Tuesday, 05 September 2017 17:38

مسلسل قيامة ارطغرل بين الأسطورة والحقيقة

كتبه

شكل مسلسل "قيامة ارطغرل" حدثا مميزا حصل على نسبة مشاهدة كبيرة وقد رصدت له ميزانية ضخمة. ويعدّ "قيامة أرطغرل" ثاني مسلسل تاريخي، الأعلى مشاهدة بعد "حريم السلطان"، حيث عجز مسلسل "السلطانة قسم" في منافستهما بموسميه الأول والثاني.

يتحدث المسلسل عن هجرة القبائل التركمانية لبلاد الشام والأناضول وبداية تأسيس بذرة الدولة العثمانية التي حكمت الدنيا ستة قرون. إنها قصة حياة أرطغرل بن سليمان شاه، والد عثمان خان، مؤسس الدولة العثمانية كقائد قبيلة تجمعت له جميع عناصر تكوين دولة جديدة؛ لتحمل لواء الفتح الإسلامي في لحظات من التاريخ عانى فيها العالم الإسلامي حالة من الشتات والضعف. المسلسل بدأ إنتاجه في مايو 2014 م.

غايات المسلسل :

هدف المسلسل إلى إعادة أمجاد الشعب التركي ودوره في بناء الدولة العثمانية دون الوقوف على الأحداث التاريخية بدقة. واعتمد المسلسل الدراما والحكي والإثارة لجلب أكبر المشاهدين وتمييز بالعديد من المميزات الإبداعية والحبكة والسنوغرافية المخترفة وأدار المعارك بفنية واحترافية كبيرة.

ولكي يحظى المسلسل بالمكانة المطلوبة استدعي له أفضل الممثلين والخبراء، وتم فيه صناعة اسطورة البطل أرطغرل بن سليمان استناداً على معلومات تاريخية محدودة وغير دقيقة، والمتتبع للمسلسل يصعب عليه التدقيق في الأمكنة والأزمنة.

انطلق المسلسل بداية من الحديث عن قبائل التركمان التي توجهت إلى آسيا الوسطى أو الأناضول، في فترة حكم سلاجقة الروم للمنطقة، وتدور أغلب أحداث المسلسل في القرن الثالث عشر، في زمن الصراعات بين الإمبراطوريات في المنطقة، أهمها المغول والصليبيون. في ذلك الوقت بدأ أرطغرل بن سليمان شاه رحلة البحث عن موطن له ولقبيلته لإنهاء معاناتهم وتنقلاتهم، بعد مرحلة طويلة من الخطر وقلة الأمان وعدم الاستقرار. تمر أحداث المسلسل وتستقر القبيلة مدة في أطراف حلب، لا تذوق فيها طعم الأمان، فخطر الصليبيين كان دائماً يبدد أمنهم، حتى انتهى الجزء الأول بانتصار أرطغرل ومحاربيه على الصليبيين، لا تهدأ الأجواء حتى تقرر جميع قبائل التركمان "الأوغوز" في نهاية الجزء الأول أن يستقروا بالقرب من قونية؛ ليحاربوا المغول في جيش الأمير السلجوقي السلطان علاء الدين كيكوبات، كذلك على مدار الجزأين لم يسلم المسلمون من ألم الخيانة والفتنة. وتتطور الأحداث تباعا.

إن من أهم غايات المسلسل التبشير بقائد منقذ للأمة وموحد لها وبان لأمجادها ومحافظ على قيمها ومبادئها. ومنذ مشاهدة الحلقات الأولى تشدك شخصية سليمان شاه القائد وزوجته، وابنه ارطغرل المندفع الغيور والمشاكس والطيب الخاضع لمبادئ القبيلة المنافح عنها. وفي المسلسل تجد البطل في دعائه ومناجاته لربه، يطلب أن يقسم الله له ولنسله أن يخدموا في سبيل الدعوة، وأن يعلو اسم الله في الطريق الذي خرجوا فيه في سبيل الله. وقد أظهر المسلسل عقيدة الشخص المسلم الصحيحة، كما أنّ أرطغرل لم يمتعض يوماً من كثر البلاء، بل ويقينه أيضاً أن لا راحة له ولا لقبيلته في هذه الدنيا.

