الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2019 14:13

نجاحات فلسطينية

يبعث على الابتهاج أن صورة شابٍّ فلسطينيٍّ مشاركٍ في واحدةٍ من مسيرات العودة في قطاع غزة، التُقطت له في لحظة جموحٍ ثوري، يرمي المحتلّين وراء الأسلاك بالحجارة، اختارتها صحيفة الغارديان البريطانية واحدةً من أهم الصور في العالم في عام 2018.
وبعيداً عن استشهاد أكثر من 225 فلسطينياً، وإصابة آلافٍ، في اعتداءات الجيش الإسرائيلي على المشاركين في هذه المسيرات، فإن لأيٍّ منا أن يرى في شهرة هذه الصورة عالمياً بعداً معنوياً مهماً في مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني وصموده.
غير أن من بالغ الضرورة أن يُنْتَبه إلى نجاحاتٍ فلسطينيةٍ أحرزها أصحابُها أفرادا، في العام الذي انقضى، أكّدت المؤكّد، للمرة المليون على الأقل، وهو أن شعب فلسطين يتوفر على طاقاتٍ وإبداعاتٍ وملكاتٍ وكفاءاتٍ وفيرة، تحتاج إلى فرص الإفادة منها، واستثمار إمكاناتها، بوجود مؤسساتٍ وقياداتٍ سياسيةٍ وإداريةٍ وتقنيةٍ، الأمر الذي لا حرج في القول إن غيابَه فادح. 
وأمام خساراتٍ لا تتوقف، وإحباطاتٍ تتسارع، وخيباتٍ تتوالى، وأرطالٍ من اليأس تتراكم، فإن أخبارا من نوعٍ آخر، تتعلق بنجاحات كفاءاتٍ فلسطينية، وتكريمها عالميا وعربيا في العام الذي انصرف، تجيز زهو الفلسطينيين بهم، وبما أحرزوه. ومن ذلك أن جميل الدرباشي تم تتويجه بجائزة لقب أفضل معلّم في العالم في 2018.
كما أن المهندسة هبة الفرّا مُنحت لقب بطل الأرض في الحفاظ على البيئة. وحاز عالم الفيزياء الفلكية، البروفيسور سليمان بركة، جائزةً عالميةً من جامعة إيطالية في العلوم، في دورتها الرابعة، تُعطى لمن قاموا بإنجاز مهم في البحث العلمي والأكاديمي. وفاز الطفلان، محمد سدر وراجي صايل، بالمركزيْن، الأول والثاني، في بطولة الشطرنج للعالم العربي. وحصل الطبيب ناهض الغلبان على براءة اختراع في الطب سجلت باسمه، وهو الذي يحمل الدكتوراه في الطب، وله أكثر من ثلاثين بحثا متقدما.
كما أن الطبيب الفلسطيني، وليد البنا، ابتكر نظارةً تساعد على اكتشاف الجلطة. وأنجزت روان الضامن فيلما وثائقيا في حقوق الإنسان، تبنّته برامجُ للماجستير في سبع جامعاتٍ أوروبية.
وبحسب إحصائيةٍ لموقع إلكتروني، فإن ستمائة بحثا علميا محكّما نشرت في دورياتٍ متخصصةٍ ومرموقةٍ أنجزها فلسطينيون في العام الذي غادرنا أخيرا، وهو العام الذي أصاب الفلسطينيون في أثنائه فرحا كثيرا بعد نجاح ابنتهم، رشيدة طليب، في انتخابها عضوا في الكونغرس الأميركي. وفي غير هذا السياق، أحرزت فلسطين 30 ميدالية، بينها الذهبية والفضية والبرونزية، في بطولة كأس العالم في قوة الرمي.
لا تُحيط هذه النتف الموجزة بكل نجاحاتٍ متميزةٍ ومتقدّمةٍ، تم في ضوئها تكريم مبدعين وعلماء وفنانين فلسطينيين في العالم، فثمّة إلى ما سبق كثيرٌ غيره، كما أن أعمالا أدبيةً وسينمائيةً استقبلتها جوائزُ عربيةٌ مقدّرة. وإنما المراد هنا تأكيد أن حضور الفلسطينيين في العالم متعدّد الأوجه، وأنهم، في صراعهم المديد مع دولة البغي التي قامت في وطنهم، انصرفوا أيضا إلى المعرفة والعلم، إلى الإسهام بمنتوجاتٍ متقدّمة القيمة في غير مجالٍ وشأن.
وليس هذا الأمر مستجدّا، وإنما هو دأبٌ طويل، موصولٌ بداهةً بسيرورة كفاحٍ متنوع الأصعدة والمضامين، ضد قوة الاحتلال التي لا تكلّ في محاولاتها اليائسة بغرض محو الفلسطينيين، شعبا خلاقا ومبدعا.
ومن ذلك ما تفتعله اللوبيات المساندة لها في غير مناسبةٍ في الولايات المتحدة وأوروبا ضد كل ما من شأنه أن يدلّ على فلسطين، إنسانا وثقافةً ومعرفةً وإبداعا وفنا وتاريخا.
وهنا، لا يُغفل أن 2018 شهد اقتراف أيدٍ آثمة، مرتبطةٍ بإسرائيل ومخابراتها، جريمة اغتيال عالم الهندسة الإلكترونية، فادي البطش، في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وهو صاحب براءات اختراع في تطوير أجهزة إلكترونية ومصادر توليد الكهرباء، وحائز على جوائز علمية رفيعة.
كان 2018 عام بؤسٍ متسارعٍ في المشهد السياسي الفلسطيني، فقد واظب أطراف الانقسام السياسي والجغرافي المخزي، بهمةٍ منظورة، على تكريس هذا الانقسام، واختلاق أسبابٍ مضافة إليه، لكنه أيضاً كان عام نجاحاتٍ فرديةٍ فلسطينيةٍ مقدّرة.. كما كل عام.
المصدر: العربي الجديد