ثقافة و مجتمع

تذكرة شعبانية

في شعبان ( على أرجح أقوال أهل العلم ) من السنة الثانية للهجرة، بعد مرور نحو سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة، وقعت حادثة مصيرية في التاريخ الإسلامي ؛ إنها حادثة تحويل القبلة من المسجد الأقصى صوب المسجد الحرام.

في مكة، كان رسول الله يستقبل القبلتين معا، كما أشار إلى ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه حيث قال: ” كان صلى الله عليه و سلم يصلي وهو بمكة نحو المسجد الأقصى و الكعبة بين يديه ” رواه أحمد.

فلما تحول إلى المدينة شق عليه الأمر، فلطالما تمنى مخالفة قبلة يهود، و اشتاق للتوجه صوب أول بيت وضع للناس.

فوصف القرآن حالته النفسية هاته التي تأرجحت بين خضوعه لأمر ربه و أمله في إجابة دعوته قال تعالى: ” قد نرى تقلب وجهك في السماء ” البقرة: الآية 144.

فنزل الروح الأمين يزف له البشرى بتحقق المراد ” فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره “

ويحدث الصحابي الجليل البراء بن عازب عن الحادثة فيما رواه البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه و سلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار، و أنه صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، و كان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت٠ و كانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَلَ بيت المقدس و أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ).

وروى مسلم عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت:” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ” البقرة: الآية 144.

فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة، فنادى : ألا إن القبلة قد حُوِّلت فمالوا كما هم نحو القبلة.”

إن دلالات هذه الحادثة كثيرة ولعل اللافت فيها:

1 –  سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله ورسوله، فقد تحولوا وهم ركوع٠.

ووقع بيان كيفية التحول في كلام ابن حجر رحمه الله في فتح الباري حيث قال :

(في حديث ثويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم، و قد ذكرت بعضه قريبا و قالت فيه ” فتحول النساء مكان الرجال، و الرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام “. قُلتُ وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة).

هذه الحادثة كما فصلها ابن حجر رحمه الله توضح خاصية لصيقة بالرعيل الأول، إنها الاستجابة الفورية لأمر الله ورسوله، لقد كان باستطاعتهم إكمال السجدتين المتبقيتين ثم التوجه نحو القبلة الجديدة ابتداء من الصلاة المقبلة، لكنهم آثروا التطبيق الآني لمراد الشارع دون تسويف، بهذا تميزوا و سادوا رضي الله عنهم.

2 – إن حادث تحويل القبلة كان أمرا جللا و تلته ردود أفعال متباينة٠

زعم اليهود أن محمدا خالف قبلة الأنبياء جميعا، واستغلوا الحدث لإثارة الشكوك و الشبهات طعنا في الدين، وقال المنافقون : ما ندري محمد أين يتوجه، إن كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية حقا فقد كان على باطل.

أما كفار قريش فقالوا : كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا.

فأنزل الله فيهم جميعا قوله سبحانه: ” سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق و المغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ” البقرة: 142

أما المؤمنون فلم يترددوا قيد أنملة في الاستجابة لأمر الله فامتدحهم بذلك رب العزة قائلا : ” وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ” البقرة: الآية 143

3 – لقد أثرت هذه الحادثة و ارتداداتها سلبا في بعض ضعاف النفوس، وكانت سببا لافتتان بعض المسلمين و نكوصهم على أعقابهم.

لقد احتاج الصف المؤمن إلى اختبار قبل معركة بدر التي كانت في نفس السنة، ليتخلص من ضعاف الإيمان ومن المرجفين، وشكلت هذه المحطة بحق تمحيصا قويا وتصفية دقيقة له.

4 – إن المسجد الحرام هو قبلة العرب التاريخية و جاء تحويل القبلة ابتداء إلى المسجد الأقصى لنزع فتيل كل تحيز للجنس العربي أو للعادات و الأعراف الجاهلية.

فلما صحت عقيدة الرعيل الأول وصفا إيمانهم، أعيدوا إلى قبلتهم الأولى، لكن هذه المرة استجابتهم كانت من منطلق العقيدة لا العصبية٠

إن هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ الأمة يدعونا لتفقد وجهة أفئدتنا  إعادة توجيه بوصلة قلوبنا لتكون قبلتها الوحيدة : الحق سبحانه لا الهوى أو العصبية، ويحفزنا للمبادرة وسرعة الاستجابة لأمر الله دون تلكؤ أو تسويف، و لعل هذا خير ما نستقبل به رمضان الحبيب.

خديجة رابعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق