الخميس, 17 كانون2/يناير 2019 16:15

أهمية خطبة الجمعة ومكانتها في المجتمع

يعتبر يوم الجمعة من المواسم العظيمة والنعم الكبيرة، ويكفي في بيان فضله وعظيم شأنه قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه".

وإن لمنبر الجمعة مكانة سامية وأهمية عظيمة في حياة كل مسلم، لذلك فالأعناق تشرئبُّ، والأنظار تتعلق، والأسماع تصغي لما يقوله الخطيب في كل جمعة، رجاءَ أن تحصِّل في تلك الفريضة زادًا إِيمانيًا يجدِّد في نفوس أصحابها العزيمة على الرُّشد، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إِثم، وما يحقق لها الفوز بالجنَّة والنجاة من النار بإِذن الله العزيز الغفار.

ولا شك أن خطبة الجمعة لها مكانة سامية، وأهمية بالغة.. فهي تتميز بمزايا، وتختص بخصائص لا تتوفر في أي نوع من أنواع الخطب الأخرى، سواء من حيث مكانها، وزمانها، أو حكمها، وحال المخاطبين بها.

لذا كانت الخطبة جزءًا من مهمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في دعوة أقوامهم إلى توحيد الله U وطاعته ، وتحذيرهم من غضبه وبطشه وأليم عقابه ، ليقلعوا عما هم فيه من ضلال وفساد عقدي وخلقي واجتماعي .

وما زالت الخطابة وستظل وسيلة ناجحة من الوسائل التي يلجأ إليها المصلحون والعلماء والدعاة والقادة في كل العصور لتحريك العقول ، وبعث الثقة في النفوس للدفاع عن فكرة معينة، أو النهوض بمهمة معينة ؛ أو التحذير من أعمال معينة .

فخطبة الجمعة شعيرة من شعائر الإسلام لها دورها الفعال في صياغة سلوك الناس والتأثير عليهم في شتى المجالات، ولها دورها البارز في خدمة الدعوة إلى الله ، فقد خصَّ الله المسلمين بيوم الجمعة ، وجعله عيدهم الأسبوعي ، وفرض عليهم فيه صلاة الجمعة وخطبتها، وأمر المسلمين بالسعي إليها جمعًا لقلوبهم، وتوحيدًا لكلمتهم، وتعليمًا لجاهلهم، وتنبيهًا لغافلهم، وردًّا لشاردهم، وإيقاظا للهمم، وشحذًا للعزائم، وتبصيرًا للمسلمين بحقائق دينهم وعقيدتهم، ومكايد عدوهم، ومما يجب عليهم، وما لا يسعهم جهله ؛ وتثبيتًا لهم جميعًا على تعظيم حرمات الله .

وأهمية خطبة الجمعة من حيث المكان الذي تقام فيه؛ وهو المسجد بيت الله، وأحب البقاع إلى الله، تعمره السكينة، وتغشاه الرحمة، وتحفه الملائكة الأطهار، ففي الحديث الثابت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنه".

ومن حيث الزمان؛ وهو يوم الجمعة، أفضل أيام الأسبوع وأعظمها، فقد وروى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة".

ونظراً لما تحمله الخطبة من أهمية، فقد أمر الله تعالى بوجوب حضورها، والسعي إليها، والإنصات لها فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾، فحضورُها واجب، والإنصات إليها واجب.. وهذا يحتم على الخطيب أن يكون في مستوى هذه المسؤولية التي أهِّلَ لها، والتي هُيّئَ له الناسُ فيها.

فقد ورد النهي في السنة المطهرة عن إشغال الناس والتشويش عليهم بتخطي رقابهم ونحو ذلك مما يَصْرفهم عن الاستماع والاستفادة والاتعاظ. فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس، فقد آذيت". رواه أبو داود والنسائي وأحمد

ولخطبة الجمعة أهداف سامية، وغايات نبيلة، ومقاصد جليلة، منها:

- تقوية الإيمان، وحماية العقيدة؛ فالإيمان أساس العمل، والعقيدة الصحيحة هي التي تقود العبد إلى سعادة الدنيا والآخرة، هي التي تجعل من الإنسان إنساناً صالحاً، قائماً بحق خالقه، ومؤدياً لحقوق العباد.

- التذكير والنبيه؛ لذلك سميت الخطبة ذكرا، ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾. بها يتذكر العبد ما نسيه، ويتنبه من غفلته، ويصحو من غفوته... والعبد مهما قويَ إيمانه، واشتدت عزيمته، فهو بشر تعتريه الغفلة، ويصيبه الفتور، فيحتاج إلى من يذكره وينبهه، ليُقلِعَ عن ذنبه، ويتوبَ من إساءته، ليُغفرَ له ما اقترفه من إساءة بين الجمعتين.

- التعليم؛ ففي الخطبة قرآن وسنة، وشرح وتفسير، وأمثال وقصص، وحِكم ومواعظ، وأحكام وآداب، فهي مدرسة تفتح أبوابها في كل أسبوع، وفي العام الواحد يستمع المصلي لثنتين وخمسين خطبة، فهي تمثل دورة مكثفة مستمرة، وهذا التكرار والاستمرار في كل الظروف، وفي جميع الفصول والمواسم، له دور كبير في إرساء المفاهيم الإسلامية، وتقليل الشر والفساد، ورفع مستوى الخير والصلاح، والحث على الفضائل، والتحذير من الرذائل...

- تهذيب الأخلاق، وتقويم السلوك؛ فمجال الأخلاق مجال خِصْب للتربية والتزكية، فاهتمام الخطيب بها أولى، وحاجة الناس إليها أشد، فبالتحلي بالأخلاق الفاضلة، والتخلي عن الأخلاق المذمومة تتحقق للناس سعادتهم في دنياهم وفي أخراهم.

-  تقوية أواصر الأخوة، ونشر المحبة بين الناس، وبث روح التضامن والتعاون والتكافل بينهم؛ فعلى الخطيب أن يكون حريصاً على تآلف القلوب، ووحدة الأمة، واجتماع الكلمة، وعليه أن يتجافى عن كل ما من شأنه أن يفرق وحدة المسلمين.

- حماية الوحدة الدينية والوطنية للأمة؛ فديننا يدعونا إلى الوحدة والألفة، وينهانا عن التنازع والفرقة، فيقول ربنا سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾. فعلى الخطيب أن يجمعَ الناس على الدين الذي ارتضاه الله لهم، وهداهم إليه، في عقيدته وأحكامه وسلوكه، ويغرسَ في نفوسهم حب بلادهم والاعتزاز بوطنيتهم وثقافتهم، ويوظفَ في ذلك المناسبات الدينية والوطنية.. ويجنبَ الناس ويحذرَهم من كل ما يشوش عليهم في دينهم، ويزعزع وحدتهم، ويمسّ بكرامتهم.

ولا تزال خطبة الجمعة تحتل موقعًا مهمًا متميزًا في تبليغ الدين، ونشر الدعوة وبث الإصلاح ؛ فهي أكثر الوسائل فعالية في بيان الحق، وعرض الفكر الصحيح، ومخاطبة مختلف الفئات والطبقات والمستويات ؛ فإذا وُجِدَ الخطيب المؤهل الموفق كان أسرع إلى فهم حاجات ومشاكل المجتمع الذي يخطب فيه ، مما يكون له الأثر الطيب في الإصلاح.

الإصلاح