حاول المسلسل أن يوقد الهمم والعزائم واستدعى لذلك ابن عربي الذي كان حاضرا بقوة وفي أغلب اللحظات الحرجة لينقد البطل ويعيد ترتيب الأحداث ويساعد على نصر المظلوم ويلبس البطل رداء القوة ويرجعه إلى طريق الصواب ويوجهه. في إحدة المشاهد يأتي ابن العربي الأندلسي في المنام لأرطغرل في إحدى الحلقات، ويقول له: «حتى متى ستنام يا أرطغرل، إنَّ هذه الأمة تنتظرك هيا قُم لوظيفتك!»، وما وظيفته إلا أن ينصر المظلومين ويضرب عنق الظالمين! كذلك عندما سُئل أرطغرل عن حال الأمة فقال: «إن وضع الأمة يرثى لها، فالأخ يقتل أخاه، والكفار يحيكون المؤامرات»، فقيل له وما الحل، فقال: «أن نجمع كلمة الأمة وأن نقول للظالم توقف، ونحن لن نتوقف عن جهادنا حتى نزرع راية العدالة في الأناضول».

أرطغرل بطل أسطوري:  

الأميرُ الغازي أرطُغرُل بك بن سُليمان شاه القايوي التُركماني، أو اختصارًا أرطغرل (بالتركيةErtuğrul)، (باللغة التركية العثمانية: ارطغرل، إضافة إلى لقب غازي) (بالتركيةErtuğrul Gazi) أو أرطغرل بك (بالتركيةErtuğrul Bey) (معنى الاسم: بالتركية "ار er" تعني "رجل أو جندي"، و&

"طغرل tuğrul" تعني "طائر العقاب أو طير جارح" - ومعنى اسم أرطغرل: الطير الجارح الذكر، أو ذكر العقاب  المولود حوالي عام 1191م – والمتوَفى عام 1281م بمدينة سكود، بالأناضول. هو والد السلطان عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، وهو قائد قبيلة قايى من أتراك الأوغوز.

من المعلومات المؤكدة أن أرطغرل ينحدر من القبيلة الأولى من قبائل الأوغوز البالغة 24 قبيلة، ومن عائلة بكوات عشيرة قايى التي تُعتبر سلالة خاقانية، ومن المعلومات المؤكدة أيضا أن أباه وأجداده هم بكوات (أمراء) هذه العشيرة، ومذهب القبيلة والأسرة هو المذهب السنّي الحنفي.

على الرغم من ثبوت وجود أرطغرل تاريخياً عن طريق العملات المسكوكة من قِبَل ابنه عثمان الأول، والتي تحدد اسم والده بأرطغرل، إلا أنه لا يوجد أي شيء آخر معروف على وجه اليقين بخصوص حياته أو أنشطته.

ولكن وفقا للتراث العثماني، فإن أرطغرل كان ابن سليمان شاه التركماني (شاه معناه ملِك وإذا جاء بعد الاسم فإنه يعني السيد، زعيم قبيلة قايى من أتراك الأوغوز الذين نزحوا من شرق إيران إلى الأناضول هرباً من الغزو المغولي. وهناك نسب افتراضي آخر لأرطغرل هو: أرطغرل بن كندز آلب بن قايا آلب بن كوك آلب بن صارقوق آلب بن قايى آلب الذي اكتسبت القبيلة منه اسمها.

وفقا لرواية التراث العثماني، فإن أرطغرل وأتباعه دخلوا في خدمة سلاجقة الروم بعد وفاة والده، وكوفىء بالسيادة على بلدة سكود (تُلفظ سوغوت) (بالتركيةğüt) الواقعة على الحدود مع الإمبراطورية البيزنطية في ذاك الوقت. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من الأحداث التاريخية التي أدت إلى تأسيس الدولة العثمانية.

غالبا ما يشار إلى أرطغرل وإلى ابنه عثمان وإلى نسلهما من سلاطين الدولة العثمانية، باسم:غازي،، أي مقاتل بطل ومجاهد في سبيل رفع كلمة الإسلام.

وبالمجمل يعد أرطغرل بن سليمان شاه قائداً لإحدى قبائل الترك النازحين من سهول آسيا الغربية إلى بلاد آسيا الصغرى (الأناضول)، وكان راجعاً إلى بلاد العجم بعد موت أبيه الذي غرق عند اجتيازه نهر الفرات قرب قلعة "جابر" (على بعد 250 كم جنوب غربي مدينة ماردين التركية).

