السبت, 23 حزيران/يونيو 2018 13:25

ذكرياتي مع العلامة محمد الرافعي

رزئت الأمة الإسلامية عامة والشعب المغربي خاصة في وفاة أحد أساطين العلم الشرعي وأعمدته، إنه فضيلة العلامة سيدي محمد الرافعي، القاضي بمحكمة الاستئناف بدولة قطر، ورئيس غرفة بمحكمة التمييز بالمغرب، ورئيس كرسي البلاغة بمسجد الحسن الثاني،وقد وافته المنية بعد ظهر يوم الخميس 21 يونيو 2018.

كانت لقاءاتي بالشيخ الرافعي- يرحمه الله- قليلة جدا، وعلى الرغم من هذه القلة، فقد ترسخت في ذاكرتي ثلاث منها فقط في مناسبات مختلفة هي:

  1. التوقيف عن الخطابة:

أول لقاء لي بالشيخ كانفي منزل الدكتور سعد الدين العثماني بحي الراحة بالدار البيضاء (حي البوسيجور) الذي دعانا لجلسة خاصة حضرها معنا سي علي التوندي، وكان ذلك في ما أذكر سنة 1991 بعد أيام قليلة من توقيف الشيخ الرافعي من لدن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق السيد عبد الكبير العلوي المدغري (يرحمه الله)، عن الخطابة في مسجد الهدى بشارع 2 مارس بالدار البيضاء، ضمن عدد كبير من الدعاة من بينهم الشيخ محمد زحل (يرحمه الله).

وكان الموضوع الرئيس لهذه الجلسة هو التداول في أسباب هذا التوقيف وتداعياته، وكان رحمه في عجب من أمره؛ إذ لم ير جريرة ارتكبها تكون سببا في توقيفه عن الخطابة، فتدخلت، بعد أن أدلى كل واحد من الحاضرين بدلوه، وكنت آخر المتدخلين، فقلت له: يا شيخ أنت بالفعل لم ترتكب في خطبك ما يوجب توقيفك، فبادرني بالسؤال: وما هو السبب إذن؟ قلت: أحرقك القرب. فقال: زد الأمر توضيحا يا ولدي. فقلت له:لعل ما تخطه من فتاوى تجيب به عن أسئلة القراء وتنشره مجلة "الفرقان"، التي مديرها المسؤول هو الشيخ محمد زحل، أول موقوفين عن الخطابة، ورئيس تحرريها هو الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس حركة الإصلاح والتجديد بالدار البيضاء، إضافة إلى مخالطتك لأبناء الحركة الإسلامية وإقبالهم على دروسك العلمية، كل هذا قد يكون هو السبب الأساس، أما الباقي فتفاصيل. فقال رحمه الله: هذا الشاب نطق بالصواب وأجرى الله الحكمة على لسانه.

  1. صدور كتابه: "صحيح الدعاء المستجاب":

وبعد ذلك، ازداد التعارف بيننا، خاصة وأن الشيخ، يرحمه الله، كان يطالع ما كنت أنشره في مجلة الفرقان عن القواعد الفقهية عند المالكية، فكان كلما التقينا أثنى على ما كتبت من ذلك، ويشجعني على الاهتمام بهذا العلم الدقيق.

وذات مرة زرته في بيته العامر بحي المعاريف، لا أذكر سبب الزيارة بالضبط، ولعله إهداء نسخة من جديد مجلة الفرقان، وكان بيته قبلة لطلبة العلم، فكان المجلس مجلس علم ومذاكرة في بعض قضاياه، وتبادلنا أطراف الحديث، حتى أتى على ذكر آخر إنتاجاته العلمية حينئذ، وكان حديث الصدور، كتابه: "صحيح الدعاء المستجاب"، والكتاب في أصله لمؤلفه محمد عبد الجواد، وكان هذا الكتاب شديد الانتشار، سوى أنه كان محشوا بعدد كبير من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة، فقام الشيخ محمد الرافعي، بطلب من ناشر الكتاب في المغرب السيد بنيس صاحب دار المعرفة بالدار البيضاء، بتنقيته من تلك الأحاديث؛ وجعله خالصا في الأدعية المختارة من الأحاديث الصحيحة. ثم قال رحمة الله عليه: ولقد تفضل أحد الحذاق، يدعى أبو معاذ الطنجي، فكتب تعريفا علميا بهذا الكتيب في صحيفة "الراية"، التي كانت تصدرها حركة التوحيد والإصلاح.ثم التفت الشيخ وسأل الحاضرين إن كان أحدهم يعرفه؛ لأن الكاتب، كما قال الشيخ،متابع جيد، ويفهم في علم الحديث وأصول وقواعد تخريجه وله اطلاع بأعلام التخريج من المغاربة. وحينها بادرت الشيخ وقلت له: أنا أبو معاذ الذي كتب ذلك المقال.

وكنت في هذا المقال، قد عرفت بالكتيب وأهميته وأهمية تنقية من الأحاديث الضعيفة والواهية، وبينت منهج الشيخ في تخريج الأحاديث وتحقيقها، وكانت مناسبة لأشير إلى نبوغ العلماء المغاربة في هذا العلم وعلو كعبهم فيه على الرغم من قلة إنتاجاتهم وترددهم في نشرها، وفي مقدمة هؤلاء العلماء الذي علا اسمهم في سماء علم الحديث علماء آل ابن الصديق الغماريين بطنجة.

  1. مشروع العمر العلمي للشيخ:

في عطلته ما قبل الأخيرة إلى المغرب أواخر شهر أكتوبر من سنة 2017 التقيته، يرحمه الله، قدرا بباب أحد الأسواق التجارية، وبعد السلام والسؤال عن الحال والأحوال، أخبرني أنه اطلع على كتابي "معلمة القواعد الفقهية عند المالكية" وأثنى عليه. ثم أخبرته بدوري عن صدور كتابي "كليات في الفقه على مذهب الإمام مالك" الصادر حديثا عن دار الكتب العلمية ببيروت، وأهديته نسخة منه كانت عندي في السيارة، وأعلمته بكتابي الصادر قبله، وهو "كتاب النظائر في الفقه للعبدي على مذهب الإمام مالك"، الصادر عن الرابطة المحمدية للعلماء سنة 2014.فقال لي يرحمه الله: لا بد ولا بد وأن تأتيني بنسخة منه، فأنا شديد الاهتمام بالقواعد الفقهية عند المالكية، وأنت، في الحقيقة، لن تكفيني معك هذه الوقفة القصيرة. وأخذ علي العهد لأزوره في البيت.

وكذلك كان، اتصلت به وحددنا الموعد، فذهبت إليه صحبة صهري الحاج يوسف، عصر يوم الجمعة 20 أكتوبر 2017، ووجدت عنده الأخ المحجوب فُرار خطيب مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وتبادلنا أطراف الحديث، فذكرته بما دار بيننا حول أسباب توقفيه عن الخطابة، فقال لي: سأحكي لك بقية القصة، والمحاولات الذي بذلها الوزير المدغري لإرجاعه إلى المنبر بعد أن تبين خطأ ظنه في الشيخ، وكيف أنه في مقابل إلحاح الوزير أصر على عدم الرجوع إلى المنبر، فطلب منه الوزير أن يلقي الدروس في المسجد، فرفضها، ثم بعد مدة وقع الاتصال به ليقدم محاضرات لطلبة مسجد الحسن الثاني ويرأس كرسي البلاغة فيه، فقال للوزير: أما هذه فنعم. 

وبعد ذلك، انتقلنا للحديث حول القواعد الفقهية، ثم قال لي: لقد اطلعت على كتابيك المعالم والكليات، وبعد أن أهديته نسخة من كتابي حول النظائر الفقهية عند المالكية وعرضت عليه بعض الإشكالات العلمية التي ناقشتها فيه، قال لي:أنت الآن صرت متخصصا في علم قليلون المتخصصون فيه، إنه علم القواعد الفقهية وفنونها عند المالكية، وأريد منك أن تساعدني في عمل شق علي إتمامه له علاقة وطيدة فيما أنت منشغل به، وهو مشروع علمي، أعتبره مشروع العمر، بدأته مذ كنت طالبا بدار الحديث الحسنية العامرة، ويتعلق بتحقيق كتاب"الدليل الماهر الناصح في شرح المجاز الواضح في قواعد المذهب الراجح"لمحمد يحيى الولاتي (ت1330هـ)، فقد حالت ظروفي العملية والصحية دون إنجازه في نطاق بحت التخرج بدار الحديث الحسنية، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعود إليه، ولما ذهبت للعمل في دولة قطر، وجدت متسعا من الوقت، فاستجمعت الهمة لإكماله، ووجدت الباحث المغربي الدكتور محمد أحمين الذي بدأ نشيطا في مساعدتي على مقابلة النسخ وقطعنا في ذلك أشواطا لا بأس بها، وأبلى معي البلاء الحسن في ذلك، لكنه، في الأيام الأخيرة انشغل ولم يعد يتردد علي كما كان في السابق. وأمنيتي أن أخرج هذا العمل إلى الوجود. ولما ذكرته بأن هذا الشرح صدر مطبوعا بتحقيقين، قال لي: وهذا هو مربط الفرس، يا ليت كان ما صدر سليما، فتلك التحقيقات أساءت إلى الكتاب وصاحبه من حيث أرادت خدمته، ويا ليتها لم تصدر، ففيها من الارتباك والاختلاط ما لا تخطئه العين المجردة؛ لذا فإني أعول، بعد الله على تعاونك ومساعدتك لإخراج هذا التحقيق في أحسن صورة يرتضيها مؤلفه. ثم قال لي: أتمم هذا العمل وانشره باسمك فلا حاجة لي في أن يذكر اسمي. فقلت له: العفو يا شيخ، فأنت صاحب المبادرة، والفضل ينبغي أن ينسب لأهله. ثم تواعدنا على أن يأتيني بما عند الدكتور محمد احمين من تصفيف أولي للتحقيق، على أساس أن أراجع مع الشيخ ما أنجز من التحقيق ونتابع أنا وهو مقابلة الباقي منه، وهو قليل بالنظر إلى ما أنجز من قبل. فأخبرت الشيخ أن هذا الأمر يشرفني وستكون مناسبة لمدارسة متن "المجاز الواضح في معرفة قواعد المذهب الراجح" الذي شرحه هو موضوع التحقيق الذي يشتغل عليه الشيخ الرافعي.

وقد رأيت من اهتمام الشيخ الرافعي بهذا النظم أنه يحفظه عن ظهر قلب؛ بل إنه بدأ في استظهاره إلى أن حان أذان صلاة المغرب. قمنا للصلاة، وما انتهينا من الصلاة وأذكارها المسنونة، حتى عاد لاستكمال استظهار سائر الأبيات، فأشفقت على الشيخ، وبأدب أشرت له بأني مرتبط بموعد لحضور حفل تأبين أحد الأقارب، فتوقف، وقال لي كلاما بالغ الأهمية من الناحية العلمية حول القواعد الفقهية؛ إذ أنه رحمه الله كان يرى، خلافا لما يعتقده كثير من أهل هذا الفن، بأن نظم الولاتي في القواعد الفقهية المالكية أهم وأجود بكثير من نظم الزقاق في المنهج المنتخب؛ لأنه خلى من الإلغاز والتعقيد، وكان أكثر استيعابا للقواعد الفقهية المالكية من الزقاق في منهجه، وكان يرجح ويختار خلافا للزقاق الذي في كثير من الأحيان يقف ويكتفي بعرض الخلاف الوارد بشأن القواعد الفقهية.

وبالأمس، تواصلت مع ابنة الشيخ، وبعد أن قدمت لها واجب العزاء، أخبرتها بما تم من اتفاق بيني وبين والدها المرحوم القاضي محمد الرافعي بخصوص إتمام تحقيقه لكتاب"الدليل الماهر الناصح في شرح المجاز الواضح في قواعد المذهب الراجح" لمحمد يحيى الولاتي (ت1330هـ)،وأني ما زلت على العهد، ومستعد لإكماله والعمل على نشره، لعله يكون جاهزا في الذكرى الأولى لوفاة شيخنا الجليل سيدي محمد الرافعي عليه من الله أزكى الرحمات، وأرجو الله أن ييسر الأسباب ويصرف الموانع ...

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أسأل الله أن يغفر لشيخنا وأن يشمله برحمته وجميل عفوه، وأن يزيد في حسناته، ويتجاوز عن سيئاته، وأن لا يحرمنا أجره، ولا يفتننا بعده، وأن يغفر لنا وله، وأن يبعثه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يرزق أهله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الدار البيضاء في الجمعة 8 من شوّال الخير 1439هـ، الموافق لـ 22 يونيو 2018.