السبت, 15 كانون1/ديسمبر 2018 10:59

دروس الرحمة المهداة في الوداع الأخير

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد:

فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم  ولا يزال رحمة مهداة من رب البرية عز وجل إلى البشرية، فلو سئل أحدنا عن المقصد من دعوته ورسالته لأجاب: إنه جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من الجور إلى العدل، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، لقد جاء ليحل الأمن والسلام والعدل والخير والإخاء في أرجاء المعمور، ولهذا ورد التعبير عن ذلك في القرآن بأسلوب الحصر (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء107.

كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها بذلا وجهادا وتضحية كي تحيا البشرية على الصراط المستقيم، على المنهاج الذي ارتضاه لها رب العزة سبحانه في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، منهاج تتحقق به عمارة الأرض والاستخلاف فيها على الوجه الأكمل، فلا يبقى على وجه الأرض مظلوم مقهور، أو بائس فقير، أو مستضعفٍ ذليل.

إنها قيم الرحمة والعدل والحب التي ظل النبي صلى الله عليه و سلم يرسخها في أذهان الرعيل الأول من المسلمين إلى أخر رمق من حياته.

وإليكم الصورة وهو يودع هذا العالم:

في أواخر أيامه صلى الله عليه و سلم كان مستشعرا لدنو أجله، مدركا لقرب لحوقه بالرفيق الأعلى، فإن القلب المؤمن الصافي النقي لا تخطئ له فراسة، ولا يكذب له حدس، كيف وهو ينظر بنور لله؟..هذا عن المؤمن عموما..فكيف إذا كان هذا القلب مؤيدا بالوحي من السماء...

إن في القرآن آيات كثيرة أخبرت النبي الكريم بقرب زمن رحيله إما تصريحا أو تلميحا، منها آيات سورة النصر. وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة عن قوله تعالى (إذا جاء نصر الله و الفتح ...) فقال ابن عباس رضي الله عنه: أجل رسول الله أعلمه إياه. فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم1.

وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها عليه في العبادة والتسبيح والاستغفار أكثر من ذي قبل كما حكت عنه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها2 .

وفي هذا درس للأمة بعده أن تجد في العبادة مع التقدم في العمر، وقد دلت عليه سنته القولية أيضا.

إن لحظات الوداع الأخير تظهر فيها معاني الرحمة النبوية في أروع تجلياتها.  وإليك أخي القارئ بعضا من تلك التجليات:

مع ابنته فاطمة الزهراء وهو على فراش الموت: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ثم أسر إليها حديثاً فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. فبكيت. فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة – أو نساء المؤمنين – فضحكت لذلك)3 .

فانظروا إلى رحمته صلى الله عليه وسلم بابنته فاطمة وكيف أنه خاف عليها من الحزن الشديد إن جاءها نعيه صلى الله عليه و سلم على حين غرة فرأى أن يعلمها باقترابه حتى يخف وقع الأمر عليها إن حصل، ولاشك أن توقع المصيبة أهون من نزولها فجأة.

مع بقية الصحابة: كان صلى لله عليه وسلم يعرض باقتراب أجله في آخر عمره في العديد من المناسبات حتى لا يجزع أحد من الصحابة بموته صلى الله عليه وسلم، وحتى يحثهم أيضا على ملازمته فيتعلموا منه ويتطهروا قبل أن يصبحوا يوما فلا يجدوه بينهم.

من ذلك أنه قال في خطبة حجة الوداع: (أيها الناس اسمعوا مني فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)4 .

لقد أبى سيد الخلق أجمعين إلا أن ينبه صحابته رضوان الله عليهم إلى أن رحيله عنهم قد اقترب حتى يأخذ كل واحد منهم حظه من التعلم منه والتطهر ويستدرك ما فاته من ذلك، وحتى يستعدوا نفسيا فيخف أثر فقده صلى الله عليه وسلم عليهم.

