الجمعة, 25 كانون2/يناير 2019 11:39

كليات الشريعة الإسلامية من منظور الدكتور أحمد الريسوني

يعتبر فضيلة الدكتور أحمد الريسوني من القلة الذين أبدعوا فأفلحوا في إخراج علم أصول الفقه من حلته المركبة التي ما لبث الطلاب يتدارسونه بطريقة  تقليدية " كلاسيكية"، تكاد تشكل عائقا بيداغوجيا، إلى  علم آلي أسعف الطلبة الباحثين في استثماره وتوظيفه من الناحية التطبيقية بشكل علمي دقيق، كما أن تناوله للمفاهيم بأسلوب ميسر أعطى لهذا العلم مزيدا من الاهتمام، والذي يعد علم المقاصد إحدى ثمراته العلمية.

وقد استطاع فضيلته إبراز ذلك من خلال كتاباته التي تبرز بشكل ملفت، الإضافة النوعية التي أضفاها الدكتور الريسوني على علم أصول الفقه، حيث قدمه في أكثر من مناسبة بنفحة مقاصدية تجعل القارئ يقبل عليه بكل شغف وفضول علميين، ولعل كتابه " الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية " حجة في صدق ما أشهد به من عمق نظرته، التي لا تخلو من حرص الرجل في أن يكون علم أصول الفقه حاضرا بوجه من الأوجه في معظم القضايا المرتبطة بأحوال الناس عقيدة وشريعة وأخلاقا، وهي نظرة لا يحظى بها إلا ذوو الألباب المتبصرون بأحوال المكلفين .

وسأختلف منهجيا من خلال هذه الورقة العلمية في طريقة تحليل الكتاب، بعدم ذكر مقدمته ومباحثه وخاتمته فذلك أمر متاح للجميع، ووصف لن يضيف شيئا للكتاب إلا من جهة التعريف به من الناحية المنهجية .

وإنما قصدي أن أبرز دور الكتاب الذي يعكس الفكر الأصولي المقاصدي للدكتور أحمد الريسوني، ومن خلاله إظهار العلاقة التكاملية بين العلمين، قاطعا الشك باليقين لمن يزعم أن علم المقاصد ما هو إلا فرع مكمل لأصول الفقه، أو هو مجرد مبحث من مباحثه، ومن جهة أخرى توضيح رؤية الدكتور تجاه مفهوم الكليات داخل الشريعة الإسلامية.

إن أول ما يلفت انتباهنا ونحن بصدد قراءة الكتاب تكرار لفظة " الكليات "، وهي لفظة أصولية من حيث المبنى، مقاصدية من حيث المعنى، لأجل ذلك جعلها فضيلته ملازمة لجميع مباحث الكتاب، وفي ذلك تنبيه منه حفظه الله على أن الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ينطوي معرفيا على كل مستلزمات الفرد والجماعة  بشكل كلي شمولي، وأن الكليات إنما هي في الأصل جزئيات منضوية ضمنها، وأن أي تقصير في الجزئيات إنما هو تقصير ضمني في الكليات، بقدر ما أن رعاية الكليات هي حماية للجزئيات من الضياع  ، يقول الريسوني حفظه الله في هذا الصدد " فالكليات هنا هي ما يقابل الجزئيات، ولو عبرنا عن الصنفين بالأصول لكان صحيحا ومطابقا، لكن بالمعنى العام للأصول والفروع، وليس فقط بالمعنى الأصولي الفقهي الذي يحصر الأصول في أدلة فقهية – الأدلة الأصولية- ويحصر فيما تدل عليه من أحكام فقهية " – الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية ص 30 و 31.

