المرأة والأسرة

امرأة ليست ككل النساء

إنها امرأة عظيمة عرفت بالحنكة والذكاء ورجاحة العقل، وكيف لا تكون كذلك وهي من اختارت محمد بن عبد الله خير خلق الله  زوجا لها.  إنها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشية، ذات الحسب والنسب في قومها، الشريفة العفيفة الملقبة بالطاهرة. امرأة ليست ككل النساء خلقا وخلقا، لم يغرها ثراؤها لتختار حياة البذخ والترف والبحث عن المتع وهي من كانت تعيش في مجتمع غلب الجهل على عقول ناسه وملك المال قلوبهم.

تقدم لخطبتها الكثيرون من وجهاء القوم وقابلتهم بالرفض لأنها تبحث عن رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رجل يصونها ويحافظ عليها، رجل يحتويها ويخاف عليها وعلى ما تملك، رجل قوي أمين وسامه سمعته وحسن خلقه فوجدت كل ذلك مجتمعا فيه صلى الله عليه وسلم بعد أن اختبرته حين استأمنته على مالها وتجارتها.  فما كان منها بعد أن أدركت أنه الفارس الذي تبحث عنه إلا أن سعت للزواج منه فحنكتها في التجارة عرفتها معادن الرجال.

وتحقق الحلم وتزوجت السيدة خديجة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت له نعم الزوجة و كان لها نعم الزوج. وضربت رضي الله عنها المثل والقدوة لكل نساء العالمين ذ في كيف تكون الزوجة الصالحة. قد يزايد البعض ويقول لقد كانت متزوجة برسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قال فيه رب العزة (وإنك لعلى خلق عظيم) فلا مجال للمقارنة بينها وبين بقية النساء. 

قد يكون هذا الكلام صحيحا إلى حد ما ولكن لننظر للمسألة نظرة موضوعية : كيف لخديجة رضي الله أن  تملك قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليقول ” تلك التي رزقت حبها” رغم أنها  امرأة ككل النساء ليست قديسة ولا نبية يصدق عليها ما يصدق على كل امرأة إن لم يكن لها ما يميزها عن بنات جنسها، لقد كانت ذات عقل راجح وحكمة بالغة في كل المواقف  فاستحقت بحق قلب الحبيب. ولنتأمل هذه المشاهد لنفهم المعنى وندرك العبرة ونتأسى بخديجة رضي الله عنها الزوجة الحكيمة:

المشهد الأول : رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهيأ للخروج إلى غار حراء، يهيئ زاده وزوجه خديجة رضي الله عنها تساعده وهي تعرف أنه سيغيب عنها ويتركها وحيدة لأيام لا تعرف عددها. يودعها صلى الله عليه وسلم متجها إلى أين؟ إلى عمل؟ أبدا، متجها إلى غار مظلم لا زاد فيه ولا ماء. ماذا يفعل هناك؟ يتحنث بالغار، كم يوما؟ كان يقضي فيه الليالي ذوات العدد،  وقد يمكث شهرا وتتكبد هي عناء الصعود إليه لتمده بالزاد إن أحست نفاذه، خوفا عليه وحبا فيه تصعد إلى الغار متحدية كل الصعاب وهي في الخمسينات من عمرها.

أي امراة أنت يا خديجة التي تقبل أن يغادرها زوجها إلى مكان  موحش لا حياة فيه ولم تلمس حتى الجدوى مما يفعله هناك. إنك امرأة من عصر آخر فلو كانت واحدة منا لانهالت عليه بآلاف الأسئلة و اتهمته  بالمس والجنون وبأنه لم يعد يحبها و…و..و… وإلا لما تركها وحيدة. لكن خديجة رضي الله عنها اختبرت فتزوجت فعرفت فأحبت فوثقت فلم تكن تترك لنفسها الفرصة لتشكك في شيء مما يقوم به زوجها فهي تعرفه جيدا وتثق به أكثر من نفسها، قد يتلوع قلبها لفراقه لكنها تخفي ألمها لمساعدته وإسعاده  فهي واثقة كل الثقة أنه ليس بشرا عاديا، فما أعظمك يا خديجة!!.

