Monday, 16 January 2017 11:11

عالم ما بعد أوباما

كتبه

لم تكن معظم القوى السياسية والاجتماعية بالعالم العربي والإسلامي مستوعبة فرصَ التغيير التي حملتها فترة تولي باراك أوباما الإفريقي رئاسة الولايات المتحدة، إذ بدت غير قادرة على فهم الرهانات الدقيقة للإدارة الديمقراطية، عاشت جامدة اتجاه كل التحولات التي بدأ يشهدها العالم، أصابها الخمول إزاء تفكيك التناقض والتعقد الذي شاب المواقف والقرارت، وسيطر عليها الشك والتردد حيال الغموض الذي بات يخيم على العلاقات الدولية، ولم تر في أوباما غير صورة العدو المطلق، بل ادعت بأنها تفضل إدارة غير منافقة، وإن كانت تثخن بشدة في الأمة، وتستثير فيها النحيب والرثاء بفظاعة المأساة ووحشية المجازر !

جاء لأمتنا ما استعجلت من سوء بسقوط حلب حتى قبل إمساك ترمب "غير المنافق" زمام قيادة أقوى دولة في العالم. وها هو اليوم يحشد صقور الجمهوريين إلى فريقه الحكومي على ايقاع عدسات تمعن تصويرَ مأساة نساء وأطفال سوريا، وعلى خطى قادة دول تهرول إلى إنهاء الصراع قبل أن يلحق "هولاكو" بالمعركة ليحصد الأخضر واليابس.

بدأ "هولاكو" بالسعي إلى تعطيل آخر القرارات في عهد الإدارة الديمقراطية بمهاتفة السيسي، زعيم الانقلابيين على الديمقراطية، لتأجيل عرض مشروع إيقاف الاستيطان الإسرائيلي يوم 23 دجنبر 2016، في غياب صوت جمهوري يوظف حق الفيتو بمجلس الأمن الدولي.

وبالرغم من ذلك، فإن العالم لا يخلو من أحرار، اتُّخذ القرار قبل تولي ترمب فعليا يوم 20 يناير 2017، بل وشهدت آخر لحظات حكم أوباما تصويت مجلس الأمن الدولي يوم 31 دجنبر 2016 على اتفاق وقف إطلاق النار بين فصائل المعارضة المسلحة والنظام السوري، بالرغم من الصعوبة التي يواجهها الاتفاق بسبب تدخل بعض القوى الإقليمية والدولية؛ إذ لا يمكن أن تسمح إيران بأن يوكل لها أدوار ثانوية في التسوية، كما لا تسمح أجندة ترمب بتسلم زمام السلطة وقد طويت المشكلة السورية.

لطالما ذكر لافلوف بأنه يطلع كيري على تطورات التسوية في سوريا، وردد كيري دعمه لمساعي التسوية، إذ لا ضير عند إدارة تقبل تعدد الأقطاب أن تركز حضورها في العراق دون سوريا. فالجميع يبدو متضامنا في سياق سباق لإقرار الهدنة قبل تولي ترمب فعليا، بل لا شك في أن قناعة ما تبلورت تقول بأن الكثير سيتغير على الأرض بعد تولي ترمب القيادة. لكن يبدو أن هولاكو عازم على اللحاق، وهذا ما انتبه إليه الروس والأتراك حين دعوا إدارة ترمب إلى حضور محادثات استانة يوم 23 يناير 2017.

إن روسيا وإيران على وعي تام بخلفيات الجمهوريين وسياسياتهم المرتقبة، إذ وظفت الدولتان تناقضات عهد أوباما، فاستقوت بقوى دولية ولوبي صهيوني يعادي سياسات إدارة الديمقراطيين في الشرق الأوسط، كما أدركتا بأن مرحلة ترمب لن يحتاج فيها اللوبي الصهيوني وإسرائيل خدمات روسيا وإيران، إذ بإمكان ترمب استنزاف الجميع، وحسم كل التحديات بالآلة العسكرية الأمريكية الرهيبة، والتحكم في كل التداعيات بمفرده أو رفقة حليفه التقليدي بريطانيا، أو مع فرنسا إذا ظفر فيها اليمين بالرئاسة.

لا يمكن التغافل عن الرؤية الضيقة للجمهوريين بخصوص تنظيم المجال العالمي، إنها رؤية كلاسيكية واضحة تقوم على تعزيز كل الفرص لإبقاء المركز قوي ومهيمن، وحشد كل السياسيات للإبقاء على الهامش ضعيف ومتخلف.

فالمتأمل لتصريحات ترمب ومواقفه لا بد أن يرصد منظومة القيم والمصالح الموجهة لسياساته المستقبلية. فليكن البدء من موقفه الرافض لاتفاق باريس حول خفض انبعاث الغازات الدفيئة؛ إن لموقفه صلة بالاقتصاد والإنتاج القائمين على النفط الذي يهيمن عليه شركاؤه أرباب الشركات العابرة للقارات المولعين بالتحكم في الأسواق والسياسيات الدولية، ولا ريب في أنهم سنده في قرارات مثل تعزيز الاستيطان الإسرائيلي ونقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، كما يستلزم كل ذلك تواري الديمقراطية وتنصيب أنظمة ديكتاتورية ترعى المصالح الحيوية لجماعات الضغط بالشرق الأوسط وغيره.

لذلك واهِمٌ من ينتظر أن تتجه سياسيات ترمب إلى خلاف الخط الذي يرسمه بتصريحاته بين الفينة والأخرى قبل أن يستلم القيادة يوم 20 يناير 2017، حتى ولو تصاعدت وسائل الضغط عليه إعلاميا، إذ كان آخر هذه الضغوط إعلان شبكة "سي ان ان" يوم 11 يناير 2017 عن تقارير استخباراتية تؤكد تورط ترمب في فضائح مالية وأخلاقية.

أما تداعيات كل ذلك على الربيع الديمقراطي، فلن يألو ترمب جهدا في إلغاء انجازات الربيع ومحو آثارها في كل مكان، وما على القوى الديمقراطية إلا المقاومة والصمود والمناورة إلى حين انطلاقه في دورة جديدة. تؤكد تجارب الأمم بأن الربيع قد يتوقف كليا، لكنها تجعل من استئنافه بقوة حتمية تاريخية.