الثلاثاء, 23 تشرين1/أكتوير 2018 16:08

المسؤولية قيمة إسلامية

المسؤولية قيمة إسلامية جامعة تعني أن كل مسلم مكلف هو مسؤول بقدر استطاعته عن كل ما جعل له الشرع سلطانا عليه، أو قدرة على التصرف فيه بأي وجه من الوجوه.

وتعتبر مهمة الاستخلاف في الأرض المسؤولية الأساسية التي وجب إدراكها تمام الإدراك، قال عز وجل في سورة الأحزاب/ الآية73: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا". وقد تحمل الرعيل الأول هذه المسؤولية وعمل بها, فشيد بذلك حضارة يشهد الناس بسموها. لكن عندما ابتعد المسلمون عن نهج الإسلام وتعاليمه فإنهم فقدوا بذلك فاعليتهم, ودب إليهم داء التنصل من مسؤولياتهم, فتدهورت حالهم وتخلفوا عن ركب الحضارة.

إن المسؤولية هي الخاصية البشرية الأساسية التي يكون بها الارتقاء بالإنسان، فهي روح الحياة وسر التقدم. والمسلم الحق هو الذي لا يخلو من المسؤولية مهما قلت منزلته، وهو الذي يلتمس دائما طريق الصواب، لأن الله تعالى لم يخلقه عبثا، وإنما خلقه ليختبره، وأمره بالكد والعمل، والبذل والعطاء، قال جل وعلا :"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون" التوبة/الآية105.

والمسؤولية هي سر العمران وعنوان النجاح والفلاح، والسمو والارتقاء، فلا تسمو أمة أو يرتفع شأنها بإذن الله في حياتها إلا بعد الأخذ بالأسباب، وتحمل المسؤوليات الجسام، واشتراك الفرد والجماعة في التعاون على خير الأمة ورعاية مصالحها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته ".

ومن طبيعة الإنسان أنه لا يستطيع أن يعيش بمفرده بل يحتاج الناس والناس يحتاجون إليه، وكلما وجد الإنسان بيئة اجتماعية فعالة كلما كان أقدر على التكيف الاجتماعي، قال ابن خلدون:" الإنسان مدني بطبعه'"، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:" الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".

والمسؤولية نوعان: فردية وجماعية,فقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه"ّ، فالإنسان مسؤول عن جوارحه: مسؤول عن لسانه أن يلغ في أعراض الناس، وأن ينقل الشائعات، مسؤول عن قلبه أن يحمل الضغينة والغل والحسد والبغضاء، قال تعالى: " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"،الإسراء/الآية36.

وفي إطار المسؤولية الجماعية، يأتي دور البيت والأسرة والمدرسة في حمل مسؤولية التربية الصحيحة للأجيال المسلمة، لأن تربية الأجيال وإعداد النساء والرجال تعد مسؤولية عظمى وجب على المسلمين أن يولوها كل اهتماماتهم. خصوصا وأن آفة التنصل من المسؤولية أصبحت داء مستشريا في أوصال الأمة الإسلامية، مما أدى إلى تصدع مجتمعاتها أمام المحن والأزمات.

ولا يستقيم أمر الأمة ولا تتسق شؤونها إلا إذا قام كل منا بمسؤولياته وأخلص المعاونة لصاحبه، إذ أن ضعف الشعور بالمسؤولية وعدم تحملها على الوجه الأكمل له أسباب ناشئة عن خلل في التربية الأسرية والمجتمعية.

ولكي ننمي هذا الشعور ونتجاوز تقصيرنا في هذا المجال، علينا بمصاحبة أصحاب الهمم العالية الذين يحسون بعظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه ربهم وتجاه أنفسهم وأهليهم وأمتهم، إذ ليس من شيء يؤثر في تربية النفوس وصقلها وتوجيهها مثل صحبة أهل الصلاح والخير والفضل، وقد جاءت النصوص الشرعية تدعو إلى مصاحبة هؤلاء، قال سبحانه وتعالى في سورة التوبة/الآية119:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"، وليس هناك أفضل من الوحي للتعرف على حقيقة المسؤولية، والكشف عن طريقة القرآن في تفعيل الإنسان، كما لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، حتى نستشعر مراقبة الله لنا في السر والعلن ونحسن القيام بما يوكل إلينا من أعمال، لنساهم جميعا في رفعة ديننا الحنيف ومجتمعاتنا وعزة أمتنا.

عتيقة بوهدار