السبت, 22 كانون1/ديسمبر 2018 09:58

قراءة في كتاب " الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده" للدكتور أحمد الريسوني

" من عرف ما قصد هان عليه ما وجد " مقولة شهيرة  يحفظها العديد منا دون إدراك  حقيقتها العلمية  عند معظمنا،  فهي تترجم الدور الذي يلعبه الدرس المقاصدي في إحداث التوازن الفكري من جهة، وإبراز إحدى خصائص الدين الإسلامي الذي يعتمد على  تعليل الأحكام الشرعية بصيغ  واضحة من  جهة أخرى، أو بصور تقتضي إعمال الاجتهاد بطرق مختلفة وصولا إلى حكم الله تعالى، ومن أبرز أنواع  الاجتهاد في هذا الباب، الاجتهاد المقاصدي حيث دائرة البحث تتسع فيه على أكبر نطاق، من هنا تأتي هذه المقالة العلمية.

وهي في الأصل قراءة في كتاب شيخ المقاصد فضيلة الدكتور  سيدي أحمد الريسوني، لتقدم الدور الطلائعي للفكر المقاصدي داخل الإسلام كدين، الذي أصبح يكتسح الساحة العلمية بشكل ملفت للنظر من خلال الأبحاث والندوات، ولئن كان الأمر يرتبط بنخبة معينة تخص فئة الباحثين، إلا أن هذا العلم يمكن تناوله من زاوية يستطيع الكل استيعابه، بطريقة غاية في البساطة، فهو علم يحتاجه المجتهد بقدر حاجة المكلف  له، وإن اختلفا من حيث طرق التحصيل والمنفعة .

فمقاصدية الدين الإسلامي في علاقتها بالمجتهد تظهر من خلال مساعدته على استنباط الأحكام الشرعية، عندما لا تسعفه النصوص الشرعية على ذلك، برؤية تتجاوز السطحية اعتمادا على آليات لا يمكن سبر أغوارها إلا الراسخون في العلم .

أما من جهة المكلف فيلعب هذا الفكر دورا فعالا في تيسير عملية الفهم للنصوص الشرعية، بحيث يزيل  عنه اللبس، فتسد عنه أبواب الاحتمالات والتشتت الذهني، لتكون ممارسته التعبدية خالية من التنطع أو التكلف، ومن ناحية أخرى يحفزه للإقبال على ربه، والإتيان بالعبادات بكل متعة مع تحمل المشقة، من خلال  فهم النصوص القرآنية فهما ييسر عليه ممارسة العبادة والمعاملة على الوجه المرتضى .

إن مقاصدية الدين الإسلامي تجعل المكلف مستوعبا  لمقاصد العبادات التي ما شرعت إلا لتحقيق المنفعة له ابتداء عاجلا – دنيويا – أم آجلا – أخرويا –، حيث المصلحة هي الغاية من مقصود الشارع كما صرح بذلك أبو حامد الغزالي رحمه الله، كما يستطيع  المكلف من خلال استحضار البعد المقاصدي ضبط المفاهيم بوضعها في مكانها المناسب، ليكون التطبيق موافقا للمقصود ، فكثيرة هي الأشياء في تقدرينا تبدو حسنة وهي ليست كذلك، بسبب غياب الرؤية المقاصدية وحملها الألفاظ على المفهوم الضيق لها، فينعكس ذلك سلبا على الممارسة.

فالإسلام كدين في علاقته بالفكر المقاصدي يدعو المجتهد والمكلف على حد سواء إلى التخلص من ضيق الرؤى الجزئية، بحيث يساعد على وضع  منهج شمولي وبناء تخطيط ذهني، من منطلق طرح  أسئلة جوهرية من قبيل :  ماذا أريد ؟ ولماذا أريد؟ وكيف أحقق ما أريد ؟ وقس على ذلك الأسئلة المرتبطة بتعليل الأحكام ؟

لقد استند القرآن الكريم في معظم تعاليمه إلى مخاطبة العقل، وما ذلك إلى للدعوة إلى التفكر في حدود ما تمليه الضوابط الشرعية، حتى لا يتيه عن المقصود .

إن الجهل بالمقاصد الشرعية  يفضي إلا التقيد بالأشكال، وأحيانا إتيان الأعمال والاتصاف بنقيضها، ولهذا نجد الشارع سبحانه  يعتبر في كثير من الأحيان مقاصد المكلفين باستحضار نواياهم إبان تصرفاتهم، وتفعيلا لذلك وضع  الأصوليون جملة من القواعد المقاصدية، حيث  تتضمن بيان حِكم الشريعة وأسرارها التي توخاها الشارع من أصل تشريع الحكم، إلى جانب القواعد الأصولية والفقهية،  ومن القواعد المقاصدية أذكر وبه أختم مقالتي

" الأمور بمقاصدها  "، " العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني " ومن أجمل العبارات  في الموضوع قول ابن القيم رحمه الله  : " وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها، أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات "

 يتبع..

عثمان كضوار