الأربعاء, 23 آب/أغسطس 2017 20:38

حجة الوداع.. آخر وصايا أعظم رجل في التاريخ

وقف يتأمل في هذه الحشود الكبيرة التي لبت نداءه بكل طواعية، وهي الآن تصغي خاشعة إلى آخر وصايا لأفضل قائد عرفته البشرية على الإطلاق، لعله تذكر يوم كان وحيدا وبضعة من أصحابه يبحثون عمن يجيب دعوتهم أو يقوي عضدهم أمام الصد الشديد الذي اختارت قريش أن تواجههم به.

أمضى أكثر من 20 سنة وهو يعلم الناس ويحاجهم، لم تعوزه الكلمات ولا الآيات ولا البراهين، لقد كان أفضل من نطق بلغتهم، لكن الموقف هذه المرة يبدو مغايرا، والتحدي مختلفا، لعله لا يلقاهم بعد عامهم هذا، فليس بعد الكمال إلا النقصان، وعليه الآن أن يقدم آخر وصاياه، آخر كلاماته، وأجمعها.

هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم في حجته الأولى والأخيرة، حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، حيث ألقى خطبة الوداع، بسط فيها الأسس الكبرى لدين الإسلام، ومبادئ الاجتماع الإنساني، محذرا من أسباب الفرقة والتمزق، وكأنه يعلم بما سيعترض هذه الأمة بعد رحيله عليه الصلاة والسلام.

حرمة المسلم

قال عليه الصلاة والسلام: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا" هكذا اختار أن يبدأ خطبته، يذكر بحرمة المسلم؛ دمه وماله، موصيا بأداء الأمانة، محذرا من لقاء الرب، حيث الحساب على كل صغيرة وكبيرة، وحرمة الإنسان فوق كل الاعتبارات وفي مقام حرمة ذي الحجة.

لن يكتفي صلى الله عليه وسلم بالبداية، سيعاود التذكير مرة أخرى، محذرا من أخلاق الجاهلية عل القوم يستوعبوا حجم هذه الحرمة " وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ". وسيختم بها خطبته: "أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ".

كانت هذه أولى وصاياه، في هذا اليوم المشهود.

لا تظلمون ولا تظلمون

يقذف بوصيته الثانية "لا تظلمون ولا تظلمون"، وصية تكتب بماء الذهب، كيف لا؟ وهي قاعدة في الاجتماع البشري، وماذا قسم المجتمعات وهشمها غير الظلم، الظلم بكل تجلياته، وأبشعه ظلم الربا، ف"إِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ".

كان يؤلمه أن يرى قلة من الناس تغتني على حساب فئات عريضة من المجتمع، تستغل فقرها وحاجتها.

استوصوا بهن خيرا

حول النساء كانت الوصية الثالثة؛ حقوقهن، ما لهن وما عليهن، أخلاقهن،، يريد مكانة كريمة للمرأة المسلمة في مجتمعها، لذلك سينبه مرة أخرى "أيها الناس" " فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ".

لم تعد المرأة ضربا من المتاع، لقد أصبحت صنو الرجل لها ما له وعليها ما عليه، لا تكره على شيء، لها حقوقها كما للرجل، وعليها واجبات كما على الرجل.

اعتصموا بحبل الله

يريد عليه الصلاة والسلام لهذه الحشود المجتمعة ألا تفترق بعده، فما أجملها من جموع استظلت بكلمة التوحيد، لكنه يعلم أن الأيام غير الأيام، وأن غدا آت بما لم يخبره هذا الجيل، عليه أن يكشف لهم سر الاجتماع والوحدة، "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".

وكأنه يريد أن يقول كل ما عدا القرآن والسنة اجتهادات قد تختلف وقد تتفق، لكن النبع الأول من هنا، من كلام الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

شهادة

سيقول المتأمل في هذه الوصايا؛ ياله من بيان! وما أجمعه من كلام! ومع ذلك لم يكتفي عليه الصلاة والسلام بها، بدا له أنها تنقصها حجة، أو شهادة، لكن هذه المرة، ستكون الحجة من عندهم لا من عنده، هم من سيشهدون لا هو؛ سيسألهم؛ "اللهم هل بلغت؟" وسيجيبون "اللهم نعم" فيعقب "اللهم فاشهد".

اليوم

ثلاثة شهور بعد خطبة الوداع، سينتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى تاركا وصاياه إلى أجيال أمته من بعده، وسيمر حين من الدهر فتتحقق مخاوفه ومحاذيره؛ ستأكل هذه الأمة بعضها بعضا، وسيسود ظلمتها على مستضعفيها، وستنزل قيمة المسلم في بورصة الآدميين.

سيتجدد سؤاله صلى الله عليه وسلم إلى مليار ونصف من الناس يوم التاسع من ذي الحاجة هذا العام 1438هـ؛ "اللهم هل بلغت؟" فهل سيجيبون "اللهم فاشهد".

الإصلاح/ أحمد الحارثي