طباعة
الجمعة, 01 آذار/مارس 2019 10:34

قراءة في كتاب: أفكار وأقدام: مقالات نقدية في الفكر الإسلامي المعاصر)

يعد الكتاب الجديد: "أفكار وأقدام: مقالات نقدية في الفكر الإسلامي المعاصر"، طبعة 1440\2019)، للدكتور محمد السائح، الثانيَ بعد كتابه الأول:(الحوارية في القرآن الكريم: قضايا وقواعد وخصائص)، الصادر سنة: 2016.

يقع (أفكار وأقدام..) في مائة وستين صفحة، من القَطْع المتوسط..وقد ضم بين دفتيه: مقدمة وتمهيدا، فثلاثة فصول وخاتمة، إضافة إلى ستة فهارس،فضلا عن فهرس المحتويات..

والقارئ لهذا الكتاب، سيجد تميزه بالجِدّة الفكرية والقوة الاقتراحية، وهذا ما يؤهله إلى أن يكون بحق، تجديدا في الفكر الإسلامي المعاصر، ينضاف إلى باقي الكتب الأصيلة، على قلتها، التي لا تبني تجديدها على التشكيك في بعض قضايا الاجتهاد الإسلامي القديم ومسلماته، ولا على الإعجاب بالفكر الغربي، والسعي الحثيث لملاءمة ديننا معه، بدعوى الاجتهاد والتقصيد.. كما هو السمة الغالبة على معظم الفكر الإسلامي المعاصر، منذ ما يزيد على قرن من الزمن..

لقد بينَّ المؤلِّف في مقدمة الكتاب، أن الفكر الإسلامي المعاصر، المعني بالنقد هو الفكر الذي يعتقد في الإسلام دواء وترياقا لحال الوهن الذي يعيشه المسلمون اليوم، ولايُقدم عليه في العلاج، أي شيء آخر.. كما يعمل جادا على صلة حاضر الأمة بماضيها التليد..

أما الفكر العلماني والحداثي الذي ينتسب أصحابه إلى العالم الإسلامي، فهو غير معني بهذه المدارسة،لأن علماء كبارا، من أهل الفقه والحديث والفلسفة والأدب.. تولوا الرد عليه...

وقد لاحظ الكاتب أن الفكر الإسلامي المعاصر، يعيش منذ عقود حالة من الاضطراب والحيرة، أوصلت أصحابه، كما هو مشاهد، إلى وضعية التشردم والصراع فيما بينهم.. ومرد هذا إلى سببين رئيسيين أنتجا غيرهما من الأسباب: "الأول هو اشتغال غير الراسخين من أهله به، والثاني استرواح المشتغلين به لزينة الدنيا التي جاء بها الغرب". ص: 8

والغاية من الكتاب كما جاء في المقدمة أيضا:

أولا، الإسهام في تصليب عود الفكر الإسلامي المعاصر، وتمتين جذوره بحماية الأصول العقدية والتشريعية للإسلام من كل انحراف، ولو كان سببه أصحاب هذا الفكر الذين يعتزون بدينهم وتاريخه..

ثانيا، تحريك الفكر الإسلامي المعاصر، الذي لاحظنا عليه ــــ يقول المؤلف ــــ بعض الجمود في السنين الأخيرة، مع حماسته للتجديد، وخلطه بين التجديد والتعديل لبعض الأحكام الشرعية،خصوصا أنه لم يُسعِف في الجواب الشافي عن معضلة التردي المتواصل لوضع الأمة الإسلامية، وآخر ذلك، ما دخلت إليه بعد ما سمي بالثورات العربية، من زيادة في التمزق والتفكك وسفك الدماء. ص: 7

ولبلوغ هذه الغاية بنى الباحث مؤلفه على ثلاثة فصول:

الأول: طرح فيه أنواعا من الاضطراب الذي يعيشه الفكر الإسلامي المعاصر، في قضاياه وأسئلته وأهله، بما صيره أفكارا تموج، يخيل لأهلها أنها صخور حقيقية، يقفون عليها باطمئنان، ويدعون الناس إلى التعجيل في اللحاق بهم، والوقوف على صخور النجاة هذه! فإذا هي رمال متحركة، تغوص فيها الأقدام...

 ومن هذه الأفكار التي تموج موج البحر: آفة إنكار الحديث وآفة تسليفه، وعقدة الملاءمة بين الإسلام والغرب، وبدعة السننية..إنها أفكار تكسرت على صخور البرهان الذي قدمه الكاتب في المقالات الستة المكونة لهذا الفصل...

وفي ختامه أعلن المؤلف نهاية أشهر الأفكار والمناهج وأكثرها حضورا في الواقع، وهي: الفكر السلفي والفكر المقاصدي والفكر الشيعي؛ وقد لخص بيان هذه النهاية بقوله: "ونحن نقول، إن رجوع المسلمين إلى سابق مجدهم وتمكنهم، لن يمر أبدا عبر سفك دمائهم بعضهم بعضا، كما في الفكر الشيعي وجزء من الفكر السلفي، أو عبر استرواحهم للنموذج الحضاري لعدوهم، كما في الفكر المقاصدي وجزء من الفكر السلفي. والله تعالى أعلى وأعلم". ص:54

أما الفصل الثاني، فأسس فيه رأيا، وهو ضرورة الحذر من زينة الغرب من أجلتقويم اعوجاجالفكر الإسلامي المعاصر، وإلا فأقدام هذا الفكر لا ريب، تغوص في الرمال المتحركة.

وقد فصل الكاتب من خلال ثلاثة مقالات، الحديث عن الحذر من قُرب دنيا الغرب والاغترار بحلاوتها، خاصة بالنسبة للعلماء والصوفية، فهم كما قال، ملح الأمة، ومن يصلح الملح إذا الملح فسد...

وفي نهاية هذا الفصل أكد القول ملخصا ومذكرا: " إن مسلمة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، تقتضي عقديا أن المسلم أقوى من أن تنال منه الدنيا، مهما زادها الزمان أو المكان زخرفة وحلاوة، ولا تعني هذه المسلمة بحال، أن يصير الإسلام قابلا لأي مذهب في تدبير العيش،تستحسنه النفوس في غفلة من أمرها". ص: 67

وفي الفصل الثالث: الذي ضمَّ خمسة مقالات، تكلم، في سياق الاقتراح، الأستاذ محمد السائح، عن الحبل الممدود من سماء المرجعية الإسلامية، لإنقاذ الأقدام من قيد بحر الرمال القاتلة.

والناظر في تلك المقالات، سيبصر أربع أمارات لهذا الحبل المتين، وهي:

الأمارة الأولى: الوحي: فهو لُحمة وسدى هذا الحبل الممدود، فمن لغير الوحي أن ينجي الأفكار من هزات الاضطراب، وظلمات الحيرة، والأقدام الغائرة في الرمال المتحركة؟

إن استبصار الطريق يتطلب، يقول المؤلف،"الاستناد إلى علم لم ينتجه هذا الواقع، بل جاء من أعلى، ألا وهو الوحي،ويحتاج إلى رؤية منهجية مستوعبة لجملة مصادر المعرفة، وفق المنظومة المعرفية الإسلامية، التي لم تتأثر بالمنظومة الغربية المعاصرة". ص: 71

وإن من الأقسام الكبرى للوحي قرآنا وسنة، نصوص الأخبار التي تروي أحداثا حقيقية، إما في الماضي أو في المستقبل، وقد أولاها الشارع اهتماما بالغا وعناية قصوى.. وهذا ما يجعلها كنوزا معرفية في الفهم والعمل، يجب إعمالها بالمنهجية المقررة في فهم النصوص الشرعية، وإن في الغفلة عن هذا الواجب، غفلة وإهمال لقسم كبير من الدين.

ونصوص الأخبار مضمومة، بحسب تقسيم حُفاظ الحديث، في أبواب: الفضائل والمغازي والفتن وأشراط الساعة، وجزء من باب التفسير؛ وهذا ما يشكل القسم الثاني من الوحي، أما القسم الأول منه، فهو ما سماه المؤلف، نصوص الأحكام.

وقد نبه الكاتب إلى أن "نصوص الأحكام قد نالت حظها الوافر من التفقه والاستنباط، في حين لا تزال نصوص الأخبار، وخصوصا المستقبلة منها، فيحاجة إلى المزيد من هذا التفقه والاستنباط". ص: 78

الأمارة الثانية:التجديد لا التبديل: ومقصود الكاتب أن الفكر الإسلامي المعاصر، وتحت ضغط عقدة الغرب، يدعو إلى شطب جملة من الأحكام الشرعية، منها: إسقاط حد الردة، وجواز إجهاض الجنين المتولد من الاغتصاب أو زنا المحارم... وغير ذلك من الأمثلة لأوجه التبديل لشرع الله، التي ذكرها الكاتب.

