الخميس, 05 تموز/يوليو 2018 14:27

الدعوة إلى الله فنّ وذوق

إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، هي أشرف عمل يقوم به الإنسان المسلم في حياته الدنيوية، يقول تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا وقال إنني من المسلمين) وعلى هذا الأساس المتين، فالدعوة إلى الله ينبغي أن تكون ذات فن جميل وذوق رفيع، ولبيان ذلك سنقف مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف أخاذة نمتح منها فن الدعوة وذوقها، لأنه هو الداعية الأول المقتدى به: "لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيرا".

لما فشلت كل جهود كفار قريش الإيذائية مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، جاء عتبة بن ربيعة ليفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فأغراه بالمال، والشرف والملك... لكن ذلك لم ينل من الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينما عرف أنه انتهى من الكلام قال عليه السلام: ''فقد فرغت يا أبا الوليد؟'' قال نعم، قال: ''فاسمع مني'' فقرأ أول سورة فصلت . فانظر أخي ... إلى هذا الأدب الأخاذ الذي تحلى به الرسول صلى الله عليه وسلم مع هذا الكافر القرشي المعتدي، إنه أتاح له فرصة ليعبر عن ما يجول في فكره، واستمع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يصاعر خده، وحينما عرف بأنه انتهى قال له قولا لطيفا ينساب في الوجدان انسيابا.. فقد فرغت يا أبا الوليد؟ يا سبحان الله... هذا الحال مع الكافر، فكيف مع المسلم؟ إن مقاطعة الآخر حين تحدثه لهو في الحقيقة أدب غير حسن، ولو تخلق الدعاة بأدب الحوار لكسبوا المئات من الناس.

وبعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف، استأنف دعوته في مكة، فأتى على بطن من بطون بني كلب يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، قائلا لهم: ''يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم''. إن الإنسان الداعية يستثمر أي شيء يغزو به قلوب الناس، ولو أدنى شيء كالاسم، الذي يضفي على شخصية المدعو إحساسا مفعما بالتقدير والاحترام، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما نهج هذا الأسلوب مع قوم بني عبد الله إلا لذلك، وبإمكانك أخي أن تستخدم هذا الأسلوب في واقعك، فحينما تلتقي بأحد الشباب المنحرف مثلا، فأول شيء تسأله عنه اسمه، كأن يقول لك اسمي خالدا، فتأخذ هذا الاسم و تربطه بالشخصيات العظام التي عرفها التاريخ، وسترى في نفسيته عجبا .

وبعد فتح مكة، من الذين اختفوا سهيل بن عمرو فاستأمن له ابنه عبد الله فأمنه عليه الصلاة والسلام وقال: ''إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام؟ فبلغه ذلك فأسلم''، بهاته الكلمات الرقيقة أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب سهيل بن عمرو و إن كان مخالفا له، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما توانى في إطلاق هاته الكلمات الصافية، وهكذا يكون شأن الدعاة في سبر أعماق المدعوين بما أعطاهم الله من فراسة، فليس الهدف هو ملاحقة الآخرين بالاستعداء، وإنما الهدف هو ملاحقة الناس بالرحمة ونعطي مثالا على ذلك: قد ترى من الشباب من له صوت رخيم، لكنه يستثمره في الغناء الفاحش، فزك فيه هاته الموهبة وعرفه بفن أحسن من ذلك يفيده في دينه و دنياه.

وبعد انتهاء غزوة بدر، استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أمر الأسرى، فرأى عمر بأن تضرب أعناقهم، ورأى أبو بكر بأن تأخذ منهم الفدية، فقال عليه السلام: ''إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم (فمن اتبعني، فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) وإن مثلك يا عمر مثل نوح (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا). بفطنته عليه السلام العجيبة ومراعاته لمشاعر أبي بكر وعمر مدح كلا الرأين، وهذا أمر في غاية الأهمية فلم يقل لعمر إن رأيك يحتاج إلى التعقل حينما مال إلى رأي أبي بكر بل مدحه، وهذا خلق رفيع لمن تأمر على مجموعة من الأفراد في مجلس من المجالس أو في لقاء من اللقاءات، يطرح الإشكال، ويسمع للآراء دون أن يسف رأي أحدهم، بل يزكيهم بلا إفراط ولا تفريط ثم يتخذ القرار.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيبا يوما يأكل رطبا، وكان بإحدى عينيه رمد ...فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ضاحكا: ''أتأكل وفي عينيك رمد''. فأجاب قائلا: وأي بأس..؟ إني آكله بعيني الأخرى... هذا هو مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه لا يقول إلا حقا، إنه يختار الموافق المواتية للمرح مع أصحابه رضي الله عنهم، إنه الإسلام في تربية الإنسان ساعة وساعة، فليس التدين هو العبوس القمطرير والجبين المقطب، بل هو الوجه البشوش، وابتسامتك في وجه أخيك صدقة على أساس من التوسط والاعتدال، وللدعابة طعم خاص لا يذوقها إلا من سلك نهج النبي صلى الله عليه و سلم .

لما انكشف أمر الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، الذي أراد أن يخبر كفار قريش، بما سيقدم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجنده من فتح مكة، قال عمر رضي الله عنه: ''دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق؟'' فقال عليه السلام: ''إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفر الله لكم''. إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى حاطب بن أبي بلتعة نظرة تضخيم خطئه ونسيان حسناته، بل وضع الخطأ في كفة والحسنات في كفة، فمالت كفة حسناته.

ما أعظمك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم... يا ليت الدعاة يسيروا على هذا المنهج الذي يضمن لهم العيشة الهنيئة بلا اضطراب ولا فوضى، فكم من أخ كاد أن يعصف بأخيه لزلة بسيطة صدرت منه، والأخ له حسنات عظيمة. فلا أدري ماذا سيكون مصيره لو فعل مثلما فعل حاطب بن أبي بلتعة... إن فن الدعوة وذوقها يرتكز على ثلاثة ركائز أساسية:

أـ هدف الدعوة: هو تعبيد الناس لرب العباد، وما يخدم هذا الهدف العام هدف خاص مرتبط بلحظة المعاملة، هو تحسيس الآخرين بالتقدير والاحترام .

ب ـ منهج الدعوة: هو الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد على حسب الزمان والمكان .

ج ـ صبغة الدعوة: هي صبغة الجمال، وما من مرة إلا ويحث الله سبحانه وتعالى على ذلك: (فاصبر صبرا جميلا)، فلا تنسى أخي الداعية أن تكون فنانا في معاملتك مع الناس لتهدي القلوب إلى رحمة الله.

مصطفى بوكرن