وبتصوير غاية في التعبير يربط العلاقة التفاعلية بين المقاصد الكلية العقدية والمقاصد التشريعية والأخلاقية، وهي رؤية في الأصل نابعة من التصور القرآني الذي لا يفصل بين الأبعاد العقدية في شموليتها و المقاصد التشريعية والأخلاقية إلا من جانب المنهج، حيث للعقيدة منهجها في الطرح ، كما أن للشريعة منهج خاص، وإلا فالعقيدة والشريعة وجه واحد، لا يستقيم الثاني إلا باستقامة الأول ، يذكر هنا حفظه الله قائلا : " الأسس الاعتقادية تمثل المصدر الأول لكل تشريع إسلامي، حيث تنبثق الشريعة من العقيدة، فإن السلوك الشرعي ينبثق أيضا من العقيدة ومن مقتضى العقيدة، فإن السلوك الشرعي ينبثق أيضا من العقيدة ومن مقتضى العقيدة، مهتديا في سيره بالشريعة وأحكام الشريعة "  - نفس المصدر ص 56.

والدكتور الريسوني وإن خصص المبحث الثاني للحديث عن ما أسماه ب " الكليات المقاصدية– فهو إجمالا يتحدث عن الكليات السالفة الذكر، وإنما أورد هذا المبحث في تقديري على سبيل التفصيل ، مبرزا أهم الكليات المقاصدية في القرآن الكريم، على اعتباره مصدرا  لكل من العقيدة والشريعة والأخلاق ، متحدثا من خلال هذا المبحث عن الابتلاء ، التعليم والتزكية، جلب المصالح ودرء المفاسد، القسط ، فالابتلاء مرتبط أساسا بالعقيدة، والتعليم والتزكية لهما ارتباط بجانب الأخلاق ،وجلب  المصالح ودرء المفاسد قاعدة لا يستغنى عنها في باب العبادات والمعاملات، أما القسط فمندرج عن المقصد الكلي الشامل " جلب المصالح ودرء المفاسد من جهة ، ومقصد عريض من مقاصد بعث الرسل وإنزال الكتب من جهة أخرى، ويرجع تخصيص الحديث عنه انفرادا في الكتاب ،إلى سببين ذكرهما فضيلته على النحو التالي : " الأول هو أن القرآن الكريم جعله مقصدا عاما لبعث الرسل كافة، واعتنى به بشكل متميز لافت للانتباه ، فصار من القسط تخصيص فقرة خاصة بالقسط، والسبب الثاني، وهو تابع للأول، هو أهمية القسط ومدى سعته وخطورته " - نفسه  69.-

وعلى العموم فكل ما ذكره فضيلة الدكتور من نماذج، هي أبواب كلية تنضوي تحتها جزئيات لا يسمح المقام للتفصيل فيها .

أما حديثه عن الأخلاق الكلية فقد أشار إلى ما يهمله العديد أثناء التفصيل في موضوع الأخلاق، حيث استحضر الجانب النفسي وأبرز انعكاساته على الجانب العملي، باعتبار الأخلاق في عمقها تشكل ترجمة للعديد من الخصال النفسية " الجانب النفسي يتضمن الاقتناع والتعلق بالخلق وبقيمته وفائدته وضرورته، والجانب العملي هو الترجمة الفعلية للإيمان بالخلق ومحبته والرغبة فيه " نفسه ص 72.

وقد ذكر نموذجين للكليات الأخلاقية، التقوى والاستقامة، وهما لا شك تصريف للكليات العقدية، وتفعيل للتشريع الإسلامي، ليبقى مفهوم الكليات  حاضرا من زاوية التكامل الحاصل بين الجانب الاعتقادي والتشريعي والأخلاقي تحت شعار " أخلاق الشريعة وشريعة الأخلاق".

وقد وثق لما ذكره سالفا من المفهوم العام للكليات داخل المنظومة الإسلامية بجملة من القضايا – الفصل الثالث من الكتاب - مصنفا إياها إلى كليات تشريعية، وقضايا أصولية فقهية، تنم عن قوة حججه في الدفاع عن هذا المفهوم الذي لا يجب الإغفال عنه  من جهة التأصيل أو الاستيعاب، حتى لا نفقد البوصلة التي توجهنا إلى الفهم السديد للنصوص الشرعية، و تسعفنا للاهتداء إلى الحكم العام " الذي يستوعب ما لا يحصى ولا ينتهي من الحالات والجزئيات المتجددة ، كما يمكننا بنفس الدرجة من الحجية، الاحتكام إلى الكليات الاستقرائية المبنية على مجمل الأحكام التفصيلية " .

كضوار عثمان