السبت, 13 أيار 2017 15:50

أسئلة بخصوص ملف المدرسة وبناء القيم / حوار مع: ذ: محمد ابراهمي

حضور القيم في المنظومة التربوية/ رشيد لخضر

الأستاذ الرسالي وإسهاماته/ ذ رشيد طيارة

تهديدات القيم التربوية والسلوك المدني في المؤسسات التعليمية/ رشيد لخضر

أسئلة بخصوص ملف المدرسة وبناء القيم/ حوار مع: ذ: محمد ابراهمي

تراجع دور المدرسة في ترسيخ منظومة القيم / مراد الصغراوي

سؤال القيم بالمدرسة العمومية بالمغرب؟ /نور الدين الكرف

مستقبل التربية على القيم في ظل التحولات العالمية المعاصر / خالد الصمدي

أسئلة بخصوص ملف المدرسة وبناء القيم / حوار مع: ذ: محمد ابراهمي

1 ـ في رأيكم كيف يمكن للمدرسة أن تسهم في بناء القيم؟

للمدرسة دور مهم في تنشئة المتعلمين على القيم وتربيتهم عليها، ونقل القيم المجتمعية إليهم، أو تعديلها من خلال ما تقوم به من تعليم وتأطير وتكوين وتربية، فالمتعلم يقضي أغلب وقته في المؤسسات التعليمية، ويتفاعل مع مكونات المحيط التعليمي فيتأثر بتفاعلاته الصفية وعلاقاته الاجتماعية، وبالمعارف المكتسبة والقيم الثاوية فيها، فتتشكل ملامح شخصيته، ومنظومة قيمه بشكل متواصل ومتفاعل مع مكتسباته التي أخذها من أسرته ومحيطه الاجتماعي.

2 ـ وهل يمكنها أن تقوم بهذا الدور إلى جانب دورها الأساس وهو التعليم؟

بالطبع، فمن أدوار المدرسة الأساسية التعليم والتكوين والتربية على القيم، يؤكد ذلك الوثائق المرجعية بدءً من الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي نص على أن نظام التربية والتكوین للمملكة المغربية يهتدي بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح، الشغوف بطلب العلم والمعرفة، في أرحب آفاقهما، والمتوقد للاطلاع والإبداع، والمطبوع بروح المبادرة الإیجابية والإنتاج النافع. مرورا بالرؤية الإستراتيجية 2015 / 2030 الصادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي التي دعت إلى تقوية الاندماج السوسيو ثقافي عبر نقل التراث الثقافي والحضاري والروحي المغربي، وترسيخ التعددية الثقافية والانفتاح على ثقافات الغير، وضمان ولوج سلس ومنصف للثقافة بين المجالات الترابية، والسير في اتجاه تحويل المدرسة من مجرد فضاء لاستهلاك الثقافة، إلى مختبر للإسهام في إنتاجها ونشرها، وصولا إلى أهم الدلائل الصادرة عن الورزاة الوصية، ومنها دليل الأندية التربوية الذي أشار للغايات والأهداف المرجوة من عملية التكوين والتأطير التي تهدف إليها النوادي والمتمثلة في:

ü     تقوية الشعور بالانتماء إلى الجماعة والمؤسسة والمجتمع؛

ü     دعم المبادرة الفردية، والتربية على العمل الجماعي؛

ü     إذكاء روح التعلم التعاوني والعمل الجماعي والتثقيف بالنظراء )التربية بالأقران(؛

ü     التربية على إبداء الرأي، واحترام الرأي الآخر، وقبول الاختلاف؛.....

بل الأطر المرجعية ووثائق التوجهات والاختيارات الخاصة بالمواد، والكتب المدرسية.. كلها وثائق تنص وتحث على التربية على القيم، واستدماجها ومراعاتها في العملية التعليمية التعلمية، وفي التفاعلات الصفية..

ومما يزكي هذا ما صدر مؤخرا عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حول التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، حيث دق ناقوس الخطر بهذا الخصوص، وكشف عن الصعوبات والاختلالات في التربية على القيم بالمؤسسات التعليمية.

فهذه وثائق وغيرها كثير تؤكد أن وظيفة المدرسة لا تقتصر على التعليم والتكوين وتمليك المهارات والقدرات، بل التربية على القيم والتنشئة عليها كذلك.

3: ذكرتم أن تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أشار لتحديات وصعوبات تخص التربية على القيم في المؤسسات التعليمية،  ما هي أهم هذه الصعوبات، وما هي في نظركم أهم الأسباب التي حالت دون قيام المؤسسات التعليمية بوظيفتها في التربية على القيم بالشكل المطلوب والمنتظر منها؟

كشف تقرير المجلس الأعلى اعن بعضٍ من هذه الأسباب، والمتمثلة في غياب المقاربة المندمجة والتنسيق بين البرامج المتعددة والمختلفة، وغياب الملاءمة بين المضامين والوثائق المرجعية المقدمة للمتعلمين مع المستجدات والتحولات التي يعرفها البلد والمحيط، وحالة التعارض الصريحة والمضمرة بين القيم المبثوثة في مضامين المواد الدراسية المختلفة، فضلا عن الطرق البيداغوجية المعتمدة في العملية التعليمية التعليمية، التي تعتمد التلقين، والشحن، وتفتقر للطرق التي تسهم في بناء ذات المتعلم، وتمكينهم من القدرات التي تجعله قادرا على الاندماج الإيجابي في محيطه، ثم طبيعة العلاقات التواصلية التي يسودها حسب التقرير السلطوية والعنف، كما أشار التقرير لاتساع الهوة بين الخطاب حول القيم والحقوق والواجبات وبين الممارسة الفعلية لها، نظرا لاستفحال التصرفات المخلة بالقيم بالمؤسسات التعليمية ومحيطها، وضعف التكوينات التي يتلقاها أطر التربية في مجال القيم والتربية عليها، وما له من أثر على ممارستهم وانخراطهم في إنجاح الإصلاحات ذات الصلة، وندرة التقييمات للبرامج المتتالية للتربية على القيم التي اعتمدتها البرامج المتتالية، ومحدودية قدرة المدرسة المغربية في تنمية الشراكات في هذا الشأن، خصوصا في ما يتعلق بتنمية أدوار الحياة المدرسية والجامعية في علاقة بمشروع المؤسسة.

وبالإضافة إلى ما أشار إليه التقرير فمن المعيقات والصعوبات التي أراها تحول دون توسيع مجال الاهتمام بالتربية على القيم، المنافسة الشرسة لمؤسسات حديثة في التربية على قيم مفصولة الصلة عن القيم المرجعية للمجتمع المغربي، كمؤسسات الإعلام الحديث، وضعف الفعل المندمج بين مختلف المتدخلين في هذا المجال، وضعف المقاربة التشاركية التي يتحمل فيها جميع الشركاء المدنيين والاجتماعيين والاقتصاديين.. المسؤولية في النهوض بالمؤسسات التعليمية وقيامها بأدوارها في هذا المجال، فضلا عن طبعية التكوين الذي يتلقاه المتعلم في مراحل التكوين الجامعي، حيث ندرة إن لم نقل شبه انعدام للتربية على القيم، ورهن التعليم العالي لمنطق السوق وإكراهاته، وتحدياته ومتطلباته.

4 ـ ما هي أهم المداخل التي ينبغي التركيز عليها من أجل غرس القيم وتعزيزها، لتخريج أجيال تعتز بهويتها وأصالتها ؟

أولا لا بد من الحسم في المرجعيات التي تؤطر وتوجه المناهج والبرامج في هذا المجال، وتجاوز حالة التدبدب في الاختيارات والتوجهات والسياسات التربوية في بعدها القيمي، والقطع مع منطق الترضية السياسية في بناء منظومتنا التربوية، والانحياز للمرجعية الوطنية المتجذرة في تاريخ وحياة المجتمع المغربي، والتي أقرها ونص عليها دستور المملكة المصادق عليه من طرف الشعب المغربي في يوليوز 2011، والذي جاء في تصديره " الهوية المغربية تتميز بتبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء" هوية حاكمة على باقي الاتفاقيات الدولية، التي لا تسمو، ولا تلقى أثرها القانوني والعملي في مؤسسات الدولة وبنيات المجتمع إن كانت خارجة عن نطاق الهوية والمرجعية الحاكمة، بنص الدستور الذي جاء في تصديره " جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة" فسمو الاتفاقيات الدولية مرتبط بعدم خروجها عن نطاق الدستور الذي أكد على هوية الشعب المغربي، ومرجعيته الإسلامية، ثم رهين بعدم تعارضه مع قوانين المملكة وهويتها الوطنية كما هو منصوص عليه صراحة في هذه المادة.

هوية أكد عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين سابق في مرتكزاته التي جاء فيها:

"يهتدي نظام  التربية والتكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكون المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح, المتسم بالاعتدال والتسامح, الشغوف بطلب العلم والمعرفة, في أرحب آفاقهما, والمتوقد للإطلاع والإبداع, والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع. "

      ثم "يلتحم النظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله، وحب الوطن، والتمسك بالملكية الدستورية ؛ عليها يربى المواطنون مشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص، وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم, متمكنون من التواصل باللغة العربية, لغة البلاد الرسمية, تعبيرا وكتابة, متفتحون على اللغات الأكثر انتشارا في العالم, متشبعون بروح الحوار, وقبول الاختلاف, وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون."

