الإثنين, 04 شباط/فبراير 2019 14:14

المطلب العزيز

الثبات على الجادة من غير عوج ولا انحراف مطلب عزيز على مدى الأيام، وتزداد الحاجة إليه في وقت كثرت فيه المغريات من شهوات و شبهات، و تعددت فيه الفتن و البلايا، حتى غدا القابض على دينه كالقابض على الجمر.

والثبات مرتبط بالقلب أيما ارتباط، و هنا مكمن الصعوبة، لأن القلب كثير التبدل والتقلب٠ فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " مثل القلب مثل الريشة تقلبها الريح بفلاة." رواه ابن ماجة.

فلا عجب أن يكون أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم الثبات على الأمر : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك٠ فقيل له في ذلك ؟ قال: إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ٠" رواه الترمذي.

ويرسم الأديب الرافعي رحمه الله في " وحي القلم" صورة بديعة لحال الإنسان في خضم تجاذبات الحياة فقال : " ألا ما أشبه الإنسان في الحياة بالسفينة في أمواج البحر، إن ارتفعت السفينة أو انخفضت أو مادت فليس منها وحدها، بل مما حولها، و لن تستطيع هذه السفينة أن تملك من قانون ما حولها شيئا، ولكن قانونها هي الثبات، والتوازن والاهتداء إلى قصدها، و نجاتها في قانونها، فلا يعتبن الإنسان على الدنيا و أحكامها، و لكن فليجتهد أن يحكم نفسه٠" انتهى كلامه.

وما دام هذا هو شأن بحر الحياة، دائم العواصف و كثير الهيجان، فما السبيل للنجاة ؟

لن ننجو بلعن أحوال الطقس، ولا بسب العاصفة وتحميلها المسؤولية المادية والمعنوية، بل النجاة في قيادة سفينة النفس بثبات وحكمة حتى تنقشع الغمة، ونهتدي لبر الأمان.

إن المحن لها أسباب خارجية و أخرى داخلية، وما دامت الأسباب الخارجية ليست تحت سيطرتنا البتة، و لا يمكن منعها بأي حال من الأحوال - تماما كالعواصف و الكوارث البيئية لا حيلة للإنسان تجاهها - فدائرة تأثيرنا إذن هي أنفسنا التي بين جنبينا، فنحن من يمسك مقودها، ونحن من يوجه بوصلتها.

فكيف نقود سفينة النفس في خضم اليم الهائج، وكيف نرسيها على شاطئها بسلام ؟

إن سبيل النجاة مبثوث في القدوة الكاملة و النموذج الأمثل، مبثوث في سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم.

فالمتأمل في سيرته العطرة ليعجب من عظيم صلته برب العالمين، وكيف شكلت تلك العلاقة الوثيقة ملاذا آمنا له من عواصف الفتن.

كان صلى الله عليه و سلم إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، وتحصن بذكر الله، كان كثير الذكر، وعلى كل أحواله، حتى عند لقاء العدو، قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون٠" الأنفال: الآية

وكثيرا ما كان يلوذ بالقرآن الكريم يتلو آياته آناء الليل وأطراف النهار، آيات حبلى بسيرة إخوانه الأنبياء الذين اجتازوا امتحانات عديدة، وعركتهم شدائد عنيفة، فكانت حياتهم مواعظ مثبتة للقلوب، قال تعالى: "و كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين٠" هود: الآية120.

كان صلى الله عليه وسلم يجأر إلى الله بالدعاء أن يثبت القلوب والأقدام، كثيرا ما يردد : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا٠"آل عمران-الآية: 8

"ربنا أفرغ علينا صبرا و ثبت أقدامنا" البقرة-الآية: 250

وما فتيء يوصي بها صحابته، كوصيته لشداد بن أوس قال:  "يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس اكتنزوا الذهب و الفضة فاكنز هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر و العزيمة على الرشد٠"

ووصيته لهم بالاستعاذة من الفتن : "تعوذوا من الفتن ما ظهر منها و ما بطن."

وقد كان صلى الله عليه وسلم أول من يطبق ما يوعظ به، وأسرع من يستجيب لما يؤمر به، قال تعالى: " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. " النساء- الآية:66

إن العمل من أعظم وسائل الثبات، فلا ثبات للكسالى ولا ثبات للقاعدين، ولا ثبات لمن ديدنه الشكوى من المشاكل، بل الثبات قرين الجد والكد في هذه الحياة.

وهذا محمد الفاتح رحمه الله الشاب العشريني الذي تولى الخلافة بعد وفاة أبيه السلطان مراد، يسطر منهجا حكيما في التعامل مع المشاكل، لقد ظن بعض الولاة أنهم يستطيعون التلاعب به لقلة تجربته وصغر سنه، فبدأوا يثيرون القلاقل قصد الاستقلال، وبدأ جيران الدولة العثمانية يحاولون اقتطاع بعض الأراضي.

لما ناقش السلطان مع وزيره هذه المشاكل، نصحه الوزير بترتيبها حسب الأولوية، ثم حلها مشكلة مشكلة فقال له محمد الفاتح قولته الشهيرة: " وهل سأقضي عمري في حل المشاكل ؟! أعطوني خرائط القسطنطينية، وشرع في تجهيز الأمة لهذا الهدف الكبير، فتحقق حلمه، وفتحت القسطنطينية سنة 1453م، فتبخرت مشاكله الآنية.

منهج رائع في التدبير: الأعمال الكبيرة تقضي على المشاكل الصغيرة.

إن أمتنا اليوم وبلداننا الإسلامية لفي أشد الحاجة لمواقف راسخة وشخصيات ثابتة مثبتة قادرة على إدارة أعباء هذه المرحلة الاستثنائية بنجاح.

إنها لا شك أيام الصبر التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم، قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال : بل أجر خمسين منكم." رواه الترمذي.

يا لها من صفقة رابحة !أجر خمسين من الصحابة.

خديجة رابعة