السبت, 12 آب/أغسطس 2017 11:49

ومضات من حياة العلامة التليدي رحمه الله

ومضات من حياة شيخنا العلامة المحدث

السيد عبد الله التليدي رحمه الله

بقلم : الدكتور عبد المنعم التمسماني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على كل حال ، ودوام الحال من المحال . 

وبعد :

فإن موت العلماء الربانيين مصيبة عظمى، وثُلْمة في الإسلام لا تسد، وكَسْر في جداره لا يجبر ؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ومصابيح الدجى، وأعلام الهدى، وقوام الأمة ، فبهم تحفظ الملة، وتقام الشريعة ، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ... ولأن موتهم سبب لرفع العلم النافع، وانتشار الجهل الناقع، كما ورد في الصحيحين – واللفظ للبخاري- : « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جُهَّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا » . وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما فسرا (نقصان الأرض) في قول الله تعالى في الآية 41 من سورة الرعد : ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾  بموت علمائها وفقهائها وخيار أهلها .

وذهاب العلم بقبض العلماء الربانيين أمارة من أمارات قرب الساعة، كما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه : « إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويَثبت الجهل ... » .

ولقد خسر العالم الإسلامي في العقدين الأخيرين كوكبة من هذا الصنف من العلماء العاملين .. وقبل يومين رزئت الأمة الإسلامية وفجعت في غياب نجم من تلكم الأنجم اللامعة وأُفُول كوكب من تلكم الكواكب النيرة ، إنه شيخنا ومجيزنا العلامة المحدث السيد عبد الله التليدي، الذي يعد موته خسارة كبرى لعلم الحديث، ليس فقط على مستوى المغرب، بل على مستوى العالم الإسلامي ...  

ولقد عرفت هذا الشيخ الجليل منذ نعومة أظفاري ، ففي مدرسته العامرة بحي مرشان بطنجة أكملت حفظ كتاب الله تعالى، وحفظت جملة من المتون العلمية في العربية والفقه ومصطلح الحديث ... ثم عكفت على حضور مجالسه العلمية في شتى العلوم الإسلامية ...

ولما كانت مدينة طنجة وقتئذ – أي في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات – تعرف نهضة علمية على يد نخبة من الأئمة الجهابذة ، وخاصة من أعلام الأسرة الصديقية ، وفي مقدمتهم: العلامة المحدث الأصولي الموسوعي السيد عبد الله، والعلامة المحدث الراوية السيد عبد العزيز، والعلامة الأصولي المتفنن السيد عبد الحي ...

فإنني كنت – وبتوجيه من الوالد رحمه الله تعالى – أحرص على ارتياد مجالس هؤلاء الأئمة الأفذاذ، إلى جانب حضوري لمجالس شيخنا الفقيد عليه رحمة الله، قصد النّهل والارتواء من منابع العلم وينابيع الحكمة التي كان يجري سلسبيلها على ألسنتهم جميعا ، فأوعبت واستوعبت ، وملأت الوُفض من بحورهم الزاخرة التي لا ساحل لها، فرحمهم الله وجزاهم عن العلم وأهله أحسن الجزاء .

ويعتبر فقيدنا رحمه الله امتدادا لأعلام المدرسة الصديقية في علمه ودعوته ومنهجه في الفكر والسلوك ، فهو أحد خواصّ تلامذة العلامة الحافظ السيد أحمد بن الصديق ، وأحد مقرَّبيه الخُلَّص .. فقد لازمه، وتتلمذ على يديه ، وتأثر به تأثرا كبيرا ، بل إنه وجد نفسه بمصاحبته كأنه وُلد من جديد ، كما حكى في ترجمته لنفسه "ذكريات من حياتي" .

ولا غرو، فهو الذي حَبَّب إليه العمل بالسنة والأخذ بالدليل، وأخرجه من دائرة التعصب المذهبي الذي كاد أن يزري به ، فكسر جمود التقليد الأعمى، وتحرر عقله من سفالة الجمود الذي وقع في شركه وسقط في أوحاله المقلدة المتعصبون من أقرانه ...

كما أنه حَبَّب إليه علم الحديث: رواية ودراية ، فانقطع إلى رحابه، وصرف همته إليه، واستفرغ الـمُنَّة والقوة في طلبه على يديه ، وجدّ، واجتهد، وثابر، وشمر الذيل، وعانى، وتكبد نوائب ومكاره في سبيل تحصيله واستيعابه ، حتى أحكم قواعده، ونال فيه الحظ الأوفر، وصار من كبار رجالاته وفرسانه ، وأجازه فيه نخبة من صيارفته وكبار مسندي عصره .. وكرس حياته لخدمته : تدريسا وتصنيفا وتخريجا وتهذيبا وتنقيحا ... كما تشهد بذلك مصنفاته الماتعة فيه ، ومنها على سبيل المثال : "تهذيب جامع الترمذي"، و"تهذيب الخصائص الكبرى" للسيوطي، والموسوعة الحديثية الموسومة بـ"بداية الوصول بلب صحيح الأمهات والأصول" ، و"جواهر البحار في الأحاديث الصحاح القصار" ، و"إتحاف أهل الوفا بتهذيب كتاب الشفا" ، و"الفوائد الجلائل في تخريج أحاديث السيرة والشمائل" الذي خرج فيه أحاديث السير والشمائل المضمنة في شرح همزية البوصيري للعلامة السيد أحمد بنعجيبة ، و"إتمام المنة بشرح منهاج الجنة في فقه السنة" ...

 وآخر ما سطره يراعه في هذا العلم الجليل كتاب نفيس جمع فيه ما صحّ من أحاديث الأحكام، ووسمه بـ"فتح العلام في أحاديث الأحكام" ، ويقع في جزئين كبيرين بخط يده، نرجو أن ييسر الله طبعه في القريب العاجل .

كما قدم شيخنا رحمه الله خدمات جليلة لعلوم إسلامية أخرى ...

وتخرج على يديه جمّ غفير من طلبة العلم ، بلغ عدد منهم شأوا علميا بعيدا، وتقلد بعضهم مراكز علمية ودعوية مهمة ...

 - أما عن عقيدته رحمه الله، فقد كان في بداية أمره على مذهب الأشاعرة المتأخرين الذين مزجوا عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري ببعض عقائد المعتزلة ، ثم ما لبث أن تمسك بعقيدة السلف ، بعد قراءاته المتكررة لرسالة الإمام ابن أبي زيد القيرواني ، واطلاعه بعد ذلك – بتوجيه من شيخه السيد أحمد – على كتاب "الاعتقاد" للإمام البيهقي ، و"الدرة المضيئة" و"الطحاوية" و"لمعة الاعتقاد" ، وغيرها من مظان العقيدة السلفية ...

 - ومما تميز به شيخنا عليه رحمة الله – إضافة إلى نبذه التقليد وحرصه على الأخذ بالدليل من موارده ومعاقله المعتبرة عند الجمهور – أنه كان عادلا ومنصفا في مناقشاته ومطارحاته ومواقفه ممن يختلف معهم من أهل العلم ، فلم يكن يحمله اختلافه معهم على بخسهم حقهم، وتَعمُّد الحط من أقدارهم، أو رميهم بما لا يسوغ ولا يليق من الأوصاف القبيحة والعبارات المشينة، كما هو دأب الكثير من قليلي الأدب من المنتسبين للعلم والمفتقرين إلى التربية في عصرنا، للأسف الشديد ‼ .. بل كان يعترف بفضلهم، وينوه بعلمهم وبما قدموه من خدمات جليلة لدين الله وشريعته . ومن أبرز علماء العصر الذين كان بينه وبينهم اختلاف كبير معلوم ، لكنه كان يتحدث عنهم في مجالسه وكتبه بعدل وإنصاف وموضوعية، ويثني على علمهم واطلاعهم : العلامة المحدث الكبير ناصر الدين الألباني رحمه الله .

 - ومما يميز شخصية العلامة المحدث السيد عبد الله التليدي رحمه الله كذلك : أنها (شخصية ربانية) ، فالرجل كان له اجتهاد عجيب في الإقبال على الله بمختلف ألوان الطاعات والقربات ، وكان موصول الحبال بربه، منكسرا بين يديه بالإنابة، ومتذللا لعظمته بالاستكانة ، مداوما على الذكر والاستغفار، ومكثرا من تلاوة القرآن والصلاة على خير الأنام عليه من ربنا أفضل الصلاة وأزكى السلام ، ناسكا، صوّاما، قوّاما، قانتا لله، ورعا، متعففا، ناكرا لذاته، كارها للظهور والإعلان عن نفسه، مقدما محبوبات ربه على محبوبات النفس وأهوائها ، متقلّلا من الدنيا، راضيا باليسير منها، زاهدا في زخرفها ومتاعها الزائل ، شعاره في ذلك قول الله تعالى : ﴿ وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ﴾ [القصص : 60] ، وقوله سبحانه : ﴿ فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ﴾ [الشورى : 36] ، وقوله عز وجل : ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ﴾ [العنكبوت : 64] ، وقوله جل وعلا : ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ﴾ [ الأعلى: 16، 17] ، وقوله عز من قائل لنبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم  : ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾ [الضحى: 4] .

 ومما تميز به فقيدنا عليه رحمة الله أيضا : أنه كان جمّ التواضع مع كل فئات المجتمع ، محبّا للفقراء والمساكين، كثير الاقتراب منهم، يعود مرضاهم ويشهد جنائزهم .. وذلك ما يلمسه فيه كل من خالطه وصاحبه .

وهكذا جمع رحمه الله بين العلم والعمل ، فكان بذلك عالما ربانيا ..

وبعد .. فهذه ومضات خاطفة وشذرات مقتضبة من حياة عالم عامل ، نذر نفسه لخدمة الإرث النبوي الشريف على مختلف المستويات ، فانتفع ونفع ..

ويبقى العلامة المحدث السيد عبد الله التليدي رحمه الله بشرا ، يعتريه ما يعتري غيره من أهل العلم من هفوات وهنات ، ولذلك أُخذت عليه مآخذ كما أخذت على غيره ، وانتُقدت جملة من آرائه واجتهاداته واختياراته كما انتُقدت أفكار واختيارات غيره ..

ولا غرابة، فإن كل من ألف فقد استهدف ، وإن لكل جواد كبوة ولكل علم هفوة ..

لكن من عرف شيخنا رحمه الله عن كثب ، وإن اختلف معه في بعض ما ذهب إليه ، لا يملك إلا أن يقدره ويحبه، لصدقه وإخلاصه وعدله وإنصافه ...

فرحم الله شيخنا الجليل، وأكرم مثواه، وأجزل مثوبته، وتقبل منه ما أذاع ونشر من علم نافع ، وجعله في ميزان حسناته ، إنه سبحانه أكرم مسؤول وأرجى مأمول ..

والحمد لله في البدء والختام ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله .

وحرر مساء يوم الإثنين : 14 ذو القعدة 1438هـ/

 الوافق لـ 7 غشت 2017م .