، واستقامت الأمور، ونادى منادي السرور في الخاص والجمهور، ولما فرغ السلطان أعزه الله من شأن العيد، أمر أمينه أبا العباس أحمد ابن محمد بن شقرون المراكشي أن يرتب الوظيف المجعول على أبواب فاس وأسواقها على ما كان عليه في حياة السلطان سيدي محمد رحمه الله ففعل، وكان ذلك أواخر الشهر المذكور ”.

وقال في موضع آخر: “لما حضر عيد المولد الكريم، احتفل السلطان -أيده الله- غاية الاحتفال على عادة أسلافه الكرام قدس الله أرواحهم، وجعل في عليين عدوهم ورواحهم، وتشنفت الأسماع بالأمداح النبوية في الليلة المباركة بالمسجد المعد لذلك، وأنشدت قصائد لأدباء العصر، وبعد العيد كسا السلطان نصره الله جميع الجيش والعسكر والكتاب حتى الأمناء والطلبة”.

وقال عبد الرحمن بن زيدان (تـ 1365): “جرت العادة بأن تقيم الجلالة السلطانية حفلات شائقة، ومهرجانات فائقة في ليلة عيد المولد النبوي، وستة أيام ابتداء من يوم العيد، فإذا كانت الليلة الزهراء تكتب بطائق الاستدعاءات بإمضاء الصدر الأعظم عن الأمر السلطاني لكل فرد من أعيان الشرفاء، والقضاة، والموظفين، والوجهاء لحضور صلاة العشائين بمسجد القصر الملكي مع الجلالة السلطانية ... ومما جرت العادة بإنشاده في تلك الليلة: البردة، والهمزية للبوصيري، يبدأ بالبردة ثم الهمزية ... وبعد ختم الأمداح النبوية يتلى ما وقع اختيار السلطان عليه من القصائد الواردة على حضرته من شعراء دولته من سائر أصقاع إيالته في مديح جنابه الكريم، وغالبا ما يكون انتهاؤها مع انشقاق الفجر”.

ونطوي صفحة التاريخ المجيد لنفتح صفحة الحاضر المشرق المنير للمملكة المغربية حرسها الله، إذ لازلنا نعيش فصول إحياء ذكرى المولد الشريف في القصر الملكي العامر، وفي مقدمتها ذاك المشهد المهيب الذي قل نظيره في العالم الإسلامي، حيث يجلس حفيد المصطفى صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس -نصره الله وأيده- على البساط العلوي الشريف، مع حضور كبار العلماء، وأعيان الدولة، والشرفاء، وسفراء البلدان الإسلامية. واقتداء بأسلاف أمير المؤمنين المنعمين؛ يتم في هذه الليلة الزهراء تلاوة القرآن الكريم، وإنشاد الأمداح النبوية الشريفة، كما هي مناسبة ليكرم جلالته العلماء، وحفاظ كتاب الله العزيز، وتوزيع الجوائز على الفائزين في حفظ القرآن الكريم مع الترتيل، وأعلام الفكر والدراسات الإسلامية، وكذا الخط المغربي.

المصدر: مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة/إعداد: يوسف أزهار