شاهد أرطغرل جيشين مشتبكين فوقف على مرتفع من الأرض ليمتع نظره بهذا المنظر المألوف لدى الرُحّل من القبائل الحربية، ولمّا آنس الضعف في أحد الجيشين وتحقق انكساره وخذلانه إن لم يمدّ إليه يد المساعدة دَبّت فيه النخوة الحربية ونزل هو وفرسانه مسرعين لنجدة أضعف الجيشين، وهاجم الجيش الثاني بقوّة وشجاعة عظيمتين حتى وقع الرعب في قلوب الذين كادوا يفوزون بالنصر، لولا هذا المدد الفجائي، وأَعمَلَ فيهم السيف والرمح ضرباً ووخزاً حتى هزمهم شرّ هزيمة، وكان ذلك في أواخر القرن السابع للهجرة النبوية.

المسلسل ومنظومة القيم:

تضمن المسلسل قيما من أهمها العزة والقوة والدفاع عن القبيلة ومحاربة كل من حاول خيانتها أو الاعتداء عليها فقد عُرِفَ التُرك بأنَّهم أمّةٌ مُقاتلة، شديدة البأس، ومما ذَكَره المؤرخون والرحَّالة الذين زاروا بلاد التُرك ورأوا شدة بأسهم قولهم . وواضحة هي قيم العفة والاحترام المتبادل بين الرجل والمرأة في المسلسل . وتجلت قيم الاحترام في بر الوالدين والتعامل بالحسنى مع الأقارب والمخالفين وإخوة الدم. وفي نفس الوقت عدم التساهل مع الخونة حيث يعدم كل من ثبت في حقه الخيانة والدسيسة. وإن كان المسلسل قد غالى كثيرا في هذا الجانب وغلب عليه عقدة المؤامرة والخيانة الداخلية. وحاول المسلسل إظهار العديد من القيم الإسلامية سواء في الحوار أو عند تناول الوجبات والاستئذان وغيرها. وعندما يُذكَر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو موقف من سيرته أو سيرة أصحابه رضوان الله عليهم، وعندما يتكلم ابن العربي أو أحد الشيوخ والدراويش، يعم صمت عجيب وإصغاء عميق للكلام وخشوع.

وهناك قيم سلبية كالخيانة والغدر والتعاون مع العدو وقد بالغ كاتب السيناريو في هذا الباب حيث جعل قوة المغول نتيجة عيونهم وجواسيسهم وتعاون التركمان معهم والشيء نفسه حصل مع حراس المعبد، وأظهر العزيز في حلب بالحاكم الضعيف وقاضيه بالخائن وهو غير صحيح فالقاضي مشهود له بالاستقامة والعزيز كان قويا يدير الحكم مع شهاب الدين الذي لم يكن خاله كما قدمه المسلسل. وتصبح الخيانة والغدر هي المتحكمة في أحداث المسلسل.

المرأة في المسلسل:

      أبرز المسلسل المرأة بوجه مشرف بعيدا عن الإثارة وسينما الجنس، فالمرأة في المسلسل عفيفة وعاملة في النسيج والطهي والرعي وقوية في الحرب وربة بيت، فنساء الترك يقاتلن كالرجال، فنساء القبائل التركمانية محاربات ولهن معسكرات تدريبية، وقد بعث السيناريست رسائل إيجابية للأمّة التركية وللأمة الإسلامية بشكل عام، وبالنسبة لهم المرأة يجب أن تتدرب من صغرها على القتال والدفاع عن نفسها.

وفي حوارها مع من تحب تختار ألفاظها بدقة وتبتعد عن الشبهات وتحفظ كرامتها وكرامة زوجها وعشيرتها، وفي الوقت نفسه أبرز المسلسل غيرتها وحقدها ودسائسها ومكائدها للبلوغ إلى مبتغاها أثناء طلب الإمارة والانتصار للذات أو الزوج والقريب وخيانتها وتأمرها مع الغريب. ولم يمنعها ذلك من الاعتراف بالذنب وقول الحقيقة.

وتبقى السمة الغالبة على المرأة هي المدافعة عن عرضها وزوجها وقبيلتها ولا تسمح بانتهاك عرضها ولا المس بشرفها. إنها ابنة التركمان هذه القومية التي تعتبر من النسيج القديم لفسيفساء بلاد الشام والعراق والشرق الأوسط عموما والتي يتعمد الكثير الإساءة لها وتهميشها ويحاولون طمس تاريخها الطويل المخضب بالدماء على الأراضي المقدسة.