مرجعية لن تقبل التطويع لما يسمى بقيم الحداثة، أو تذوب في ما يطلق عليه بالقيم الكونية، وهو الهدف الذي يسعى له العديد من الدارسين والباحثين المغاربة، رغبة في تطوير منظومتنا التربوية بعيدا عن أصولها ومنطلقاتها المرجعية، وهويتها الحضارية،

ثم اعتماد مدخل التربية والتعليم الذي يعتبر أهم هذه المداخل، يليه التفاعلات الصفية والاجتماعية في فضاء المدرسة ومحيطها، والأنشطة الموازية التي لها دور مهم في ترسيخ القيم والتنشئة عليها، فالمتعلم لا يكتسب المعارف ولا يتلقى التكوين مجردة عن القيم وبعيدة عنها، فالمعرفة تحمل في طياتها قيم، والتكوين يتأطر بها، فالمدرسة الناجحة هي التي تؤطر المعارف وطريقة التكوين بقيمها المرجعية وحمولتها الثقافية الحضارية، وتمكن تلامذتها من التعبير عن قدراتهم وطاقاتهم في أنشطة تفتق قيمهم الإبداعية، وتفتح لهم أفاقا تواصلية أرحب للتعبير عن الذات الحضارية، وهي مسألة تفرض انفتاح المدرسة على المحيط الثقافي والاجتماعي...، وانفتاح المحيط على المدرسة، لتمكين المتعلمين من الانخراط الفاعل في هموم مجتمعهم وقضاياه الثقافية والبيئية والاجتماعية..، ولِنَقْلِ هذه القضايا والتحديات لفضاء المدرسة، كي لا تعيش منفصلة عما يعيشه واقعها، منعزلة عن تحدياته ومتغيراته وتساؤلاته، خاصة وأنها تُعِدُّ الأجيال التي ستقود هذا المحيط في المستقبل، والتي ستتفاعل مع تحدياته وإكراهاته وفرصه.

ومن مداخل التربية على القيم مواكبة ما يعيشه العصر من تطور متسارع في جانبة التقني، وهو ما يفرض استدماج التقنيات الحديثة في خدمة منظومة القيم المرجعية والتأطير بها وعليها، فكثير من المعطيات تكشف عن حجم الإقبال الكبير للشباب مع العالم الرقمي الذي أصبح أداة أساسية في  نقل أنماط الفكر والسلوك في المجتمع، والثقافة السائدة فيه، فهو يساهم ويؤثر بشكل كبير في المتعلمين وفي شبكة علاقاتهم، ويساهم في إكسابهم قيما جديدة، أو التخلي عن القيم السابقة أو تعديلها وتطويرها، بل أصبح مؤسسة تربوية وتعليمية تنافس المؤسسات التقليدية في التربية على القيم  والتنشئة عليها.

ومن القيم التي ينبغي تنشئة المتعلمين عليها باغتنام ما يتيحه هذا العامل من فرص، قيمة العلم، إذ يجب توجيه المتعلمين للاستفادة من الخدمات العلمية الهائلة التي يوفرها هذا الفضاء، فقد أتاحت وسائل الإعلام الرقمي إمكانات هائلة للبحث العلمي ينبغي حث المتعلمين على اغتنامها، وذلك للتوصل إلى المعلومة بسرعة قياسية، وفي مختلف مصادرها، التي أصبحت مادة ميسرة في شكل مكتبات كاملة مصورة، ومقالات ودراسات وبحوث علمية أكاديمية عدة، ومواقع تعليمة كثيرة، وفتحت آفاق كثير لتطوير البحث وتجويده بما يتناسب مع سرعة التحولات التي يعرفها الواقع في مختلف المجالات،

كما ينبغي تحذيرهم من الإدمان على العالم الرقمي الذي يجردهم من أهم قيمهم وخصائصهم الاجتماعية والمتمثلة في التواصل والتفاعل الاجتماعيين، حيث ينعزلون عن محيطهم الواقعي، ويعيشون حالة انفصام بين الواقع والافتراض، بل قد ينعكس ذلك حتما في علاقاتهم الصفية والاجتماعية الواقعية التي تفتر كلما ازدادت ساعات ارتباطهم بعالم الافتراض، وتتعثر قدراتهم التواصلية، فيعود ذلك عليهم بالفشل في حياتهم الدراسية والاجتماعية، والانعزال عنها، فتتعطل قدراتهم، ووظيفتهم في الحياة.