الثلاثاء, 21 شباط/فبراير 2017 14:35

حسن رقيق: الوساطة الأسرية تفضي إلى معادلة رابح-رابح

قال المرشد الأسري حسن رقيق، عضو استشاري بالمركز المغربي للوساطة والتحكيم، إن الوساطة الاسرية برهنت على نجاعتها في تدبير الخلافات وتطويق النزاعات من خلال ما تنفرد به من مميزات تجعلها أكثر جدوى ومردودية وفاعلية، من ذلك أنها طوعية يلجأ إليها الأطراف بمحض إرادتهم، وتتحقق موافقتهم ورضاهم حول شخص الوسيط.

وشدد رقيق صاحب كتاب “الوساطة الأسرية: قواعد نظرية ومهارات تطبيقية” على مأسسة الوساطة كضرورة مجتمعية وخيار استراتيجي قبل تسجيل الدعوى أمام المحكمة. وأضاف رقيق، في حواره مع “التجديد” أن هذا خيار لا يمكن بلوغه إلا باكتساب مهارات التواصل كسلوك إيجابي في تدبير النزاع.

وفيما يلي نص الحوار:

في البداية نود منكم توضيح مفهوم الوساطة الأسرية، وبعض خصائصها؟

الوساطة وسيلة طوعية غير قضائية لحل النزاعات القائمة بطريقة ودية من خلال تدخل طرف ثالث محايد وموضع ثقة بطلب منهم أو بإحالة من القضاء، بهدف نقل أطراف النزاع من حالة الخصام إلى التفات كل منهما نحو الآخر للنقاش والتفاهم بغية الوصول إلى حل رضائي توافقي طوعي مؤقت أو دائم، ثم التفاوض بشأنه بما لا يتعارض مع القانون ومع النظام العام، في إطار اجتماع سري لا يطلع عليه إلا الأطراف المتنازعة أو الجهة القضائية الآمرة بإنجاز الوساطة، ولا يُحتج بنتائجها ولا بما أدلي فيها في نزاع آخر.

أما عن خصائص الوساطة فقد برهنت على نجاعتها في تدبير الخلافات وتطويق النزاعات من خلال ما تنفرد به من مميزات تجعلها أكثر جدوى ومردودية وفاعلية، من ذلك أنها ذات طابع غير قضائي، وطوعية ودية يلجأ إليها الأطراف بمحض إرادتهم، وتتحقق موافقتهم ورضاهم حول شخص الوسيط.

ومن خصائص الوساطة السرية أيضا، أن يوقع أطراف النزاع على شرط المحافظة عليه، سواء تعلق الأمر بمسائل تثار شفويا أو كتابة خلال مسطرة الوساطة، نفيا للإحراج وتشجيعا للأطراف على الحوار بكل حرية واطمئنان للإفصاح عن مشاكلهم وعن أسباب الخلاف بينهم وتقديم التنازلات في مرحلة المفاوضات دون أن يكون لذلك حجية أمام القضاء أو أي جهة أخرى.

وتعتبر السرعة أيضا من خصائص الوساطة، بخلاف القضاء الرسمي بحكم طول إجراءاته ومساطره المعقدة البطيئة، إلى جانب البساطة في الإجراءات والبعد عن الشكليات والمساطر، والسلاسة والبساطة في التخاطب والبعد عن التحجر والتعقيد، إلى جانب الاقتصاد في النفقات.

من هذا المنطلق نشدد على مأسسة الوساطة الأسرية كضرورة مجتمعية وخيار استراتيجي قبل تسجيل الدعوى أمام المحكمة.

ما هي دوافع اللجوء إلى الوساطة الأسرية؟

من دواعي تفعيل الوساطة حل الخصومات بطريقة ودية وحضارية، والمساهمة في التخفيف من ازدياد نسبة الطلاق وآثاره سواء على مستوى العلاقة بين طرفي النزاع أو على مستوى الأطفال، وتحقيق الطلاق الآمن الضامن لكل طرف حقه. وهناك التخفيف من انتشار واستفحال الجريمة وما يستتبع ذلك من انعكاسات تتمثل في الاكتظاظ في السجون وأوضاع السجناء مما يؤثر سلبا على صورة العدالة.

ومن خلال تجارب دولية عربية وغربية، تم التفصيل فيها في الكتاب، تبين الدور المهم لمأسسة الوساطة الأسرية في ترسيخ الودية في حل النزاعات، دون أن ننسى الخطوات التي أقدم عليها المغرب منذ إقرار المدونة إلى الآن ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد جهد.

مما جاء في كتابكم أن الوساطة تفضي إلى معادلة رابح رابح بين أطراف الأسر عوض التقاضي الذي يقتضي معادلة رابح خاسر، نود منكم توضيح هذه المفارقة للقارئ؟

الوساطة الأسرية تقتضي تسوية مرضية لأطراف النزاع من خلال التحاور والتفاوض والتسهيل الذي يقوم به الوسيط لدفع عجلة الوساطة للتوصل إلى تسوية من صنعهم لكونها مبنية على الاقتراحات المتبادلة الغير المبنية على منطق الربح والخسارة، مما يجنِّبهم المخاطر طالما أن أسلوب الوساطة خاضع لسيطرتهم ورضاهم، ويكون لذلك انتقال كبير في مرحلة التنفيذ، على عكس عملية التقاضي التي تخرج بأحكام قضائية متمثلة بأسلوب الربح والخسارة الذي قد يدفع الطرف الخاسر لعرقلة الطرف الرابح عند تنفيذ الحكم القضائي، إضافة إلى إجراءات التنفيذ الروتينية المكبلة بالقانون والتي تتصف بطول الفترة الزمنية.

الوساطة تفضي إلى تحقيق مكاسب مشتركة.. لا غالب ولا مغلوب.. فلا الانتصار ربح ولا التنازل خسارة، الأمر الذي يؤدي إلى الحفاظ على علاقات طيبة بين الفرقاء بعد التسوية بدل الحزازات والضغائن والمشاحنات.

من خلال تجربتكم في مجال الوساطة ما هي الأمور التي يجب على الوسيط أن يكون ملما بها؟

لم يقتصر الكتاب على التفصيلات النظرية الخاصة بالوساطة الأسرية بل شمل أيضا جانبا تطبيقيا، إذ هناك تفصيلات عما ينبغي أن يعلم بالضرورة عبر التعرف على الذات، ومعرفة الفروق بين الجنسين والاختلافات الناتجة عنها في تدبير مختلف مراحل الوساطة، إلى أسباب الخلافات الزوجية ومراحل تطورها وخطوات عملية في تدبيرها، وفن حل المشكلات، ومراحل جلسات الوساطة، خصوصا المهارات التطبيقية التي ينبغي تمثُّلها يوم جلسة الوساطة، وبواعث الجلسة الانفرادية وأهدافها، وكذا البيانات المهمة في حالة الاتفاق على التسوية، وعقد الاتفاق، ودور الوسيط في حال عدم التوافق.

وإن الضرورة المجتمعية والتدبير الإيجابي للمنازعات الأسرية كخيار استراتيجي يقتضي لزوما تفعيل آلية الوساطة، وهو خيار لا يمكن بلوغه إلا باكتساب مهارات التواصل كسلوك إيجابي في تدبير النزاع للوصول إلى أرضية مشتركة تضع حدا له بصيغة توافقية وتفاوضية.

إذا كانت الوساطة من بين وسائل العلاج أليست هناك طرق وقائية للمنازعات الأسرية؟

من العمليات الاستباقية الوقائية التنموية، التي أرى أهميتها وأوردتها في ثنايا كتاب الوساطة الأسرية، مقترح إنشاء مراكز متخصصة لتأهيل المقبلين على الزواج، بما هو خدمة مصاحبة لآلية الوساطة، قبل نشوب الخلافات وتطورها، وبما هو مساعدة للأسرة على تبديدها في مهدها، ودرء لتفاقمها، وقضاء على أسبابها ودوافعها.

حبيبة أوغانيم/ التجديد