المسلسل والتقنية العالية:

يعتبر المسلسل من أهم المسلسلات التي اهتمت بالجانب الفني لا على مستوى التصوير حيث تم اختيار أماكن غاية في الجمال تجلبك بسحرها وتبرز قدرة خالقها لاسيما الريف التركي، واستخدم المخرج موسيقى تصويرية مؤثرة ومحترفة. وتصوير المخيم من أعلى والكنيسة والقصر بخدع سينمائية تتوهم معها أنك تشاهد مشاهد حقيقية. وقد اعتمد المخرج وإن كان بشكل مبالغ فيه يؤدي إلى الملل في بعض الأحيان في إدارة المعارك وركوب الخيل على محترفين دربوا الأبطال للقيام بأدوارهم بشكل مناسب ومشرف واستعمل التصوير البانورامي والمتحرك، حيث كثيراً ما تستخدم الطائرات دون طيار الصغيرة لتصوير مشاهد عمودية وصور متحركة على ظهور الجياد، وتستخدم الكاميرات ذوات الإمكانيات العالية لالتقاط صور بانورامية تبهر المشاهد وتجعله يعانق الطبيعة ويشعر أنّه جزء من الصورة وكأنه يشاهد دراما ثلاثية الأبعادولم يترك المسلسل مجال السينوغرافيا بل اهتم بأدق التفاصيل الخيام والملابس والأسلحة والحلي، كلها تمّ تصميمها لتكون أقرب ما يكون من الواقع، حتى طريقة حياكة السجاد وصناعة الحديد وتعليم الصبيان، لم يترك المخرج شيئاً إلاّ بذل جهداً كبيراً حتى يكون موافقاً لما كانت القبائل التركمانية تستعمله، وهو ما أعطى المشاهد ذلك الشعور بالانتقال الفعلي إلى زمن عمره مئات السنين ليطّلع عن كثب على تجربة ثقافية فريدة لم يألفها في عالمه المعاصر.

وما ميز المسلسل النسخة العربية لغة الحوار وقوة السيناريو واختيار النصوص والنهل من السيرة النبوية وتوظيفها في العديد من المواقف وان اختلف حول طريقتها وصياغتها

بعض سلبيات المسلسل:

لم يكن هدف المسلسل التأريخ لحقبة معينة بقدر ما حاول أن يتخذ موقفا معتدلا بين تيارين داخل تركيا اردوغان للتوفيق بين العلمانيين والإسلاميين وإن كان المسلسل في ظاهره يتحدث بثقافة إسلامية ويظهر بعض القيم فإنه حاول إرجاع التركمان إلى أصلها وجذورهم وركز على مؤسس الدولة وقوة القبيلة والأمجاد التي حققتها، وحاول فضح بعض الدسائس التي حيكت لها، ولم يتعرض للعرب في تلك المرحلة إلا من قريب وللأسف أنه قدم مغالطات تاريخية كثيرة وفرضت الدراما جلب ابن العربي الذي لم يلتق بالبطل ولا وجود للإثبات لهذا اللقاء وهو موطن خلاف بين المؤرخين، كما أن نويان المغولي لم يواجه ارطغرل وقد عاش بعده بمدة تاريخية، ومن سلبيات المسلسل عدم إبراز دور صلاح الدين الايوبي في تحرير القدس، وتضخيمه لفكرة المؤامرة وقدرة العدو على اقتحام القبيلة ومعرفة أسرارها. وكذلك غالى في مشاهد الحرب وإن كان بطريقة تقنية متقدمة وباستخدام "الكاراتيه" في بعض الأحيان فهذه المشهد تفقد المسلسل قيمته الجمالية وتحيد به عن الطريق.

هناك ملاحظات متعددة عن الدولة السلجوقية وحاكم حلب وقاضيه وشهاب الدين وعن جر المسلسل إلى التأثير الصوفي والتوظيف السلبي للسيرة النبوية والمبالغة في حضور الكرامات وغيرها مما لا يستوعبه العقل.

ومهما يكن فالمسلسل قدم صورة عن رجل عظيم وأمة استطاعت بناء الدولة ووحدت بعض أجزائها ووقفت في وجه المعتدي.

ملحوظة على الهامش:

شاهدت أكثر من 150 حلقة من هذا المسلسل وقرأت مقالات عنها وتعرفت على أبطاله، وهو مسلسل يستحق المشاهدة ويدفع المشاهد للتنقيب عن تاريخه وأمجاده.