مقالات رأي

الهجرة هجرات – الزهرة الكرش

يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفقة الصديق رضي الله  عنه هجرة تغير تاريخ البشرية. هجرة غيرت خريطة العالم لأن الغاية والمبتغى فيها كان هو رب العالمين (…فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله…)1. قاعدة ذهبية ودرس عظيم نتعلمه من الحبيب: أول الهجرات الهجرة الى الله، أن نهاجر إليه بقلوبنا قبل أجسادنا، أن نفر إليه (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)2 نفر إليه من أنفسنا، من ضعفنا، من شهواتنا، من زلاتنا.

هاجر عليه السلام وكانت الوجهة عظيمة فكان الربح كبيرا، كانت الوجهة وجه رب كريم فكان الجزاء نصر وتأييد. كانت الانطلاقة بقلوب متحررة من أطماع الدنيا وزخرفها، بقلوب تتوق لمولاها وما عنده فكان الجزاء جزيلا نصر وتوفيق في الدنيا وجنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة.

هاجر عليه السلام وكله ثقة في ربه (… مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)3، ثقة كبيرة في الله منبعها إيمان صادق به سبحانه، إيمان جازم بقدرته جل جلاله، إيمان يجعل القلب مطمئنا والنفس هادئة في أحلك المواقف.

حين يفيض القلب حبا وإيمانا  بمن فطر السماوات والأرض يهب الإنسان لإجابة أوامر حبيبه طائعا راضيا مطمئنا، لا يهاب أحدا فكله ثقة أن أقدار الله ماضية فيه وإن بقي محاطا بألف سور. كيف يخاف عليه الصلاة والسلام بطش بشر وهو بين يدي الرحمان الرحيم، كيف يخاف المخلوق وهو في عصمة الخالق.

(.. مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) كلمات كانت كافية لتعيد للصديق رضي الله عنه هدوءه وسكينته موقنا ألا خوف من أعين قريش وعين الله تحرسهما.

هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمنا أن الهجرة هجرات. والهجرة اليوم وكل يوم هي بإسلام الوجهة وإخلاص النية (لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونية)4 جهاد للنفس لتؤوب الى خالقها توبة وخضوعا، وتعيد ربط حبل الود مع ربها حبا وتذللا، طاعة وعملا.

الهجرة اليوم تكون بالقيام لا بالركون، فرسول الله صلوات ربي وسلامه عليه بامكاناته المحدودة والتضييق والحصار الذي كان  مضروبا عليه لم يتقاعس بل خطط وأعد العدة وقام مجاهدا مهاجرا رغم الخطر المحدق الذي كان محيطا به من كل جانب.

الهجرة اليوم هجرة للكسل والخمول وتشمير عن السواعد لإعلاء كلمة الله.

هاجر الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه ليعلمنا أن الهجرة ليست تركا للديار والأوطان وإنما هي هجرة للأوثان التي تسكننا، هجرة للذات التي تكبر فينا، هجرة للكسل الذي نسج خيوطه داخلنا، هجرة لنا فينا نعيد بها بناءنا، بناء أنفسنا من جديد، لتحيا قلوبنا من جديد وتزهر حبا وإيمانا ورقيا و تسليما.

ليعلمنا أن الهجرة تحرر من أهواء تكبلنا فتحيلنا عبيدا لغير خالقنا وتقتل الأرواح فينا. هاجر ليعلمنا كيف نعيش أحرارا من كل أسر لا نركع ولا نسجد إلا لمن نفخ الروح فينا (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ… )5.

هاجر الحبيب ليعلمنا أن لا عبث و لا عشوائية في الحياة وإنما  غايات وأهداف. ليعلمنا أن الهجرة قرار واختيار ومسؤولية فمن  هجر العبث وقرر السير على طريق الأنبياء واختار صف الدعوة إلى الله فعليه مسؤولية الاجتهاد في التبليغ وأداء دوره الحضاري بحكمة وصبر وتفان وعدم استعجال للثمار (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)6.

——————-

1 –  رواه البخاري ومسلم

2 – سورة الذاريات الآية 50

3 –  رواه مسلم

4 –  رواه الشيخان

5 –  سورة الحج الآية 18

6 –  سورة يوسف الآية 108

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق