السبت, 17 تشرين2/نوفمبر 2018 15:35

التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين وعلى التابعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما واجعل تفرقنا من بعده سالما موفقا من الشر معصوما ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا معنا شقيا ولا محروما

قال ربنا عز وجل :"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"، ولا شك أن الاطلاع على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يعين على معرفة تطبيقه صلى الله عليه وسلم وتنزيله الوحي الذي أنزله الله عليه لأنه سيكون ذلك التطبيق معيارا مشاهدا لنا على حسن التأسي وعلى اختيار أفضل ومحاولة السير عليه، حسب الاستطاعة طبعا، وبوب أصحاب الحديث في جزء من هذه السيرة باب معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وباب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك نذكر الحديث في البخاري المعروف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في أمر كان بينه وبين زوجته أو ابنته، فدخل على النبي فوجده نائما على حصير وقد أثر على جنبه فجال ببصره في البيت فرأى قلة المتاع الموجود في بيت رسول الله صلى الله عليه وجد أمورا بسيطة، فأثر المشهد في نفسه وبكى وأنساه ذلك ما جاء من أجله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟ قال تذكر كسرى وقيصر وما هم فيه من النعيم ورأيت حالك فبكيت لذلك لشدة العيش التي أنت فيه، فأجابه الرسول بكلمته المشهورة ما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة، فنبهه بأن الحالة الحسنة التي يرجوها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعيم إنما ستكون يوم القيامة عند الله عز وجل في جنات النعيم، ولهذا ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت إذا أكلت مرة وشعبت وأكلت طعاما لينا وشهيا وشبعت تقول لا أشاء أن ابكي إلا بكيت وتذكر حينما تتذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يشبع من خبز نقي أو كما قالت، ورب قائل يقول لعل ذلك كان في أول الأمر كان المال قليلا وكانت المعيشة ضيقة، وهذا الأمر ليس استنتاجا منطقيا لأن أهل الحديث مرة أخرى بوبوا كما فعل ابن حبان بوب في صحيحه أن هذه الحالة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت اختيارا منه وليست اضطرارا وهذا قوله، وإلا فنحن نعلم أن الله عز وجل قد فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه ولم تكن حالة الفقر أو حالة قلة يد دائما وإنما كان الله يفتح عليه وكان يتصدق بالمال الكثير، فقد تصدق على أعرابي بقطيع من الغنم حينما جاءه يطلب منه مالا  فقال له اذهب إلى الوادي وسق الغنم فكاد عقل الأعرابي أن يطير ويطيش من الفرح فذهب إلى قومه وقال لهم اسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولهذا فإن تلك الحالة كانت اختيارية لعدم التوسع في المباحات، وذكر ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله عقد بابا لهذا الغرض وذكر فيه أقوالا كثيرة للسلف الصالح، ومما ذكره أن الصحابة رضي الله عنهم زوى الله عن أكثرهم الدنيا بمعنى أن أكثرهم كانوا متوسطي الحال أو قليلي الحال ومنهم أغنياء أو من جمعوا المال إلا قلة وهذه القلة قد اشتهروا بالإنفاق وكثرة الإنفاق، فلو جمعوا الدنيا ما جمعوا إنما لأجل أن يتقربوا بها من الله سبحانه وتعالى وقصص عثمان بن عفان رضي الله عنه في الإنفاق كثيرة وشهيرة، فهذا النظر في حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه في عمومه وفي خلاصته وقد كان الرسول يرشدهم وينظرون منهم يعطينا هذه الصورة التي ينبغي أن نتأمل فيها خصوصا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر في حديث رواه الترمذي وابن حبان وغيره أن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال، وهذا من الأحاديث التي فيها إخبار بحقيقة تقع وهي واقعة ونحن نرى الناس يتقاتلون ويتصارعون ويتهافتون على هذا المال فهذا مصداق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا على المؤمن ألا يسقط في حب جمع المال والدنيا في هذه الفتنة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا شك أن المال الصالح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح، لا شك أنه نعمة من الله سبحانه وتعالى إن أخذ في حله وأنفق في حله، والله تعالى يقول :"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، وقال أحد السلف الصالح "نعم العون على الدين اليسار" يعني سعة المال والرزق، ولكن كل هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننساق مع أحد وجهي الصورة فلا بد من نوع من الجمع بين النصوص وبين الوقائع حتى نخرج بالحال التي مات عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستقروا عليها، ولهذا حينما أورد الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين، حينما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال رجل فقاله له إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فقد كان الرجل ذا مال ولكن لا يبدو عليه ذلك، النووي رحمه الله بوب على هذا الحديث بقوله باب التوسط في اللباس ولا شك أن التبويب فيه فقه ذلك أن إظهار نعمة الله على العبد ينبغي أن يكون محكوما بالتوسط لا بالتوسع في ذلك إلى درجة أن يخرج إلى الطرف الأخر، وذكر ابن بر في كتابه أن المسلمين أجمعوا على فضيلة الزهد في الدنيا والرغبة عنه لكنهم لم يجمعوا على الإقبال عليها وهذا يدل أن الأمر هو التوسط، والإمام الداودي رحمه الله عنده كتاب الأموال عقد في أخره بابا في المفاضلة بين الفقر والغنى أيهما أفضل الفقر مع الصبر أو الغنى مع الشكر، وجلب الأقوال في ذلك عن السلف ثم خلص إلى أن الراجح من ذلك هو الكفاف وهذه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي كان يسألها وقد ورد في الحديث أنه كان يسال الكفاف، لأن وجود الفقر مع الصبر ليس دائما وكم من فقير لا يصبر ووجود الشكر مع الغنى أيضا ليس بلازم فكم من غني لا يشكر، فلذلك يسأل الإنسان ربه الكفاف والعفاف والغنى عن الناس كما ورد في الدعاء، والاطلاع على هذا الأمر وقراءته في سيرة النبي والصحابة يعرفنا أكثر على حياتهم وعلى معيشتهم خصوصا وأنهم القدوة لنا في العلم والدين والدعوة والجهاد وفي الاجتهاد في طاعة الله عز وجل وكل هذا يعيننا على معرفة الصورة التي كانوا عليها ويجنبنا أخذ جزئيات النصوص وجزئيات الأحوال ومما ليس عليه الغالب الأعم، وهذا كان شأن العلماء رحمهم الله تعالى، كانوا يكسبون مما رزقهم الله تعالى من المال وكانوا يقبلون الهدايا والصلات مادام ذلك بريئا من أي غرض، وقد حكى القاضي عياض عن الإمام المالك ان الخليفة المهدي العباسي حينما ذهب ليحج ومر بالمدينة أرسل إلى الإمام مالك مع رسول له ب2000 دينار أو 3000 دينار وهي ثروة هائلة وقدم له الهدية وهي هدية الخليفة فأخذها الإمام مالك ثم قال للجارية يا جارية احفظي هذا المال في مكان فاني رأيت في وجه رسول الخليفة  شيئا منكرا ووراء هذا المال أمر، فحج المهدي ورجع إلى المدينة وأرسل رسوله مرة أخرى إلى الإمام مالك يقول له إن الخليفة يريدك أن ترافقه إلى بغداد فنادى الإمام مالك على الجارية يا جارية احضري المال فأحضرته فرده إلى رسول الخليفة وقال هاهو المال على حاله ففهم رسول الخليفة ما يريده مالك وأصر أن يبقى المال عنده لكن الإمام مالك رفض ورد له المال لأنه أحس أن المال رشوة مقابل شيء ما، ولهذا كان رحمهم الله يقبلون المال مما أفاء الله عز وجل عليهم بشرط ألا يكون ذلك قادحا في دينهم أو وراءه مطمع في علمهم أو وجاهتهم، فلهذا يحتاج الأمر إلى أن نطلع عليه وكتب العلماء في هذا كثير وهو مما يحيي ذاكرتنا في تلك السيرة التي كانوا عليها رحمهم الله.

وحينما نتكلم عن الفقر فهو ليس مطلوبا في حد ذاته وفي الدعاء نقول "ونعوذ بك من الفقر" ولكنه قدر من أقدار الله تعالى يجريها على من شاء الله على عباده كما أن الغنى قدر يجريه الله على عباده وليس هو مذموما في ذاته وإنما يطلب من الإنسان أن يخرج من هذه الحالة بكسب أو يسال الله عز وجل من فضله، ولكن إن وقع وكان كذلك ما عليه إلا أن يصبر ويحتسب ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث ذكر ما فيه نوع من العزاء والمواساة لهؤلاء الفقراء الذين أعيتهم الحيلة أن يكسبوا أكثر مما يسكبون والله عز وجل قسم الأرزاق بين الناس ففي الحديث روى الإمام أحمد والترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليم وسلم ذكر فيه أن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، أو بنصف يوم كم ورد في بعض الألفاظ، فلا شك أن هذا الكلام فيه نوع من المواساة لهم والحال أنهم لا يستطيع  بعضهم أن يخرج من هذه الحالة وهذا نوع من العزاء لهم ونوع من الفضل ولعله فضل معلل ذلك أن الأغنياء عندهم ما يحاسبون عليه ولكن الفقير لن تجد عنده شيئا مما يحاسب عليهم ولهذا يدخلون الجنة قبل الأغنياء وطبعا لا بد أن يكون مؤمنا.

خلاصة الأمر من رزقه الله مالا حلالا ووسع الله عليه فيذلك فيجب عليه الشكر وأن يجود مما أعطاه الله حتى يكون الصحابة والسلف الصالح الذين فتح الله عليهم فتحوا يدهم بالخير، وأما من قدر عليه رزقه فعليه أن يتحلى بالصبر وعليه أن يجتهد بان يرزقه الله تعالى أكثر، ومن رزقه الله الكفاف فليرض بتلك الحالة التي رضي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعيار في كل هذا إلا يأكل الإنسان إلا حلالا ولا يقصد إلا إلى حلال وأن يبتعد عن الشبهات في الكسب فالأمر يحتج للورع يروى أن أحد الناس جاء إلى الحارث المحاسبي رحمه الله يستفتيه في أمر في الوضوء فقال له إني أغسل وجهي مرارا ولا أثق أني أتممت هذا الركن فقال له ما أحسن هذا الوسواس لو كان فيما تأكل وتشرب لو كان هذا الوسواس يأت يكفي اللقمة التي تضعها في فيك وهل هي حلال أو حرام أو شبهة لكان هذا أحسن لك من هذا الوسواس الذي يقع لك في وضوءك وطهارتك وهو طبعا ينبهه إلى أن الأولى بالانتباه هو هذا الأمر أما الأخر فيحتاج إلى أن يعرض عليه فان الوسواس في الطهارة غير محمود.

نسال الله عز وجل أن يوفقكم لكل خير أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والحمد لله رب العالمين.

الدكتور محمد السائح