الثلاثاء, 17 تموز/يوليو 2018 10:40

الأشهر الحرم.. فضلها والحكمة من تحريمها

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ"[1].، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الأشهر الحرم وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ورجب، وقد ورد ذكر هذه الأشهر الحرم في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36].

ومما جاء في مضاعفة الثّواب والعقاب في هذه الأشهر، فقد أقرّ ذلك بعض أهل العلم استناداً لقوله تعالى:" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ "، التوبة/36. وقال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: "فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ "، أي في هذه الأشهر المحرّمة، لأنّها آكد، وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أنّ المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى:" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ "، الحج/25. وفي الأشهر الحُرم تغلظ الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدّية على المذهب الشّافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حقّ من قَتل في الحرم أو قتل ذا محرم، ثم نقل عن قتادة قوله: إنّ الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم في سواها، وإن كان الظلم على كلّ حال عظيماً، ولكنّ الله يعظّم في أمره ما يشاء ". وقال القرطبي:" لا تظلموا فيهنّ أنفسكم بارتكاب الذّنوب، لأنّ الله سبحانه إذا عظّم شيئاً من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددةً، فيضاعف فيه العقاب بالعمل السّيء، كما يضاعف الثّواب بالعمل الصّالح، فإنّ من أطاع الله في الشّهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشّهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشّهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال، وقد أشار الله إلى هذا بقوله:" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً "، الأحزاب/30 ".

وسبب تسمية الأشهر الحرم ذكر بعض المفسّرين أنّ هذه الأشهر سمّيت حُرماً لزيادة حرمتها، ولتحريم القتال فيها. وأمّا القتال في الأشهر الحرم فله شكلان: القتال دفاعاً عن المسلمين، وهذا جائز بإجماع أهل العلم، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم. القتال هجوماً، واتّفق جمهور أهل العلم على جوازه، سواء ابتدأ فيها أو ابتدأ قبلها. قالوا: وتحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقول تعالى:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ "، التوبة/5، وبغزو النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - للطائف في الأشهر الحرم. كما ذهب بعض أهل العلم إلى حرمة القتال هجوماً في الأشهر الحرم، إلا أن يكون قد ابتدأ قبلها، وحملوا غزو النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - للطائف على هذا.

إنّ الأشهر الحرم كانت تعظّم على عهد سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام، وقد استمرّ العرب من بعدهم على هذا التّحريم، ثمّ نُسخ ذلك فيما بعد. وقال صاحب التفسير المنير:" وكان القتال محرّمًا في هذه الأشهر الأربعة على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام، واستمرّ العرب على ذلك، ثمّ نسخت حرمتها ". وأمّا الحكمة من تحريم القتال فيها، فقد أوردها ابن كثير في تفسيره، حيث قال:" وإنّما كانت الأشهر المحرّمة أربعةً: ثلاثة سرد، وواحد فرد، لأجل مناسك الحجّ والعمرة، فحرّم قبل شهر الحجّ شهر وهو ذو القعدة، لأنّهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجّة لأنّهم يوقعون فيه الحجّ، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرّم بعده شهر آخر وهو المحرّم، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمّ يعود إلى وطنه آمناً ".

معاني الأشهر الحرم لأسماء الشّهور معانٍ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأعمال التي كانت تؤدّى فيها، ومنها الأشهر الحرم، ومعانيها: ذو القعدة: سمّي ذو القعدة؛ لأنّ العرب تقعد عن القتال في هذا الشّهر على اعتباره من الأشهر الحرم. ذو الحجّة: لأنّ العرب عرفوا الحجّ في هذا الشهر. محرّم: سُمِّيَ مُحرّم لأنّ العرب قبل الإسلام حرّموا القتال في هذا الشهر ، رجب: سمّي رجب لأنّ العرب كانوا يتركون القتال في هذا الشهر، ومعنى رجب أي الشّيء المعظّم أو ذو الهيبة.

إنّ للأشهر الحرم خصائصاً تميّزها عن باقي شهور السّنة، ومنها: القتال محرّم فيهنّ، وذلك لقوله تعالى:" يسألونك عن الشّهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير "، البقرة/217، وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى نسخ هذا الحكم وجواز القتال فيهنّ. الظلم محرّم فيهنّ، وإليه يشير قوله تعالى:" فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم "، التوبة/36. اشتمال هذه الأشهر على فضائل وعبادات ليست موجودةً في غيرها، ومنها: الحجّ، فركن الحجّ كله يقع في شهر ذي الحجّة. الليالي العشر التي أقسم بها الله تعالى، وتسمّى بعشر ذي الحجة. يوم عرفة، وهو أفضل أيّام العشر، ويشرع لغير الحاجّ صيامه.

الإصلاح