المشهد الثاني: رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالغار يتعبد في ليلة ظلماء فيحس بأحد يضمه من الخلف ويمنعه من الحركة ويأمره أن يقرأ ….إلى أن يتلو عليه فواتح سورة العلق، فيتركه وإذ به جبريل عليه السلام جاءه ليبدأ معه رحلة النبوة والوحي، فيعود النبي صلى الله عليه وسلم خائفا يرتجف إلى أين؟ إلى خديجة رضي الله عنها الزوجة والحبيبة والحضن الدافئ ومستودع أسرار حبيبها. أي امرأة انت يا خديجة ليلجأ إليك خير البشر هاربا من خوفه وضعفه باحثا عن الدفء  ومستقويا بك وبمشورتك. ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجه خديجة يقول “زملوني زملوني دثروني دثروني” فمن دثارك يا رسول الله إلا الحبيبة التي ملكت قلبك والغالية التي تعرف كيف تخفف عنك، تروي لها ما حدث فيأتي جوابها كالبلسم ( كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق).

وترافقه رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل ابن عمها مما يدل على إلمامها ومعرفتها فهي تعرف أين تجد الجواب الشافي الذي يزيد حبيبها ثقة بنفسه وثقة بربه ويفهم الأمر الذي هو مقبل عليه. ما أعظمها من امرأة لم تلمه على بقاءه في الغار ولم تتهمه في عقله ولم تتأفف من تصرفاته بل كانت له المعين والسند فحق له عليه السلام أن يحزن لفراقها أشد الحزن حتى إنه  ليسمي العام الذي رحلت فيه بعام الحزن. فلو لم تكوني بذلك الرقي لما حزن عليك صلى الله عليه وسلم – بأبي هو وأمي-  كل ذاك الحزن ولما ظل لك وفيا حتى آخر أيامه. فمن كثرة ذكره لك تغار منك عائشة رضي الله عنها وأنت في قبرك لأنك الضرة التي يغار منها حتى وهي بعيدة بجسدها حاضرة بالحب الذي غرسته في قلب محبيها ( جاء في المسند عند أحمد أن النبي – عليه الصلاة والسلام – ذكر خديجة مرة وأثنى عليها فأحسن الثناء فقالت عائشة فغرت يوما فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله – عز وجل – بها خيراً منها ، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام – بعد أن غضب كما جاء في بعض الروايات : ما أبدلني الله – عز وجل – خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله – عز وجل – ولدها إذ حرمني أولاد النساء).

إنها الوصفة السحرية “آمنت بي” فإيمانها بالرجل الذي أمامها إيمانها بصدقه، إيمانها بحبه، إيمانها بأحلامه، إيمانها بإخلاصه إيمانها بأنه من تتقاسم معه الحياة بحلوها فتسعد وبمرها فتخف المرارة أو ربما يتغير طعمها. هذا الإيمان هو الذي يجعل كل علاقة تربو وتزيد تماسكا فلا يكسرها كيد كائد ولا كره حاسد.

هذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في مشهدين فقط من مشاهد حياتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تضرب لنا أروع مثل وتعلمنا أكبر درس في الحياة فكيف لا يبشرها ربها ببيت في الجنة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “أتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، هذه خديجةُ قد أتت، معها إناءٌ فيه إِدامٌ أو طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أَتتكَ فاقرِأْ عليها السلامَ من ربها ومني، وبشرْها ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ لا صخبٌ فيه ولا نصبٌ” (البخاري).

فأين أنت أخيتي من أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في صدق حبها ووفائها وإخلاصها وتضحياتها الجسام. لقد عاشت عظيمة وماتت عظيمة فعظمت في السماء، فإن أحببت رفقتها في الجنة فسيري على خطاها مؤمنة أن الله سيرفعك كما رفعها.

الزهرة الكرش

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق