الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 10:35

نور على نور

آلهة النور، نظرة تاريخية

كان للدراسات المهتمة بتاريخ الأديان- ولا تزال- دور جليل في إيضاح المعتقدات الدينية التي واكبت مسيرة الإنسانية، منذ بداياتها الأولى وحتى اليوم، تقلب فيها البشر بين توحيد الإله وتعدد الآلهة، وبين عبادة الرب الواحد وكثرة الأرباب....، لكن وعلى الرغم من حالة التداول هاته، والتي ميزت أطوار هذه المسيرة، تبقى"إله النور" كائنا في المعتقدات القديمة، بصورتيها التوحيدية والتعددية.

لقد انبهر الإنسان منذ أن وجد بالأشياء المضيئة، المشعة، الساطعة...كالشمس، والقمر، والنجوم، والنار...، لدرجة أن اتخذها أربابا وآلهة، ففي سوريا القديمة عبدت زيوس وهي آلهة القمر، وكذلك توأمها أبولون إله الشمس. وفي الحضارة البابلية نجد إله القمر وهو "سين"، ومعبده يدعى "بيت النور"، و"شماس" وهو إله الشمس، وبيت عبادته يدعى "بيت المشرق". وفي مصر عبد "آخن أتون"، وهو إله الشمس، و"آمون" إله القمر، وفي نفس السياق يذكر "وول ديورانت" صاحب "قصة الحضارة"، أن حضارة فارس-هي الأخرى- كانت تدين بالإله "أهوز امردز" إله النور.

إن المشترك العقيدي بين هذه الحضارات هو تفاعلها الكبير مع الأجسام المضيئة النورانية...، مما يجعل المرء يتساءل عن سر هذا التفاعل وخلفيته.

بعد خروجه إلى الدنيا- مباشرة -، جبل هذا الإنسان على تلقف الأصوات، وبعدها استبصار الأنوار، والبحث عن مصدرها، إنه مفطور على حب الضوء، والضياء، والنور، والوهج...، لكن مغالاة وإفراط القدامى في التعلق بالأعراض المتوهجة جعل معتقداتهم الدينية أسيرة للأجسام السماوية المضيئة من النجوم، مرورا بالقمر، ووصولا إلى الشمس...، وهذا ماعززته الألواح السومرية الطينية -مثلا- المكتشفة في مدينة نينوى العراقية سنة 1849 ميلادية، والتي رصدت الحضور الكبير ل "نانار" إله القمر، و" إنليل" إله الشمس، وأظهرته الحجج العقلية لإبراهيم عليه السلام التي اقامها على عبدة الشمس، والقمر،...من أهل مدينة "أور" السومرية، قال جل جلاله في سورة الأنعام :"فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي. فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي. فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر. فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون".

الله نور السموات والأرض

"النور هو الشيء الذي به  كل ظهور"، هذه العبارة الغزالية هي إجمال لما ضمه مصنفه "مشكاة الأنوار" من معان بيانية لمفهوم النور أولا، وثانيا فيها إفحام لعبدة الشمس والقمر على وجه التحديد، بمسلك غير مباشر، فمقصود الغزالي رحمه الله أن النور الإلهي هو على الحقيقة لا المجاز، وأن ظهور كل موجود سوى الله، ما هو إلا ثمرة لإشراق النور الإلهي عليه، وكل "عدم" إنما هو حاصل من جهة الافتقار إلى هذا النور، وحلول الظلام محله. فالله جل جلاله هو منور الموجودات بنوعيها:  التي تدرك بالبصائر والتي ترى بالأبصار. فأمثال التي تدرك بالبصائر الهدايات إلالهية، و الرسائل السماوية، والدلائل الإيمانية، والتسديدات العقلية ....، ومن تلك التي ترى بالأبصار، اتساع الكون وتمدده لحظة تلو الأخرى، ودقة مسارات الكواكب ودورانها، وعظمة الجبال وقوتها، والبحار ومكنوناتها، والنباتات وأشكالها وألوانها، والحيوانات وأنواعها، والأمة البشرية واختلاف أجناسها وأعراقها، فكل ما سوى الله مفتقر إلى الله في إيجاده، وإمداده، وحياته، واهتداءه، مفتقر لإشراقات نور الله عليه ( الله نور السموات والأرض).

والقلب كما هو معلوم خلق من مخلوقات الله، بل هو من أعجب ما خلق الله، لما يعيشه من أحوال وانفعالات، كالشعث، والوحشة، والحزن، والقلق، والافتقار، وشدة الطلب...، ولما يعتريه من علل وأسقام، كالغفلة، والزيغ، والإقفال، والقسوة، واللهو، والنفاق، والحسد، وسوء الظن، وقد تلقي به هذه الأسقام في براثن العمى، ومقابر القلوب الميتة. بل ويتعاظم العجب حين ندرك قيمة هذه المضغة، إذ على الرغم من صغر حجمها، وضآلة وزنها، فقد جعلها الله وعاء لأعظم نور في الوجود على الإطلاق ألا وهو نوره سبحانه، فبه تستضيء في نفسها، فتضيء طريق النجاة لغيرها. هذا النور هو روح الإنسان وحياته، وهو سعادته ونجاته، بهذا النور تحصل محبة الله وخشيته، والخوف منه، والرجاء في ما عنده، والتوكل عليه...، بهذا النور لا تفتر هذه المضغة تقرع - بضم التاء وتشديد وكسر الراء- صاحبها حتى يؤوب إلى رشده، ويرجع عن غيه، فيؤول إهمال طاعة، أو فوات ورد أشد إيلاما له من فوات ماله، وضياع متاعه، وفي المقابل تصير لذة مناجاته لربه، أكثر من تلذذه بالشهي من الطعام، والعذب من الشراب،  كل هذا- كما أسلفت- بفضل إشراق النور الرباني على هذا المخلوق العجيب، أما وإن غاب هذا النور عنه، فموته محقق لا محالة. يقول الباري جل وعلا "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون". سورة الأنعام، الآية 122. فموت القلب - إذن- هو على الحقيقة لا المجاز، فلا حياة له إلا بنور الله،  ولا حياة للجوارح إلا بنور القلب، " ومن لم يجعل الله له نور فما له من نور " النور، الآية 40، بل لا صلاح لهذا الكون بذراته ومجراته إلا بصلاح قلب الإنسان، لذا كان القلب هو الجوهر والحقيقة، وهو المخاطب، والمطالب، والمعاتب.

رسالة النور، ونور الرسالة

وردت كلمة النور في القرآن الكريم بمعان متعددة، وإضافة إلى أن "النور" إسم من أسماء الله، فهو كذلك بمعنى القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم، والهداية، والإيمان، والصراط المستقيم ... وغيرها من المعاني، والتي تعبر جميعها عن مضمون رسالة الله إلى أهل الأرض، والتي تجمل الحركة الدؤوبة لمواكب الرسل والأنبياء، حيث ترادف فيها رسول خلف رسول، ونبي وراء آخر، على مسرح الحياة، حاملين مشعل النور بصبر وكد، وجلد وجد، آملين أن تستجيب الفطرة لنداءات النور، وألا تهوي بالناس ظلمات الجهل والتكبر في مكان سحيق.

ولقد حظي محمد عليه الصلاة والسلام بشرف ختم مسيرة هذه المواكب النورانية، واكتملت برسالته الوصايا الإلهية، وازينت بالضياء والسنا، فأشرقت معها القلوب بنور ربها، وأضاءت السماء بنجومها وشموسها، والأرض بسهولها وجبالها، وتجلبب الكون بقول الله تعالى "نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء"، سورة النور، الآية 35.

 لقد ترك فينا رسول الله نور الهداية ساطعا، مشعا، لنقتبس منه أسباب الصلاح في الدنيا، وموارد الفلاح في الآخرة. ولن تنعم البشرية بالسعادة والطمأنينة-مهما تمدنت، وتحضرت- بعيدا عن هداية القرآن، ونور السماء. قال تعالى في سورة النور " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام. ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم " الآيتان:16-15.

وخلاصة المقال ما عبر عنه سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله، في "قواعد الأحكام" بقوله: "والله لن يصلوا إلى شيء بغير الله، فكيف يوصل إلى الله بغير الله، إذا كان النور يهدي إلى الله، فإنه لا يمكن أن يطلب إلا من الله ".

بنداود رضواني