السبت, 10 شباط/فبراير 2018 11:52

آثار العلم بأن الله عالم الغيب والشهادة على الإيمان والسلوك

الحمد لله السميع العليم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المصطفى النبي الكريم

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبد الله ورسوله  فصلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته والتابعين، وعلى من حافظ على دينه وشريعته واستمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين .

أما بعد، من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، وسلك  منهاجا قويما وسبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى  واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله وله .

عباد الله :  ألا فاعلموا أن الله قد أحاط  علما  بكل  الغيوب، وأنه هو الشاهد على عالم الشهادة كله، ألم يقل سبحانه عن نفسه في سورة الرعد:{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالٍ } [الرعد:9], ألم يحذرنا من اطلاعه على كل شيء لنخشاه و نستحيي منه فقال - جل علاه -:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [سورة التوبة:78].

ولعل البعض يتساءل ما المراد بالغيب والشهادة؟ (فالغيب: ما غاب عن علم الناس عن حواسهم و عن عقولهم ، والشهادة: ما شهدوه وأبصروه وعاينوه، فعلمُ الله - سبحانه وتعالى- تام، وكامل، ومحيط بكل شيء، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [مريم"سورة مريم:64]، { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [سورة الجن:28]، يقول الله - سبحانه-:{إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ  وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } [سورة طه:98]، ويقول :{قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } [سورة الفرقان:6].

نعم أيها المؤمنون أحاط علمه سبحانه بالكليات والجزءيات : بالحبة في ظلمات الأرض، وبالورقة الساقطة فيها، وبالرطب واليابس ومثل ذلك، وأعظمُ منه علمُه بمكاييل البحار وعدد قطر الأمطار، وما في البر من مثاقيل الجبال وعدد حبات الرمال، كل ذلك أحاط به الله جل جلاله، وتباركت أسماؤه إحاطة كاملة ألم يخبرنا عن ذلك إذ قال سبحانه { لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سورة سبأ:3]. أحصاه الله وكتبه في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. يقول - تعالى-:{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سورة الأنعام:59].

هذا وقد نالت صفة العلم في آيات القرآن مكانة خاصة، لأنها مرتبطة ارتباطاً شديداً بمسؤولية الإنسان، ووقوفه أمام الله - جل وعلا- وما ينبني عليها من الإحساس بمراقبة الله على أعمال الإنسان الظاهرة والباطنة، ولذلك نجد الإشارة إليها تتخلل آيات القرآن من أوله إلى آخره، مع التركيز على علم الله بأفعال العباد، حسنها وسيئها، لكي يظل إيمان الإنسان بها قائماً في أعماق النفس، وباعثاً له على تجويد العمل، والإحسان في القصد، ثم يربط بين الاعتقاد بهذه الصفة وبين السلوك البشري الصحيح، يقول - سبحانه وتعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [سورة البقرة:235]، ويسوق القرآن الحديث عن العلم الإلهي المحيط مشفوعاً بما يترتب عليه من إحصاءٍ للأعمال، ومن محاسبة عليها، ومن مجازاة بالنعيم أو الجحيم قال عز وجل{وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} [سورة البقرة: 284]، {قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [سورة آل عمران:29 و 30].

أيها المؤمنون تأتي الآيات الكثيرة في كتاب الله، لتذكر بأن الله عالم بالعباد، وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، وشقائهم، وسعادتهم، ومن يكون منهم من أهل الجنة، ومن يكون منهم من أهل النار، قبل أن يخلقهم ويخلق السموات والأرض، فهو - سبحانه وتعالى- عليمُ بما كان وما هو كائن وما سيكونُ، لم يَزَل عالِما ولا يَزال عالما بما كان وما يكون، ولا تخفى عليه خافية في الأَرض ولا في السماء، أَحاط عِلمُه بجميع الأَشياء باطِنِها وظاهرها، دقِيقها وجليلها [1]. هذا وقد اشتملت الآيات على مراتب العلم الإلهي، وهو أنواع: أولهـا: علمه بالشيء قبل كونه، وهو سر الله في خلقه، اختص الله به عن عباده. وهذه المرتبة من العلم هي علم التقدير ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة ومن هم أهل السعير؟ فكل أمور الغيب قدرها الله في الأزل، ومفتاحها عنده وحده ولم يزل، كما قال - تعالى-: {إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [لقمان:34]، وقال - سبحانه-:{ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّـهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [النمل:65].

ثانيـها: علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته. فالله - عز وجل- كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها كلمات، وتنفيذُ ما في اللوح من أحكام تضمنتها الكلمات مرهون بمشيئة الله في تحديد الأوقات التي تناسب أنواع الابتلاء في خلقه، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حساب وتقدير، وكيف ومتى يتم الإبداع والتصوير؟ كما قال - تعالى -:{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ} [الحج:70]، وقال أيضا:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا}[الحديد:22].

ثالثـها: علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه، كما قال :{اللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد:9،8]، وقال - تعالى -: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ } [سبأ:2].

رابعـها: علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه، وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه. فالله - عز وجل- بعد أن ذكر مراتب العلم السابقة في قوله - تعالى-:{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام:59]، ذكر بعدها المرتبة الأخيرة فقال:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأنعام:60]، وقال أيضا:{قدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } [قّ:4]، وقال:{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } [التوبة: 78][2].

بعد هذا البيان و التقسيم  للعلم الإلهي ومراتبه هل تتساءلون معاشر المؤمنين عن الآثـار الإيمانيــة لذلك؟

ألا فاعلموا أن من الآثــار: - أن يجب أن تتيقن أيها المؤمن دائماً أن الله عليم بما تصنعه بجوارحك، وما تعزم عليه في قرارة نفسك، علماً يجعلك دائماً نزَّاعاً للطاعات، مسارعاً إلى الخيرات، مجانباً للسيئات، مراقباً ومحاسبا لنفسك بنفسك، وحذراً من نفسك على نفسك، فتحقق المراقبة لله - سبحانه وتعالى- وبدوام ذلك والمجاهدة عليه تترقى  أيها المؤمن من درجة الإيمان إلى مرتبة الإحسان، وهي :« أن تعبد الله كأنك تراه» رواه (البخاري) و(مسلم)  من حديث (أبي هريرة) - رضي الله عنه وفي لفظ (لمسلم) :«أن تخشى الله كأنك تراه » رواه (مسلم) ، من حديث (أبي هريرة) - رضي الله عنه- لأن هناك علاقة قوية يبرزها القرآن بين الإيمان بعلم الله، وبين الامتناع عن الإثم والفسوق والعصيان، وبين المسارعة في أعمال البر والطاعة، قال الله - سبحانه-:{ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمُ ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّـهِ وَهُوَ مَعَهُمُ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء:107-108]. فالغفلة عن هذا المعنى و العياذ بالله تعالى تجعل الإنسان يقتحم بحر الذنوب العميق، ويخوض غماره خوضَ الجسور لا خوضَ الجبان الحذور، وتجعله يتوغل في كل مُظلمة، ويتهجم على كل مشأمة، لكن إذا بلغ علمه اليقين الجازم أن الله يطّلع على خفايا الإنسان، ويحاسبه عليها، ويجازيه حتى على نياته، ويراقبه حتى على خلجاته؛ وَرِث الهيبة من قربان حدودها، فبقدر قوة إيمان الإنسان بسعة علم الله تزداد خشيته، ويعظم ورعه، ويحسن عمله، وترتدع نفسه، وبقدر ضعف إيمانه وجهله بذلك يكثر زلـلـه، ويتوالى انحرافه، والله المستعان. ونفعني الله وإياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

د . سعيد منقار بنيس