السبت, 01 نيسان/أبريل 2017 17:25 Written by 

شحذ النضالية الواجبة ضد التطبيع

التطبيع، سم له طعمه ورائحته ولونه، لا يقتل صاحبه ولكنه يميت ضميره بأقساط غير مريحة! لم أكن أتوقع بأن الطروحات التطبيعية المناهضة للنضالية الواجبة ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ستحقق أي نجاح يذكر أو نجاح يقلق. كنت أظن أنها أشبه ما تكون بطلقات نارية في الهواء، تحدث تلويثا سمعيا مؤقتا.

ولم يدر في خلدي أن نبوءة "غسان كنفاني" ستتحقق هي الأخرى، حينما قال: "سيأتي يوم على هذه الأمة وتصبح الخيانة وجهة نظر ". الموجع أن هذه النبوءة تحققت في إطار يتجاوز شبكة أعوان السياسي والمتنفعين حوله، ليصل إلى شرائح "يُعتب عليها"، من المثقفين والأكاديميين ورجال الأعمال والناس العاديين. للأسف الشديد، خابت كل هذه التوقعات.

الإمعان في المشهد العربي الراهن يحوجنا إلى الإقرار بأن ثمة شيئا من النجاح قد تحقق بالفعل للمشروع التطبيعي، فالبعض أصبح لا يتحمس للنضالية الواجبة تجاه المحتل الإسرائيلي، بل جعل البعض يصرح بأنه لا يعارض ألوانا مخففة من التطبيع معه، وتتجاسر قلة بأنهم لا يعارضون التطبيع المغلظ بجميع صوره وقنواته. لا أحسب أن أحدا لا يرى مثل هذه التغيرات الفكرية الخطيرة. قد نختلف في تحديد النسبة والحجم للظاهرة، فقط، على أنني لن أتورط أصلا بتحديد نسب أو حجم لها، لأنني ببساطة لا أملك أي أساس علمي لذلك.

كنت أتردد عن الكشف عن هذه الملاحظة المنغصة، لأنها قد تحمل نوعا من الإقرار بشيء من الهزيمة "النفسفكرية". وحينما تأملت مليا، وجدت أن العلاج يبتدئ بالإقرار بالمرض، فقررت الإفصاح عنها وطرحها للمداولة، وبخاصة أن المرحلة الحالية والقادمة تشهد نزوعا متناميا نحو إدماج المحتل الإسرائيلي ضمن نسيج المنطقة العربية وتوريط دول جديدة في عمليات التطبيع في سياق مربك معقد؛ يعد باستمرار الاستبداد ودعمه وضمان الأمن والاستقرار للدول التي تقبل بفكرة استدماج الاحتلال ضمن البوتقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياحية في المنطقة، مما يوجب إعادة التفكير في هذه المسألة والعمل على إعادة شحذ بطارية النضال ضد الكيان المغتصب لفلسطين ورفض كل أشكال التطبيع معه، على مستوى الحكومات والشعوب.

من الواضح أن هنالك جهات خارجية تدعم تيارات فكرية وسياسية وإعلامية تستهدف غرس بذور التطبيع في الوجدان العربي، والسعي لتسويغه ما أمكن، مع التوسل بتوليفة من الطروحات السياسية والفكرية والتاريخية والاقتصادية، وذلك باختلاف الشرائح المستهدفة بالتطبيع. ويمكن لنا أن نحدد -بشكل أولي- أصناف المتأثرين بفكر التطبيع أو الاستدماج للمحتل الإسرائيلي، مع توصيف مختصر لأهم السمات والآثار المترتبة، على أن بينهم قدرا من التداخل والتخارج في الماهية والسمات والآثار:

أولا: المطبعون الواقعيون، وهؤلاء يشكلون الفئة السياسية. المطبعون الواقعيون يتبنون فكرة الواقعية السياسية المفضية إلى هجران "اللغة العنترية" كما يصفها بعضهم. إنهم يقررون بقدر كبير من الجزم بأن الأوضاع الحالية للأقطار العربية في المنطقة تفرض هذه الواقعية وتجعلها "القرار لا الخيار"، ومن ذلك الضغوطات الكبيرة من جراء الحراك المجتمعي (والثوري) كما في بعض تلك الأقطار، بجانب تدخل الدول الكبرى في المنطقة، ومحاولة إضعاف هذه الأقطار سياسيا واقتصاديا والسعي لخلخلتها اجتماعيا وأمنيا، ونمو الحركات الإرهابية وتزايد الأخطار المترتبة على تمددها فكريا وجغرافيا.

كل ذلك يدفع -بنظر الواقعيين- إلى محاولة إرضاء الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الحليفة وضمان استمرار كونهم حلفاء والتعهد بحمايتهم ضد إيران وغيرها. وهذه المحاولة تتضمن الموافقة على تقديم قوالب من التنسيقات والشراكات والتحالفات مع المحتل الإسرائيلي، وفتح صفحة جديدة في المنطقة، عنوانها السلام والتعاون. هذا الطرح تحمله نخب سياسية وبالذات القريبة من الحكومات، وقد يقنع بعض الشرائح القليلة، وبالذات المتورطة بالكسل أو بدرجات عالية من الإحباط والاغتراب.

ثانيا: المطبعون التنمويون، هؤلاء ينتمون للفئة الاقتصادية.تطغى على المطبعين التنمويين الأبعاد المتعلقة بضرورة ضمان الاستقرار اللازم للنمو الاقتصادي والعمل على ديمومة سبل التنمية ورفع جاذبية الاستثمار في أقطارهم، وهذا يوجب في نظرهم العمل على القبول بالتطبيع مع المحتل، والإفادة من خبراته وأبحاثه وبراءات اختراعه وتحالفاته مع الدول والشركات الكبرى.

كل ذلك يفتح آفاقا أوسع للتنمية الاقتصادية العربية في سياق مستقر آمن، ويندد "التنمويون" بـ "الخطابات التعبوية الفارغة"، وهي خطابات في نظرهم لا تسمن اقتصادا ولا تغني فقيرا. هذا الفكر يحمله بعض رجال الأعمال، وبالأخص النفعيين منهم والراغبين في مراكمة الأرباح والثروات بشكل سريع ولو كانت على حساب الأخلاق. وهذا الطرح قد يكون هو الأخطر، وذلك أنه يتسربل بالبعد الاقتصادي الذي يلامس معاش الناس، مما قد يجعله مقنعا لبعض المشتغلين في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطامحين لإنماء مشاريعهم وتعظيم أرباحهم في أجواء اقتصادية خانقة.

ثالثا: المطبعون الإنسانيون، هؤلاء يمكن إدراجهم ضمن الفئة الثقافية. قد يكون من هؤلاء بعض الأكاديميين والمثقفين الذين يقرأون بشكل مجتزئ وبقوالب تخلو من النقد وتصل بهم إلى ألوان من "التفكير الرغبوي الساذج"، مما يجعلهم يؤمنون بالأطروحات التي تؤمن بوجوب تحقيق السلام وإلغاء مبدأ الحروب من الخارطة الوجودية، الأمر الذي يفضي بهم إلى الدعوة لقبول المحتل الإسرائيلي وتبني فكرة السلام الدائم معه، ولو كان في ذلك قدر من التنازل عن الحقوق، فالأهم في نظرهم تحقيق السلام والوئام التامين بين البشر، ونبذ التعصب والعدوانية بكافة أشكالها. تتسم هذه الأطروحة بالهزال والسطحية، مما يجعلها غير قادرة على اجتذاب عدد كبير من الناس.

تحمل الأطروحات السابقة قدرة اختراقية لبعض الشرائح بدرجات متفاوتة وبمستويات تبعث على البحث، والقلق أيضا. وهذا لا يعني أنها أطروحات متماسكة أو قوية في ذاتها، كما لا يعني أيضا أننا نتوقع نجاحها في إقناع أعداد كبيرة من الناس، فالأكثرية هم ضد التطبيع، فكرا وممارسة. إن نمو الحركات التطبيعية وآلياته الاختراقية يحتم علينا استضافة فلسطين في الآني والآتي، وفي الحال والمال، وفي الوجدان والبرهان. ويكون ذلك عبر تبني جملة من الإستراتيجيات الفعالة، التي يمكن أن تتضمن:

1- إعادة إشعال فلسطين في الفكر والحياة، ففلسطين هي لنا بكل الأدلة والبراهين. لا يسوغ لنا البتة الرضا بخفوت فلسطين وجعلها قصية عن تفكيرنا وهمومنا اليومية. إنها جزء أصيل من تحدياتنا الحضارية ذات الاستحقاقات الكبيرة.

2- إعادة تضمين فلسطين في المنهاج الدراسي في مختلف المراحل بشكل أقوى؛ بكل حمولاتها الدينية والتاريخية (إسلاميا ومسيحيا) والجغرافية والسياسية والفكرية. وتتأكد هذه المسألة بالنظر إلى ضعف ارتسام فلسطين في الخارطة الذهنية لدى الأطفال الصغار والشباب اليافع في كثير من الأقطار العربية والإسلامية في السنوات الأخيرة (وهذه المسألة تستحق أبحاثا معمقة).

3- إحياء "أدب فلسطين"، وتأسيس جوائز قيمة لكل المبدعين في هذا المجال؛ شعرا ونثرا وقصصا، ونشر نتاجهم الإبداعي، وترجمته وإنتاج الأفلام والأعمال الدرامية والفنية المختلفة.

4 - إحياء الإعلام والفن المقاوم، وتبني برامج متنوعة ودائمة، لجعل فلسطين -بكل حمولاتها وأبعادها- في بؤرة التفكير والاهتمام والاشتغالات السياسية والفكرية والبحثية والتنموية، مع التوسل بتنوع المواد المطروحة توخيا لمناسبتها لكافة الشرائح المستهدفة. وأشدد هنا على توسيع هوامش مشاركة الأطفال والشباب الفلسطينيين في الأعمال الفنية والبرامج الإعلامية، فقد لاحظنا تأثيرها الكبير.

5- استغلال الثورة التقنية والمعلوماتية بشكل ذكي، ومن ذلك تحسين الاستخدام لشبكات التواصل الاجتماعي وتصميم تطبيقات الأجهزة الذكية ونحو ذلك.

6- تقديم طروحات بحثية وفكرية وسياسية متماسكة حول مخاطر التطبيع وآثاره مرحليا وإستراتيجيا، مع تضمينها للأبعاد الواقعية والاحتمالات المستقبلية، وبيان التكاليف الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على الدول المطبعة.

7- السعي لبلورة خطاب عالمي مقنع وبسيط في محاولة للوصول إلى شعوب الأرض والتأكيد على أحقية قضية فلسطين وأخلاقيتها. ويندرج ضمن هذا الخطاب التأكيد على أن العرب والمسلمين لا يكرهون اليهود وإنما الصهاينة المحتلين لفلسطين، فالكره سياسي وليس دينيا.

8- حصر الادعاءات والمزاعم التاريخية والسياسية والدينية التي من شأنها خلق معلومات مغلوطة واتجاهات سلبية تجاه فلسطين قضية وشعبا، والرد عليها بقوالب بحثية فكرية أدبية إعلامية فنية ملائمة.

9- إجراء بحوث ميدانية ودراسات مسحية للتعرف على خارطة الأفكار التطبيعية وفق الفئات والشرائح ومصادر التأثير المختلفة، وتحديد السبل الناجعة لمقاومتها وإضعاف انعكاساتها السلبية.

10- تبني الطروحات المشددة على ضرورة تعامل الحكومات العربية مع فلسطين على أنها قضية أساسية مركزية وجودية، وليست "قضية جيران تعرضوا للظلم، ويحتاجون بعض الدعاء والمساعدة. وعلى هؤلاء الجيران أن يقدروا الضيافة، وأن يعلموا أن للمساعدة حدودا" (محسن صالح، فلسطين، ص 496).

فلسطين هي قضية وجودية لنا، وهي قلب القضايا العربية والإسلامية وجوهرها، ولن يزيدها الوقت إلا تجذراغرد النص عبر تويتر في العقل والوجدان والضمير، ويتوجب علينا دفع الاستحقاقات الحضارية الواجبة؛ لفلسطين اليوم، وفلسطين الغد.

المصدر : الجزيرة