الجمعة, 13 تموز/يوليو 2018 12:49

التوبة المتجددة

إذا كان من غايات الوجود الإنساني معرفة الله عز وجل وتحقيق مفهوم العبودية للخالق بتوحيده والخضوع والتذلل إليه، فإن اكتمال شروطها لا يتم إلا بالقيام بواجبات الدين وفهم كتاب الله والسير على نهج نبينا محمد عليه السلام، والسعي للنجاة في الدارين ، قصد الابتعاد عن النار والفوز بالجنة.

ولن يصل العبد إلى مبتغاه إلا بتزكية النفس وتطهيرها والرقي بها نحو درجات الكمال قال سبحانه" قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"، وقال سبحانه" والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، وقال عليه السلام" كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" رواه مسلم. فكيف يتحقق للعبد المؤمن مراده، وما السبل التي يتخذها لينجو بنفسه من عذاب يوم القيامة؟

على الكيس الذي ذكره خير البرية، من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، التأكد من أن دار الخلد الباقية هي التي يجب تعميرها، وأن دار الدنيا فانية، ليست إلا محطة عبور نحو خلود، فإما إلا جنة ، وإما إلى نار، اللهم أجرنا منها.

إن استحضار رغبات النفس وشهواتها، وسلبيات إتباعها وعدم مخالفتها، يجعلنا نقف على حقيقة تكوينها، ونمعن النظر في وصفها، ونتأمل ورودها في الكتاب والسنة، فكلما ارتكب العبد المعاصي إلا وازداد من الله بعدا، ونكتت في قلب نقط سوداء تجعله لا يميز بين الحق والباطل، ولا يهتدي إلى سبيل الحق، بل يتبع سبل الشيطان.قال عليه السلام" إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلق قلبه" فذلك الران الذي قال الله تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكتبون"، وقوله عليه السلام لمعاد" اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" أحمد والترمذي والحاكم.

لذا وجب القيام بتزكية النفس ومجاهدتها، وصرفها عن الشر، والاجتهاد في إصلاحها، وأول باب من أبواب ذلك التوبة. إن التوبة ملازمة للعبد في حياته، ما لم يغرغر" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" رواه ابن ماجه، وتعني: التخلي عن سائر الذنوب والمعاصي، والندم عن كل ذنب سالف ، والعزم عن عدم العودة إليه في مقبل العمر قال سبحانه :"يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار" (التحريم)، وقال عليه السلام: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة" مسلم، وقال: من تاب من قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" وقال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" مسلم.

كما أن الملائكة هنأت آدم عليه السلام بتوبته لما تاب الله عليه ( الغزالي الإحياء) ويؤكد العلماء أن التوبة واجبة من كل ذنب، ولابد لها من شروط ثلاثة، إن كانت بين العبد وربه، وهي: أن يقلع العبد عن المعصية، وان يندم على فعلها، وان يعزم أن لا يعود إليها أبدا، وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، أما إن كانت بين العبد وآدمي فشروطها أربعة، هذه الثلاثة، ويضاف إليها أن يبرأ من حق صاحبها.

فإلى كل الدعاة السائرين على الدرب النظر في أحوال النفس، وأن لا يغر أحد بقيامه ببعض أعمال البر، والتقرب إلى الله بالطاعات، من صلاة وصيام، وذكر، وقيام ليل، وغيرها.....فالكل في حاجة إلى توبة متجددة، تتهم الذات التقصير، وتتمنى القرب من الله بالطاعات، وليصغ الجميع إلى قول الحسن البصري" استغفارنا يحتاج إلى استغفار"، وقال الإمام القرطبي " إذا كان هذا في زمانه فكيف في زماننا الذي يرى الإنسان فيه مكبا على المعاصي وظلم العباد لا يهتدي للتوبة، ومع ذلك في يده سبحة زاعما أنه يستغفر من ذنوبه بها وقلبه غافل عن الاعتبار". كما عد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، من يسرع في السبحة بالاستغفار توبته توبة كذابين، وأنها تحتاج إلى توبة. فلا يكن العبد مستغفرا بلسانه مصرا على الذنب، فكم من مهمل لها، يجد نفسه قائما ليله صائما نهاره، مستغفرا حريصا على الذكر باللسان، ساقطا في أعراض الناس بالغيبة، وفصول الكلام، لا يتورع عن كذب، أو حسد، ملازما لأصحاب السوء، غير آبه بتعارض الطاعات مع المعاصي.

ولنعلم جميعا أننا في حاجة إلى توبة نصوح، فلنكثر من الاستغفار باللسان والقلب، ونتهم أنفسنا بالتقصير، لنخالف الشيطان وحزبه، فما أضعفه أمام الاستغفار، ولكن ما أقواه حين يبث في قلوبنا اتباع الهوى، قال عليه السلام: "عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منها فإن إبليس عليه اللعنة قال: أهلكت الناس بالذنوب والمعاصي وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالهوى وهم يحسبون أنهم مهتدون"، وقال عليه السلام :"من لزم الاستغفار جعل الله من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب". فلا نكن من المسوفين ونهلك، ولنتأمل سيرة أصحاب رسول الله عليه السلام الذين نزل فيهم قوله عز وجل " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة"، حتى يقول سبحانه "وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت " التوبة 117/119، وكان ذلك درسا بليغا لكعب بن مالك وأصحابه.

ولكل متأمل في آي القرآن معتبرا بما يتلى إننا بحق في حاجة إلى توبة متجددة، نتجاوز بها تقصيرنا، ونعزم من خلالها إلى القيام بواجباتنا، ونستحضر الأمانة التي كلفنا بتحملها والتي أبت الجبال والسموات والأرض حملها.

عبد الرحيم  مفكير