الجمعة, 01 شباط/فبراير 2019 10:54

الحسنات والصدقات الجارية

الحمد لله قال وهو أصدق القائلين (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)(12) يس

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد القائل "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِى صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ".رواه ابن ماجة في سننه

عباد الله، حديثنا اليوم معكم سنخصصه لموضوع الحسنات الجارية خصوصا  قد أصبح الناس في المواقع الاجتماعية يتناولونها بطريقة غير صحيحة فيخلطون بين الصدقة الجارية والحسنة الجارية وبين العلم النافع ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول النبي ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. فتجد الناس يكتبون أو ينشرون حديثا قد يكون صحيحا أو لا أو فائدة وقد تكون صحيحة أو لا ويقولون لا تجعلها تقف عنك  واجعلها صدقة جارية، وهذا خطا وخلط، فالصدقة الجارية يدخل فيها الأوقاف بأنواعها، سواء أكانت مستقلة أم مشتركة، كما يدخل في ذلك حفر الآبار، وكل ما يمكن أن ينتفع به الناس من الخير ويستمر انتفاع الناس به و لو بعد وفاة المحسن الذي قام بها

عباد الله : إن من أهم الأمور التي يجب أن يعتني بها المسلم: رصيده من الحسنات الجارية، فالحديث عن الحسنات أمر لا مهرب منه يوم القيامة، وهو المعيار الشرعي لترجيح كفة الميزان، والنجاة من النيران، والسعادة بدخول  الجنان، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إرشاد لهذه المنابع من الحسنات الجارية لكي نرتوي من نبعها العذب، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "سبعٌ يَجري للعبد أجرُهنَّ وهو في قبره بعد موته: مَن علَّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته"؛ الترغيب والترهيب للمنذري.

والناس ـ أيها المؤمنون ـ بعد الممات ينقسمون قسمين باعتبار جريان الحسنات والسيِّئات عليهم: القسم الأول: من يَموت وتنقطع حسناته وسيئاته على السَّواء، فليس له إلا ما قدَّم في حياته الدُّنيا، القسم الثاني: من يَموت وتبقى آثارُ أعماله من حسناتٍ وسيئاتٍ تجري عليه، وهذا القسم الثاني على ثلاثة أصناف:

الأول: من يَموت وتجري عليه حسناتُه وسيئاته، فمثل هذا يتوقَّف مصيره على رجحان أيٍّ من كفَّتَي الحسنات أو السيئات.

الثاني: من يَموت وتنقطع سيئاته، وتبقى حسناته تَجري عليه وهو في قبره، فينال منها بقدر إخلاصه لله -تعالى- واجتهاده في الأعمال الصَّالحة في حياته الدُّنيا، فيا طيب عيشه، ويا سعادته.

الثالث: من يموت وتنقطع حسناته، وتبقى سيئاته تجري عليه دهرًا من الزَّمان إن لم يكن الدَّهر كله، فهو نائم في قبره ورصيده من السيئات يزدادُ يومًا بعد يوم، حتَّى يأتي يوم القيامة بجبال من السيئات لم تكن في حُسبانه، فيا ندامته ويا خسارته.

ومن الحسنات الجارية : الصدقات الجارية، والصدقة الجارية هي ما يخرجه المؤمن من المال أو من غيره يراد به الثواب والأجر. ومعنى الجارية : أي الغير منقطعة، وهي التي يستمر ثوابها في حياة المسلم وبعد موته، فإذا أعطيت الفقير طعاما فأكله، أو مالا فانتفع به، أو ثوبا فلبسه فهذه الصدقة ليست صدقة جارية، إنما يكتب أجرها فقط، وأما الصدقة الجارية، فلبقاء نفعها يدوم أجرها عند الله، ومن أمثلة الصدقة الجارية، ما رواه ابن ماجة : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِى صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ).هكذا يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أهم الحسنات الجارية (عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ) والعلم الباقي أثره، والذي تجرى عليه حسناته في حياته وبعد مماته هو العلم النافع من علوم الدنيا والدين، ويدخل فيه بعد العلم الشرعي علم الطب والهندسة والصناعات والمهن والحرف ونحو ذلك، ولا شك أن أفضلها العلوم الشرعية مما يتعلق بالكتاب والسنة من علوم التفسير والحديث والفقه والعقيدة التوحيد والأخلاق والمعاملات والتهذيب والسير ونحوها.