ولذلك فالتجديد الحقيقي، ينبه المؤلف، هو التمسك بالكتاب والسنة وإحياء ما اندرس من أحكامهما والدعوة إليهما بالتي هي أحسن، دون تبديل أو تغيير تحت دعوى التقصيد. ص: 90

الأمارة الثالثة: التسلُّف الكلي لا المبتور: أي السير على نهج السلف الصالح، دون تجزيئ أوتبعيض، كما وللأسف، حال الاتجاه السلفي المعاصر؛فإن "كان شرف الانتساب إلى السلف الصالح، يقول الأستاذ الباحث، غاية يطمح إليها الحريص على سلامة دينه من البدعة والزيغ، فليكن هذا الانتساب آخذا بأطراف التدين الحق، الموروث عن السلف الصالح، وليس مقتصرا على بعضه، فقد كانوا رضي الله عنهم على سلامة في التوحيد، ومتانة في الدين، وزهد في الدنيا، وغيرة على المحارم، وحفاظ على بيضة الإسلام، وما لا نحصيه من الفضل والسبق،رضي الله عنهم. فما أصعب الانتساب إليهم إلا لمن وفقه الله وجرد قلبه منالتعصب والعجب". ص: 103

الأمارة الرابعة: السند العلمي الموصول: أي النقل المتصل للعلوم الشرعية، بين العلماء خلفا عن سلف، وقد لاحظ المؤلف على الاتجاهين المقاصدي والسلفي المعاصرين،أن سندهما العلمي مقطوع، مما أوقع فكريهما في دوامة الاضطراب والحيرة.

وعن فائدة النقل المتصل وأهميته، قال المؤلف،"هي المدارسة للأحكام، والاستفسار عن الإشكالات، والإرشاد إلى تقييد المطلقات وتخصيص العمومات وتوضيح المشكلات في كتب العلماء، ثم الإرشاد إلى الطريق الأسلم للدعوة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".ص: 101

وتلزم الإشارة، إلى أن الكاتب صدَّر هذه الفصول الثلاثة، بعد المقدمة بتمهيد، قدم فيه طرفا مجملا من نقده للفكر الإسلامي المعاصر، بما يرغب القارئ لمثله مفصلا في مباحث الكتاب.

وكانت آخر مقالة في هذه الدراسة تحت عنوان: الشاهد الثقة، وهي محاورة مفترضة مع الإمام النووي، اختار الكاتب محاورته كما قال،"لثلاثة أسباب: الأول: هو أن هذا الإمام في نظري، نموذج للعالم الكامل الذي نحتاجه في زماننا هذا. والثاني: أنه عالم مشهور في الأمة عند معظم طوائفها ومذاهبها، حسن السمعة عندهم، لا مطعن فيه عند أحد منهم. والثالث: أنه عالم من المتأخرين الذين وُجدوا بعد استقرار المذاهب الإسلامية الفقهية والعقدية والسلوكية ".

إن هذه المحاورة الماتعة والمفيدة، شكلت خاتمة الكتاب، وبذلك جمعت أشتاتا من أفكار سبقت في الفصول، لكنها نبهت إلى عدوى خطيرة، أصابت الفكر الإسلامي المعاصر، انتقلت إليه من الفكر الحداثي، وزادت من تخبطه وحيرته، ألا وهي: المنافرة بين العلوم الشرعية، وتفريق كل مجتمع وفصل كل متصل، ومثال هذا: الفصل بين مقاصد الشريعة والحديث النبوي، والتفريق بين التصوف والتسلف، والمنافرة بين الانتساب إلى أحد المذاهب الفقهية المعروفة، والانتساب إلى السلف الصالح...

يبقى في آخر هذه الورقة التعريفية بهذا الكتاب النقدي، التنويه إلى مميزات أخرى له، وهي:

ـــ المناظرة الهادئة للمخالفين، بعيدا عن كل تشنج أو غرور وكبر..

ـــ اعتماد أسلوب سهل وقريب من عموم القراء، مع مزجه "أحيانا بما يستطرف من أنواع الأساليب الأدبية، لوعينا بفائدة ذلك في تنويع العرض للأفكار الجديدة ".ص: 9

ـــ اعتماد طريقة البحث الأكاديمي، مثل: التوثيق الدقيق للنقول.. وتذييل الكتاب بستة فهارسمُبيِّنة لما ورد فيها من الآيات والأحاديث والمصطلحات والأعلام والطوائف والأماكن.

مصطفى الجراري ـ تازة