Monday, 24 April 2017 15:21

وعد بلفور... عُجاب التاريخ والواقع

كتبه

قرّرت ليندا صرصور، وهي سيدة فلسطينية بألف رجل أو أكثر، تقيم في الولايات المتحدة، إطلاق مبادرةٍ لجمع تبرعات رمزية لترميم مقابر اليهود التي تم تدميرها في مدينة سانت لويس، في ولاية ميزوري الأميركية، وسرعان ما كبرت المبادرة ككرة الثلج، حتى جمعت مبلغاً فاق 125 ألف دولار في سويعات قليلة من مسلمي الولايات المتحدة أساساً، وهو ما يزيد فعلياً عن التكاليف المطلوبة لترميم شواهد القبور المستهلكة في سانت لويس، والتي لم تكن الأخيرة في سلسلة أحداثٍ أصبحت شبه يومية في الولايات المتحدة تجاه الجالية اليهودية، ومقابرهم في الولايات المتحدة، كانعكاس طبيعي للرغاء الفاشي الذي يستخدمه الرئيس دونالد ترامب، ومن لفّ لفه، لتأسيس قاعدة شعبية مختلقة لهم، ليس على أساسٍ مصلحي اقتصادي، أو فكري إيديولوجي، وإنما على أساس شعبوي عنصري معاد للمهاجرين، والمسلمين، والملونين، وكل من خالف تفوق السيد الأبيض، في استعادة مواربةٍ، إلى الآن، لخطاب التحريض النازي إبّان الحرب العالمية الثانية.

عقب حرق المسجد والمركز الإسلامي الوحيد في فيكتوريا في ولاية تكساس، قرّرت إدارة المعبد اليهودي في المدينة، تقديم مفاتيحه لمسلمي المدينة ليؤدوا صلاتهم فيه، بعد أن أصبحوا دون مسجد في المدينة إذ إن " المكان يتسع لكل المسلمين واليهود في المدينة" بحسب تصريح روبرت لويب مدير المعبد اليهودي في المدينة.

في سياق التظاهرات الشعبية العارمة في الولايات المتحدة وعالمياً، ضد قرار إدارة ترامب حظر "دخول بعض مواطني الدول ذات الأغلبية المسلمة"، كان ملفتاً للنظر تلك اللافتات الصفراء المرفوعة التي كانت تحاكي اللصاقات التي كان يضعها النازيون، لتمييز اليهود الأوروبيين قبيل سوقهم إلى معسكرات الاعتقال الجماعي. وكان مثيراً للانتباه مستوى مشاركة أجيال شابة كثيرة من يهود الولايات المتحدة في تلك المظاهرات، كما لو أنهم يستشعرون أن التاريخ يعيد نفسه، وأنّ ما ينال من المسلمين الآن قادم عليهم لا محالة؛ فلطوفان الشعبوية السياسية قوانينه التي أثبت التاريخ أنّها تدمر كل من تراه "آخر" قبل أن تدمر نفسها ومن معها.

وعلى الطرف الآخر من الأطلسي، طالبت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، الشعب البريطاني بالشعور بالفخر بمرور قرن على وعد بلفور، بالتوازي مع مداهنتها وتمسّحها بزعماء الخليج العربي لبيعهم "مزيداً من الصواريخ"، بحسب الصحافي المرموق روبرت فيسك، والذي رأى أن وعد بلفور لم يكن سوى "الوثيقة الأكثر كذباً، وخداعاً، ورياءً في التاريخ البريطاني الحديث"؛ ليشير، بعد ذلك، إلى المقدمات البراغماتية التي مهّدت لتلفيق الوعد المشؤوم، لأجل استمالة يهود الولايات المتحدة وروسيا إلى جانب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في الحرب العالمية الأولى. وبشكل أكثر صراحةً، وثّقه الباحث ديفيد كورنين في كتابه "ظل بلفور.. قرن من الدعم البريطاني للصهيونية وإسرائيل"، في رسالة أرسلها بلفور إلى وزير الخارجية الذي تلاه في عام 1919 صرح فيها أن "الصهيونية أهم بشكل أكثر عمقاً للمصالح البريطانية من رغبات و ظُلامات سبعمائة ألف عربي ممن يسكنون تلك الأرض القديمة".

وفي تكثيف عميق لمحنة فلسطين وشعبها المظلوم، لخص روبرت فيسك أسّ المحرك الذرائعي البريطاني في علاقتهم مع العرب واليهود، منذ وعد بلفور، بأنه "أعذار الأفعى السياسية البريطانية لتبرير مبيعات أسلحة بتريليونات الدولارات للإسرائيليين والعرب على حد سواء، ليحتربوا بها، والتي تسمعها دائماً من الحكومات البريطانية المتعاقبة: إذا لم تسلحهم بريطانيا سوف يسلحهم الآخرون".

في مقابلةٍ أجراها الصحافي الطليعي، خوان غونزاليس، مع الصحافي التقدمي، جدعون ليفي، في صحيفة هآرتس، والمحامية ديانا بوطو مستشارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس سابقاً؛ أجمع الأخيران على أنّ حل الدولتين الذي أعلن وفاته ترامب رسميا، بعد وفاته سريرياً منذ ولادته، في مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وتركه لذلك الأخير مهمة اختيار الحل الأمثل لتسوية الصراع العربي الصهيوني، سواء كان بدولتين أو غيره، والتي رآها ليفي بأنها تعني "إدامة الحال البائس على ما هو عليه، فلا إسرائيل تعلن نفسها سلطة احتلال لكل الأراضي الفلسطينية، وتقوم بما يمليه عليها القانون الدولي، باعتبارها سلطة احتلال، ولا هي تترك فرصة قابلة للتحقق واقعياً في كيان دولة فلسطينية من الناحية الجغرافية على الأقل، عقب سياق التقطيع الممنهج للأرض الفلسطينية التي لا يكاد يبقى أي اتصال جغرافي بين جيوبها"، لينتقل بعدها ليفي بالتعاضد مع بوطو بأطروحة صعبة الهضم للوهلة الأولى، تتمثل في أن الحل الوحيد للصراع العربي الصهيوني هو "ضم إسرائيل لكل الأراضي الفلسطينية، وإعلان كل سكانها العرب مواطنين فيها، يتمتعون بكل حقوق المواطنة فيها، وهو ما سوف يجبر الكيان الصهيوني على إظهار وجهه القبيح ككيان فصل عنصري، سوف يستدعي من مظلوميه النضال لإسقاطه بالشكل نفسه الذي أسقط فيه شعب جنوب أفريقيا حكم السادة البيض، ونظام الفصل العنصري فيه. وإنّ انتظار قيام حل الدولتين من موته السرمدي، هو تأجيل لاستحقاق مهمة إسقاط نظام الفصل العنصري من داخله".

تاريخ نشوء الممالك القومية في أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي، ورهاب ملوكها من تكاثر قوة جباتها المخولين بجباية الضرائب، وحماية الإقطاعات المسؤولين عنها، وما نشأ من توصيفٍ لأولئك الجباة بأنهم "فرسانٌ" للملوك التابعين لهم، مرتبط عضوياً ما سماه المؤرخان لورنس دايفيدسون وآرثر غولد شميت "الحاجة التاريخية لاختلاق خطاب شعبوي في تلك الممالك الأوربية، تمهيداً للحروب الصليبية التي كان الغرض الفعلي منها هو الخلاص من أولئك (الفرسان)، وزجّهم في حروب مع ذلك الآخر، قبل أن يتكاثروا وينالوا من الملوك الذين أصبحوا تابعين لهم ظاهرياً فقط".

وفي سياق خطاب القرون الوسطى الشعبوي، لا بد من استعادة الحكايات الحقيقية أو "المختلقة"، بحسب صحيفة تروث ديج في عددها في ديسمبر/ كانون الأول 2016، عن صلب اليهود السيد المسيح، وما ترتب عنه من كره ثقافي عميق لليهود، تجذر في أس تشكل الدول القومية الأوروبية ووعي شعوبها الجمعي، وما نتج عنه لاحقاً من جيوب معزولة لليهود الذين هاجروا إلى شرق أوروبا، عقب سقوط مملكة بحر الخزر في حوض بحر قزوين في منتصف القرن الحادي عشر، وإلى غرب أوروبا في القرن الخامس عشر، بعد مغادرتهم الأندلس مع العرب، بعد سقوط غرناطة في عام 1492؛ وهو الذي أرغم اليهود على امتهان حرف نوعية تصعب المنافسة فيها من عامة الشعوب التي حلوا فيها، وخصوصا صناعة الذهب والصيرفة، وسيطرتهم عليها بشكل شبه مطلق، كما في حالة المصرفي روتشايلد وذريته الذين سيطروا على الجزء الأكبر من مصارف غرب القارة الأوروبية في القرنين الثامن والتاسع عشر، وما ترتب عنه من تعميق الكراهية الجمعية لهم، والتي كثّف تصويرها شكسبير في مسرحيته "تاجر البندقية"، وشخصية المرابي اليهودي شايلوك، وهي الكراهية التي بنى عليها هتلر خطابه التحريضي الشعبوي ضد اليهود، وهي نفسها التي يحاول ترامب تبئيرها ضد المسلمين فقط، ولكنها تأبى إلا أن تعود إلى أصلها، وتفصح عن وجهها الحقيقي الذي تكوّن تاريخياً خلال ثمانية قرون من عمر الهوية الجمعية للأوروبيين.

وقد يستقيم النظر إلى وعد بلفور المشؤوم أنه نتيجة موضوعية للهوس الأوروبي بالخلاص من يهود القارة الأوروبية، وكأنه كان حنجلةً للإخراج الدرامي الهتلري لذلك الهدف، ليترك اليهود لمصيرهم المحتوم في صراع وجودي مع من سوف يصبحون أعداءهم بالضرورة من الغالبية العربية، وهو ما سوف يفتح أسواقاً لتصريف منتجات مصانع السلاح البريطانية أساساً، ويُشْغِل الفئات الثورية في الدول العربية عن طموحها في الاستقلال عن مستعمريها من البريطانيين، وشركائهم الفرنسيين، لالتزامها الأخلاقي بنصرة أبناء عمومتهم في فلسطين. وهي المعادلة التي استمرت بالسيطرة على مشهد الصراع العربي الصهيوني حتى نكسة يونيو/ حزيران 1967، حين اكتشفت الولايات المتحدة إمكانات الكيان الصهيوني على القيام بدور "بلطجي المهمات القذرة بالوكالة، لتحطيم المد القومي العربي، وتوطيد اليد الأميركية الطولى في المنطقة العربية"، بحسب توصيف المفكر نعوم تشومسكي.

صدق وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، الذي طالما عرّف نفسه بأنه "صهيوني شغوف"، في قوله إن وعد بلفور كان وثيقة "عجيبة غريبة"، وهو ما يستدعي منطقياً استعارة منطق حكماء العرب ببطلان العجب العجاب، إن ظهر سببه الخبيث المخاتل.

المصدر: العربي الجديد