Saturday, 08 July 2017 20:15

صيفنا الحركي النافع والماتع

كتبه

جاء الصيف ووصل الشباب إلى نقطة نهاية التفرغ من أشغال الصفا والمروة من البيت إلى المدرسة، دروس، تمارين، ساعات إضافية، سهر، وجبال من الهم الدراسي فوق عاتق كل واحد منهم، كل هذه الأثقال والأغلال توضع عند عتبة عطلة الصيف، عندها ينتهي مسلسل الجد ويبدأ مسلسل الفراغ، فراغ قاتل لقيم العطاء والاستمرارية العمران الحضاري الذي يتميز به الشاب المسلم الذي يحمل هم الأمة ومسؤولية الدين.

إن القرن الذي نعيشه اليوم هو فصل من فصول التداول الحضاري، والدور المركزي فيه لطلائع الشباب الرسالي الذي يطمح إلى التغيير والنهضة، فصيف هؤلاء لا كصيف الآخرين، صيف تميزه العديد من اللبنات الأساسية التي تسهم في بناء شخصيته وخدمة مجتمعه.

وانطلاقا من الآية الكريمة "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب" نرى أن المسلم بشكل عام غير مسموح له روحيا وحضاريا أن يترك الفراغ في مسيرته التعبدية، في سعيه نحو مولاه، إذا فرغ من نصب، ينصب في شغل آخر ذو نفع وفائدة، لأن الفراغ جالب للمفسدة كما قال الشاعر:          إن الشباب والفراغ والجده ,,, مفسدة للمرء أي مفسدة

ولكي نبني صيفنا النافع والماتع يجب المرور على أربع وحدات مترابطة، بداية الصيف فرصة كبيرة للتربية الذاتية الجادة، حيث يختلي الشاب بنفسه ويحصي الأخطاء التي ارتكبها خلال السنة في حق الله وفي حق نفسه والآخرين، ويسعى إلى الاستدراك والتدريب المستمر على بناء قيم وأخلاق ترقى به إلى مستوى المسلم الحقيقي (الرباني)، ويرتقي بعبادته، وهذب عاداته.

ويعتبر الصيف أيضا فضاء للإبداع وتنمية القدرات الذاتية، لأن الفراغ والرسالية والهم الحضاري يولد الأبداع والتجديد  في مجموعة من القضايا الهامة، لذلك ينبغي على الشباب أن يضع في جدول أعماله الصيفي قائمة الأشغال الإبداعية التي يريد أن يحققها وينفع بها الأمة، ويسعى إلى امتلاك المهارات التي تمكنه من ذلك، والمهارات التي يفتقدها لإدارة حياته بصفة عالمة.

وصيفنا الحركي أيها الشباب يجب ألا يخلو من العناية بالبعد التواصلي والاجتماعي سواء على المستوى العائلي الشخصي أو على المستوى الأخوي العقدي، فزيارة الأهل والأحباب يزيد في الأجر والعمر وينمي العاطفة الإيمانية، وأما زيارة الإخوة في الله فمن باب المقولة المعروفة " آصرة العقيدة أوثق وأقرب من آصرة القرابة" فواجب على المسلم زيارة أخيه في الذي يذكره بالله واليوم الآخر، ويتعاهد أحوال إيمانه وأخلاقه وعطائه ويقدم له النصح الخالص المفيد.

ولا يخلو صيفنا من المتعة والاستجمام والسياحة، لأن القلب الذي يداوم على الذكر و لا بشكل متواصل قد يتعرض لأمراض خطيرة، ولكن يجب أن ينظر إلى المنهج النبوي في التعبد " إن الله لا يمل حتى تملوا ولكن ساعة وساعة" أو منهجه في الوعظ والتذكير حيث أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة عليهم، فالمتعة المحمودة هي التي تكون في طاعة الله عز وجل، والسياحة المحمودة هي التي تقود إلى واحات من التأمل والتفكر والدخول في مشاهد الجمال وملاحظة الجلال والكمال الموجود في الطبيعة، الهادية إلى التسبيح بعظمة الخالق سبحانه "فالجمال ما استنطق اللسان بالتسبيح"

ولأن الشباب الرسالي يتبنى نظرية القهوة والماء، بمعنى أنه يستطيع أن يلون حياة الناس من حوله بلونه وصبغته ويندمج معهم في قضاياهم الأساسية، لا يمكنه القيام ببرنامج صيفي منعزل عن الوجود لأن " الذئب يأكل من الغنم القاصية" (أي المنفردة)،في هذه الحال لابد أن شارك مع الناس، وأن يشرك الناس في أعماله وأشغاله، ويسعى إلى الانفتاح على أكبر شريحة من خلال نوافذ التوسع والانتشار المعروفة والمتاحة سواء الواقعية أو الافتراضية، وأن يعزز قدراته في مجال التدافع مع الآخر في القضايا المركزية السياسية والثقافية والاجتماعية المثارة في النقاش العمومي، والسعي إلى تطوير آليات الخطاب والمناظرة والاستقطاب للفئات التي استقر وعيها مع الوعي المطابق لرؤيتنا ورسالتنا.

ولا يستقيم التدافع معشر الشباب إلا بالتعاون والتآزر "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى" أو كما جاء في الحديث "يد الله مع الجماعة" لنضع أيدينا في يد الله، ولنضع أيدينا في أيدي بعضنا لننهض بهذه الأمة وشبابها الضائع، يدي في يدك لنتعلم، يدي في يدك لنفهم، يدي في يدك لنعمل، ولنتنافس في الخير وعلى الخير انطلاقا من قوله تعالى: " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".