Thursday, 17 August 2017 17:59

من أجل "ميثاق أخلاقي" ثقافي

كتبه

كلما زار المغرب، أو هم بزيارته، "مفكر" أو "داعية" وكان معروفا بغلو وتشدد في آرائه الفكرية أو الدعوية، إلا ونجد خصومه هنا في المغرب ينبرون للتنديد والمعارضة، كما نجد أنصاره ينبرون للتأييد والمعاضدة.

والواقع أن هذه الظاهرة غير صحية للجسم والكيان الثقافي المحلي، ولا سليمة ابتداء من حيث اختيار نماذج التنشيط الثقافي. فالمغرب منذ القديم معروف باختياراته الوسطية المعتدلة سواء كانت دينية أو مدنية، علما أنها في هذا النموذج بالذات، ملتحمة تعكس في الوقت نفسه التدين العميق العريق لدى المغاربة، كما تعكس إيمانهم بالحرية والتنوع والاستقلال عن التبعية لأي كان.

وكما لا ينبغي هنا التشويش على هذه الاختيارات في جانبها الديني بنزعات الغلو والتشدد، حينما يُستدعى "داعية " ضيق الأفق، محدود النظر، لا يؤمن بالاختلاف وحرية الفكر والرأي، خصم لأي إبداع ... الخ. له اختيارات مختلفة، بل وغير قادر على تفهم الاختيارات الدينية للبلد والتفاعل الإيجابي معها، وهي اختيارات أوسع وأكثر مرونة واعتدالا ورعاية للمصالح. فهنا سيكون ضرر هذا "الداعية" أكثر من نفعه، وآثاره سلبية أكثر منها إيجابية. والأحرى الانصراف عنه إلى غيره من الدعاة ممن لهم أصالة دينية، وانفتاح على العصر ومكوناته، وإيمان بالاختلاف والتنوع، أي لهم قدرة على العيش بدينهم في عصرهم. 

فكذلك لا ينبغي التشويش على هذه الاختيارات في جانبها المدني والفكري بنزعات الغلو والتشدد، حيث تستوي "حرية الفكر" بـ "العدمية الفكرية" حينما تُلغى كل الضوابط والمحددات المعيارية، علمية أو فكرية أو تاريخية، مع إقصائيةً في الرأي، وتوهم الوصايةً والهيمنة على العصر والحداثة، والتنكر لكل أصيل، وإلغاء كل مقوم ديني وأخلاقي في بلد الأصل فيه التدين والتخلق. 

فكيف يقال في بلد مسلم مثلا: "ينبغي التحرر من الإسلام" !! ترى ما نسبة المسؤولية الفكرية في هذا القول؟ وعلى اية أسس علمية أو منهجية تم بناؤه؟ حتى لو قيل وسط نخبة لها نفس الرأي أو قريبا منه، تبقى المسؤولية الفكرية حاضرة مادام في بلد الإسلام والمسلمين. فالأمر أشبه بمن يقول في بلد علماني مثل فرنسا: "ينبغي التحرر من العلمانية" !! ولك أن تتصور حجم ردود الأفعال الرسمية والمدنية، لأن الأمر هناك مسٌ "بمقدس" لدى الدولة ومواطنيها، رغم أن أحد أكبر شعارات الثورة في هذه الدولة، بل وأولها: شعار الحرية. وفي بعض قوانينها أن الأنشطة الثقافية الممولة من الدولة، أي من المال العام، ينبغي أن تكون باللغة الوطنية وخادمة للهوية الوطنية، وإلا حرمت من التمويل.

فهنا أيضا سيكون ضرر هذا "المفكر" أكثر من نفعه، وآثاره سلبية أكثر منها إيجابية. والأحرى الانصراف عنه إلى غيره من المفكرين ممن لهم مسؤولية فكرية، وانفتاح على مختلف المكونات، واحترام للأصالة والتراث، وقدرة على العيش بفكرهم في عصرهم كذلك بدل الاغتراب في عصر غيرهم. 
إننا، في بلدنا، بحاجة إلى تعزيز الرصيد الثقافي الأصيل والمتنور، وجعله مركز الثقل الجامع للمكونات الفكرية المختلفة. وهذا ما يدعونا إلى الالتزام المسؤول بـ "ميثاق أخلاقي" في الدين والفكر والفن والسياسة...، وغيرها من المجالات، ولنقل الشأن الثقافي الجامع والحافل بمكوناته المختلفة. فالانزياح عن مركز الثقل الوسط لا يعني إلا أمرا واحدا، هو الجنوح إلى أحد الأطراف، وكلاهما غلو وتشدد إذا ما اخذنا بعين الاعتبار المعنى السلبي للطرف أو الخطر للحافة. 

إنني لا أدعو هنا إلى بيان، ولا الى توقيع عرائض، ولا الى مواقف. أمر واحد فقط هو: إيقاظ الضمير وتحمل المسؤولية إسهاما في البناء الذي يستفيد منه الجميع. فلا يقول ولا يكتب "الداعية" أو "المفكر"، إلا حينما يطمئن إلى أن ثمة إفادة كثيرة أو قليلة فيما يقول أو يكتب، بما يجعل المخالف يحترم القول والرأي وإن خالفه، ويناقشه على أساس علمي ومنهجي.

أما أن يُطلَق العنان للخواطر والرغبات، دون تمحيص مسبق بعقل يعقلها أو حكمة تمنع جموحها، حيث تستوي فيها عقائد الناس ووحدة صفهم وأمنهم وانسجامهم، بالظن والوهم، بل بالعدمية واللامعنى. فذلك يعني أحد أمرين. أولهما: تسفيه "الداعية" أو "المفكر" لنفسه. لأن المطلقات الدينية، والثوابت الفكرية والأخلاقية، والصيرورة والتطور، قضايا راسخة في مكانها لن تزيلها رغبة ولا تشهي. وهما إذا كانا معا أو أحدهما، طالبا للاشتهار والاستمرار، فإنما يُحصِّل ذلك بخدمتها والإفادة منها لا بالتنكر لها. لأنه لا تشتهر وتستمر إلا الأفكار والآراء التي فيها قدر من المسؤولية والإفادة للناس، وعلى هذا الأساس لا زلنا نذكر الكبار الذين مروا في الدين والفكر والفلسفة والآداب والتاريخ.

ثانيهما: أنهما يفوتان الفرصة على نفسيهما وغيرهما، في البناء المشترك، وفي التواصل المغني للفكر والمطور للمعرفة، ويزجان بفئتين من الناس في جدال عقيم، مناقض تماما لما ينبغي أن يصرف إليه الجهد والعمل والإبداع، وهو مرة أخرى: مركز الثقل الجامع حيث تتقارب الرؤى والأفكار بدل الانزياح إلى الأطراف، حيث يحتد التقاطب ويشتد الخلاف. 

وتقريبا أكثر للمعنى الذي أقصد، يمكننا إيراد قول "داعية" يقول بأنه: "لا حياة في الدين"، كما تفعل بعض التيارات التكفيرية الجهادية التي لا ترى لمخالفيها الا القتل. وقول "مفكر" يقول بأنه: "لا دين في الحياة"، كما تفعل بعض الشموليات الفكرية التي لا ترى الأحياء في هذه الحياة الا أنعاما توجهها الغرائز فقط. 

فلا يرى الأول معنى للحياة، من منظوره القاصر للدين، على خلاف المقررات الكثيرة في الدين التي تعطي للحياة كل المعنى والغائية والقصدية. بدءا من الخلق والإيجاد، إلى الاستخلاف والتكريم والتكليف، والابتلاء والتمحيص، والمتعة والزينة المشروعة... إلى احترام حق الغير في الحياة ولو كان مخالفا دينا وفكرا، تعارفا وسماحة وتعايشا وبرا وقسطا...إلخ. فكيف نغيب كل هذه المعاني السامية في الحياة لنجعلها مظلمة كما يريد صاحبنا "الداعية"!.

ثم لا يرى الثاني للدين معنى في الحياة، من منظوره القاصر لها، بحيث يفرغها تماما من المعنى والغاية والقصد ومبرر الوجود الذي يمنحه الدين، ليجعلها على درجة من العدمية والسيولة التي تنصهر فيها القيم والضوابط التي تميز الانسان على غيره من المخلوقات. وهذا على خلاف مقررات تواريخ الأمم والشعوب والأديان والحضارات، ويكفي أن كبار مؤرخي الحضارات يقررون أن قيامها ابتداء إنما كان على ديانات لازالت تصاحبها بهذه الدرجة أو تلك، فميلاد الحضارة أصله ديانة ومعتقد. فكيف نغيب كل هذه الحقائق وهذا الحضور الديني الملهم في التاريخ، لمجرد أن هذا الأمر لا يروق لصاحبنا "المفكر"!! 

كيف نسمح في الحالتين معا بالمصادرة على فكرنا وقيمنا !؟ علما أن الشطب أو الإزالة للدين أو للدنيا، إنما تحدث في ذهن "الداعية" الواهم أو "المفكر" الواهم، لكنهما في الوجود يفعلان معا فعلهما انطلاقا من تفاعل الناس إيجابا أو سلبا، وههنا يأتي دور العقلنة والترشيد والتصويب والتسديد... الذي ينبغي أن يمارسه عقلاء ومسؤولو الدعوة والفكر معا. 

أعتقد أخيرا أن درجة مهمة من الوحدة والانسجام المؤطرة للاختلاف والتنوع لاتزال موجودة في هذا البلد، وأنها من أثمن الأشياء فيه. هي رأسماله الثقافي الذي ينبغي صونه واستثماره طلبا للمزيد منها، وليس تبذيره وإهداره بخطابات الغلو والتحريض التي تشوش عليه أكثر مما تفيده.