فتعليم الناس العلم، وخاصة علوم الدين والشريعة، هي من أعظم العبادات المتعدية النفع إن لم تكن أعظمها على الإطلاق، وثواب من علم الناس الخير عظيم جدا ومن ذلك أن له مثل ثواب من عمل بذلك العلم، ففي سنن ابن ماجة ( أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ( مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ ). وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم (وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ )، فكلمة الولد تشتمل الذكر والأنثى، فيدخل في ذلك الابن والبنت إذا كانا صالحين، والصالح هو الذي قام بحقوق الله وحقوق العباد، فكل من ربى أولاده وأحسن تربيتهم على الإسلام ورعايتهم وتوجيههم يكتب له أجر كل الأعمال الصالحة التي يقوم بها أبناؤه، وكل مكرمة يعلّمها الأهل لأبنائهم تزيد من مقامهم ودرجتهم يوم القيامة حتى يبلغ المرء بذلك أعلى الدرجات، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) رواه مسلم

وقوله صلى الله عليه وسلم (وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ )، ويدخل في ذلك كتابة المصاحف أو شراؤها وتوزيعها وإهداؤها للمساجد أو للإخوة المسلمين، إلى غير ذلك. أما قوله صلى الله عليه وسلم (أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ )، فبناء المساجد وعمارتها وإقامة شعائر الدين فيها من الحسنات والصدقات الجارية للمسلم في حياته وبعد مماته ما انتفع المسلمون بها، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ ( مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِداً وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ )، و يدخل في ذلك من ساهم في شرائه أو بنائه، أو عمل فيه بيده، أو دفع أجرة العاملين، ونحو ذلك من العمل الذي ينسب إلى صاحبه أنه ساعد في بناء المسجد بنفسه أو ماله.

وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورا أخرى للصدقات الجارية بقوله صلى الله عليه وسلم :أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ)فكل ذلك مما ينتفع به المؤمن ، اذا احتسب عند الله أجره ،وابتغى به وجهه الكريم ،

ومن صور الحسنات الجارية والصدقات النامية : إصلاح الطرق، فإن المسلم إذا أصلح الطرق وأزال عنها الأذى واستمر الناس ينتفعون بهذا فإن ذلك من الصدقات الجارية. ومنها : بناء المدارس الإسلامية : سواء في البلاد المسلمة أو البلاد التي بها أقلية مسلمة، وخاصة مدارس نهاية الأسبوع لتعليم اللغة العربية ومدارس القرآن، ومنها : المساهمة في بناء المستشفيات لعلاج المرضى: وخاصة من الفقراء والمحتاجين ، فكم من مريض لم يجد سريراً وهو بأمس الحاجة إليه؟ وكم من مريض احتاج إلى غسيل للكلى وعانى الأمرّين ليجد موعداً؟ وكم من المرضى الذين يرهقهم البحث عن علاج أو عن دواء ولم يجدوه ؟ فالمساهمة في تخفيف الألم ورفع المعاناة ودوام نفع ذلك للفقراء والمعوزين من أفضل أبواب الصدقات الجارية .

ومن صور الحسنات الجارية: نَشر العلم النافع بمختلف الوسائل فكل من يتعلَّم هذه المعلومات يدخل في باب عِلمٍ يُنتفع به.

ومنها : تربية الأولاد تربيةً سليمة على أسس شرعيَّة؛ فتنال أجر استغفاره لك حيًّا وبعد الممات.

ومنها : شراء مبرِّد مياه ووضعِه في مكانٍ عام ليَشرب منه المارَّة في الطريق أو في المسجد، ومنها : (الوقف) من الأموال، أو غيرها، ووقفها على المحتاجين إليها.

ذ. سعيد منقار بنيس