والروايات التي تحكي هذا التصرف الراقي منه صلى الله عليه وسلم كثيرة لا يمكن أن يستوعبها مقال قصير.

لكن هناك موقفا إنسانيا جميلا له مع معاذ بن جبل شدني بقوة بحيث لا يمكن ألا أذكره هنا.

فعن عاصم بن حميد السكوني، أن معاذا لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه،  ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمر بقبري ومسجدي. فبكى معاذ بن جبل جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لا تبك يا معاذ، إن البكاء من الشيطان)5 .

وهذا المشهد الجميل يظهر مشاعر الود الفياضة والمحبة المتبادلة التي كانت بين النبي صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام، ويبدي أيضا بوضوح الرحمة الكبيرة التي كان يعاملهم بها، حتى أنه أبى إلا أن يودع معاذ خشية ألا يتأتى له توديعه بعد ذلك.

بل وأكثر من ذلك أنه من شدة رحمته ورقة طبعه وصفاء روحه لم يكتف بتوديع الأحياء من الصحابة، بل ودع أيضا الأموات منهم.

فعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخاف عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. فقال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم)6 .

هكذا كان الوداع الأخير.. وداعا مليئا بالدروس البليغة والوصايا العظيمة للأمة جمعاء، دروسا بالمواقف ووصايا بالكلمات، فكما أوصى بالألفة وترك التنافس على الدنيا، أوصى كذلك وهو في النزع الأخير بالصلاة، وبحسن الظن بالله، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، وأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بما كان يجيزهم به، وأوصى قبل ذلك في حجة الوداع بلزوم الكتاب والسنة والعدل والمساواة بين المسلمين، وأوصى بالنساء خيرا.

أوصى بالأنصار ضاربا أروع الأمثلة في الوفاء ورد الجميل:

عن هشام بن زيد قال سمعت أنس بن مالك يقول: (مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا. فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ـ أي العباس ـ فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي 7 وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)8 .

ثم ما لبث الحبيب صلى الله عليه وسلم أن فارق هذه الدنيا بعد أن خيره الله تعالى بينها وبين ما عند لله فاختار ما عند الله.

فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا وقد دانت له جزيرة العرب كلها، وهابه ملوك العجم، لكنه ما ترك عند موته دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلة بيضاء وسلاحا وأرضا جعلها صدقة، ودرعا مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير.

وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من السنة الحادية عشر للهجرة بعد الزوال وله من العمر ثلاث وستون سنة9، وكان أشد الأيام سوادا وكآبة ومصابا على المسلمين.

يقول أنس رضي الله عنه: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء10 .

إنه رحمة الله المهداة غاب عن هذه الأرض بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأمر بالرحمة...

فهل تقتدي به هذه الأمة وتمتثل لأمره فيرحم بعضها بعضا؟

 

هوامش :

[1]  رواه البخاري في الصحيح

[2]  في الصحيحين عن عائشة رضي اللَّه عنها قَالَتْ: مَا صَلَّى رسولُ اللَّه  صلاةً بعْد أَنْ نزَلَت علَيْهِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] إلاَّ يقول فِيهَا: سُبْحانك ربَّنَا وبِحمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي.

[3]  متفق عليه

[4]  رواه مسلم

[5]  أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والدارمي والحاكم.

[6]  أحرجه الطبراني في الكبير وأصله في البخاري.

[7]  كرشي وعيبتي: أي بطانتي وخاصتي قال القزاز: ضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه ، ويقال : لفلان كرش منثورة أي عيال كثيرة ، والعيبة بفتح المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده ، يريد أنهم موضع سره وأمانته قال ابن دريد : هذا من كلامه - صلى الله عليه وسلم - الموجز الذي لم يسبق إليه. فتج الباري 7/121

[8]  متفق عليه

[9]  البداية والنهاية 4/223

[10]  رواه أجمد والترمذي والحاكم وابن حبان.

علياء زحل