إصدارات عامةالرئيسية-ثقافة و مجتمع

“أوقاف المغاربة على الرعاية الصحية: تاريخها وواقعا المعاصر وسبل تطويرها وترشيدها”، إصدار جديد للباحث مرزوك

أصدر الباحث محمد مرزوك مؤخرا، مؤلفه الثالث والموسوم بـ : “أوقاف المغاربة على الرعاية الصحية: تاريخها وواقعا المعاصر وسبل تطويرها وترشيدها”، ويناقش هذا الكتاب قضية محورية هي قضية الوقف على الرعاية الصحية، أي الأحباس التي كان يقتطعها المغاربة من ممتلكاتهم فيخصصونها لحفظ الصحة من أجل الوقاية من الأمراض والأوبئة قبل وقوعها أو بالتكفل بالمرضى بعد حدوث المرض أو الوباء، وقد قدر الله لهذا الكتاب أن يصدر قبيل جائحة كورونا بالمغرب.

فالوقف نظام إسلامي، فريد وابتكار ناجع لحل الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، يضيف المؤلف، فهو بحق من مفاخر الحضارة الإسلامية، والوقف بمعناه المبسط هو أن يهب الإنسان جزءا من ممتلكاته كالدور والعمارات والمحلات التجارية والأراضي الزراعية  وغيرها لجهة خيرية ثم يقطع تصرفه عن الشيء الموقوف فتصير بذلك ملكا لتلك الجهة ولا يحق لمالكها الأصلي ولا لتلك الجهة بيعها ولا توريثها ولا رهنها ولا التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرف، بل يبقى خيرها مستمرا عبر العصور، وهذا كله تقربا إلى الله تعالى، إذ الوقف تجسيد فعلي للصدقة الجارية الواردة في الحديث النبوي” إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة” فذكر الحديث من بينها الصدقة الجارية.

ويخص هذا الكتاب نوعا من هذا الوقف هو الوقف الصحي، أي الأحباس التي تخصص للرعاية الصحية، يقول الباحث مرزوك: قد يستغرب الكثير منا ويقول: أليست الأوقاف مخصصة فقط للمساجد، فالجواب نعم لكن في وقتنا الحالي أما تاريخ المغاربة فلم يكن كذلك، بل كانت المستشفيات والمساجد تذكر جنبا إلى جنب في الكثير من الوثائق الحبسية، وكان الوقف يغطي الكثير من المجالات الاجتماعية الأخرى. وقد عرف تاريخ المغرب اهتماما كبيرا بالوقف على الرعاية الصحية، فكان مصدر تمويل لكل المجالات الصحية، فقد كانت أوقاف خاصة بالوقاية من الأمراض قبل وقوعها وذلك بالوقف على الحمامات والسقايات التي كانت منتشرة في كل أنحاء المغرب وكانت تخصص لها أوقاف بعينها، فأسهم ذلك في تحقيق النظافة وتوفير الماء الصالح للشرب، وكل ذلك وقاية من الأمراض، إذ النظافة وسيلة ناجعة للوقاية من الأمراض. كما تم الوقف على الفقراء والمساكين والملاجئ ودور المسنين وغيرها من مؤسسات الرعاية الاجتماعية لأن ذلك سببا مباشرا لحماية هذه الفئات من المرض ومما يهدد حياتهم. أما بعد وقوع المرض أو الوباء فقد كان يتم التكفل بالمرضى بشكل كلي من عائدات الأوقاف، بل كان الوقف الصحي ينفق منه لكل المجالات المتعلقة بالصحة من خدمات صحية وتعليم صحي وبحث علمي في مجال الصحة، وكانت عائداته في بعض الأحيان تكفي لسد احتياجات الصحة وتفوقها فتصرف بعد ذلك على جهات خيرية أخرى مما يبرز عظمتها وكثرتها.

ولذلك سجلت كتب التاريخ تحبيس المغاربة ممتلكاتهم على رعاية المرضى قبل تأسيس المستشفيات بالمغرب، وذلك بالوقف على الوقاية من الأمراض – كما تقدم- والتكفل بالمرضى مباشرة. أما بعد بناء أول مستشفى (الذي كان يسمى المارستان) بمراكش سنة 585هـ في عهد الدولة الموحدية، اتجه سلوك المغاربة نحو الوقف على المستشفيات، وكان مستشفى مراكش هذا مفخرة المغرب في تلك الفترة الموحدية حيث تتحدث المصادر التاريخية أنه لم يكن في الدنيا مثله نظرا لطبيعة وجودة الخدمات التي كان يقدمها ولجمال وبهاء بناياته وجنباته. كما عرفت أوقاف المغاربة على هذه المستشفيات ازدهارا كبيرا في عهد الدولة المرينية حيث تم خلالها بناء الكثير من مستشفيات المغرب خصوصا في عهد السلطان أبي عنان المريني. واستمر هذا السلوك الراقي للمغاربة في عهد الدولتين السعدية والعلوية إلى ما قبل المرحلة الاستعمارية، وقد كان الوقف على المستشفيات في كل المراحل السابقة مقترنا بالوقف على المساجد، بل كان في بعض الأحيان يؤخذ من أحباس المسجد للإنفاق على المستشفى. لكن المغرب منذ دخول الاستعمار عرف انتكاسة في الوقف عموما وعلى الرعاية الصحية خصوصا بفعل استيلاء الاستعمار على الأوقاف عموما وأوقاف المستشفيات خصوصا مما أدى إلى تدهورها وتحول بعضها إلى قيسارية كما وقع لمستشفى سيدي فرج بفاس سنة 1944.

والكتاب كذلك يبرز في محور آخر الأسباب الموضوعية والذاتية لتدهور الوقف على الرعاية الصحية ونقصانه أو اندثاره بالمغرب في عصرنا الحاضر رغم خروج الاستعمار، وكيف أن هذا التراجع أثر على قطاع الصحة بالمغرب وتم حرمان سكان المغرب خاصة الفقراء والفئات الهشة منهم من مصدر قوي لتمويل خدمات الرعاية الصحية باعتراف المؤسسات الرسمية للبلد.

ثم يقدم الكتاب مشاريع واضحة وخططا علمية لإعادة إحياء هذا النوع من الوقف حتى يقوم بأدواره كما كان في السابق، ولعل من أهم سبل إحياء هذا النوع من الوقف انخراط الدعاة والعلماء في الحث على أهمية هذا الابتكار الإسلامي في التكافل الاجتماعي وكيف يمكنه الإسهام إلى جانب مؤسسات الدولة في تنمية قطاع الصحة والتغلب على الأزمات الصحية والأوبئة كوباء كورونا الحالي، ذلك أنه مصدر دائم ومضمون ويختلف عن الهبات والصدقات التي لا تتميز بخاصية الدوام والبقاء، كما أن للإعلام بحكم ما يتميز به من قوة الأثر في الأفكار والميولات دور بارز في إحياء الوقف الصحي إن انخرط انخراطا تاما في التعريف بهذا المشروع، دون أن ننسى الكثير من المتدخلين الآخرين كمراكز الأبحاث والندوات العلمية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

والكتاب كذلك يقدم أفكارا مدروسة لتطوير هذا الوقف الصحي عبر آليات اقتصادية مستمدة من المالية الإسلامية وتتماشى مع روح الدين ومقاصد الشريعة، كما يبرز وسائل ناجعة لترشيد هذا الوقف ليسهم في تنمية مجالات صحية حيوية قد تصل لمجال البحث العلمي والاختراعات والابتكارات بفضل ما يمكن للوقف الصحي أن يضمنه من تمويل دائم ومضمون لهذه المراكز.

فالكتاب إذن يأتي ليذكر المغاربة بتاريخهم المشرق على الرعاية الصحية، وأن الوقف على المستشفيات لا ينفك عن الوقف على المساجد والمدارس وعلى الملاجئ ودور المسنين وغيرها، وأنه لا تعارض بين كل هذه المجالات، فقد وجد في تاريخ المغرب كل ذلك ولم يكن هناك من تعارض، لأن ثقافة الوقف كانت منتشرة، ووعي المغاربة بضرورة التكامل في الوقف كان كبيرا.

وإذا كنا رأينا بعد جائحة كورونا سخاء المغاربة وإنفاقهم الكبير ملكا وشعبا على الصندوق المخصص لهذه الجائحة عبر هبات وأعطيات مما يشعر بالسرور والفخر، فإن تاريخهم يشهد بسخائهم في الوقف على الرعاية الصحية، إذ الوقف مصدر دائم ومضمون عكس الهبات، لذلك كانت هذه الأوقاف تكفي للإنفاق على المستشفيات وعلى العاملين بها وعلى البحث العلمي، فيصرف ما تبقى على وجوه بر أخرى، مما يبرز حجمها.
وتجدر الإشارة ونحن في الحجر الصحي أنه كانت في كل ضواحي المدن الكبرى للمغرب أحياء مخصصة للعزل الصحي للمصابين بوباء، حيث ينفق عليهم وتوفر كل احتياجاتهم من الأوقاف، مما يبرز عظمة الوقف على الرعاية الصحية في تاريخ المغرب.

ويأتي هذا الإصدار في إطار أن يقوم كل بدوره وكل من موقعه بإعادة إحياء هذا الوقف الصحي سواء الدعاة والعلماء أو الإعلام أو مراكز الأبحاث وكل المثقفين وعموم المواطنين بتذكير الناس وحثهم على إحياء أوقاف المغاربة على الرعاية الصحية كما كانت حتى نستطيع تطوير قطاع الصحة وتزويده بمصدر تمويل دائم ومضمون ليتكفل بالمرضى، ويقدم خدمات صحية ذات جودة.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق