الأربعاء, 28 حزيران/يونيو 2017 09:56 Written by 

خُلق الإنصاف

الحياة عبارة عن ميدان مفتوح للتدافع، بجميع مجالاتها، نتيجة الاختلاف في الدين والفكر والمذهب، أو الصراع السياسي والاجتماعي، وعندما تغييب الموازين ويغلب الهوى العقول والإرادات، تغلب بخس الناس أشياءهم، ونتيجة البحث عن المصالح الشخصية أو الجماعية، بغض النظر عن مدى الأحقية، أو عندما تغشى الأبصارَ الغيم، يحاول الناس أن تميل إلى ذاتها الفردية أو الجمعية، وأن تنكر ما لدى الآخرين من الفكر النير أو الاجتهادات المفيدة، والنتيجة هو الظلم، ظلم الحقيقة في إطار بشر مجسد أو نظرية علمية ثقافية..

من هنا رب العالمين وفقا للمنهج الوسطي الذي ارتضاه للأمة، ضرب أمثلة في القرآن عند الحديث عن الآخرين، الأخرون المخالفون في الدين في وقت كانت الحرب الفكرية والحجاج قائم بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى من أجل تثبيت الأحقية، فعند التقييم لابد من الإنصاف، بمعنى ليس هناك الأبيض و الأسود، من معك محض خير وبياض ناصع، ومن ليس معك محض شرّ وسواد كالح..

عند الحديث عن النصارى، في سورة آل عمران، يقول الله – سبحانه- { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }:75 .

يتحدث الله هنا عن أمانة أهل الكتاب، إذا ودعته مبلغا من المال زهيدا كان أو كثيرا، فلا يعمم، مع أنهم مشركون بالله بالمعيار القرآني، بل يضع الموازين بالقسط، يصف كل مجموعة منهم في مكانها اللائق، ثم لايستعجل بالحديث عن السيئين منهم، بل يقدم الخيرين، يضعهم في الأمام، ويضع السيئين منهم في الأخير، فمنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك، هؤلاء هم أهل الثقة في التعامل حتى ولو كانوا مخالفين في الدين والعقيدة، هم أولى بالحديث وأن يسبق ذكرهم من سواهم، ثم بعدهم يأتي بذكر الخائنين اللذين يخونون الأمانات، من الذين إن تأمنه بدينار لايؤده اليك..أثناء التقييم غاب المعيار الشخصي والذاتي، بل كان المعيار موضوعيا، تقريراً للحقيقة ..يقول محمد رشيد رضا في المنار تعليقا على هذه الآية:( وانظر كيف أنصفهم الكتاب فبين أن منهم الوفي ومنهم الخائن ولا يكون جميع أفراد الأمة خائنين).

بعض المفسرين غاب عنهم هذه الالتفاتة التربوية الربانية، يقولون حتى اللذين يؤدون الأمانات بؤدونها لأنهم ليس لهم من محل أو ملجأ يذهبوا إليه، وليس لهم من مكر سوى إرجاع الأمانات اضطرارا وليس خلقاً..

هذه الصفة الإسلامية الإنسانية، كانت متباة من طرف المسلمين علماء أو العامة، لم يجانبوا الصواب، كانوا منصفين في التعامل، فهو خلق قرآني، لا يتصف به إلا من استلهم المنهج الوسطي في الفهم والتربية ..

أضرب هنا مثالا واحدا من التاريخ الحديث، بالامام عبدالحميد بن باديس، مؤسس جمعية علماء المسلمين في الجزائر، فمع وقوع الجزائر تحت سلطة الاحتلال الفرنسي، وان بن باديس كان من رواد الحركة الاصلاحية الدينية والتحررية الجزائرية، إلا أنه وأثناء الحديث لم يتشدد في إصدار الأحكام ولم ينكر ما للفرنسيين من علم و حضارة ونظام عام بارع، فعندما يتحدث عن عالم الصحافة، وعن حرية الصحافة حيث أنه كان صحفياً أصدر اربع صحف ومجلة واحدة، في هذا المجال لا يستحضر ظلم المحتل على بلده، بل يصف الحال كما هو أن للفرنسيين صحفا كبيرة فيها (أننا مع المعجبين بالصحافة الفرنسية الكبرى، وما لها من بديع نظام، و مهرة أقلام، و جرأة وإقدام)، و لم ينكر ما للفرنسيين من حضارة وكثيرا ما استدل بعلمائهم في معرض محاججة السلطات الفرنسية المحتلة ..

ومع أن الجزائر كانت تصارع فرنسا لنيل الحرية والاستقلال، كان يعترف بأن الثورة الفرنسية ( بداية مشعل الحرية في اوروبا)، مطالبا بأنه جدير ان يحتفل شعوب العالم كله بيوم انتصار الثورة الفرنسية وكسر أسوار سجن باتسيل – قبر الاحرار – وسط باريس في 14 يوليو 1789، بن باديس يعترف بأن الثورة الفرنسية جاءت بقيم إنسانية جديدة تشكل منطلقا لجميع الشعوب الباحثة عن الحرية.. مؤكدا في موضع آخر بأن الانسان السجين مادام يملك الشرف فهو يفرح بحرية الآخرين الذين هم خارج السجن حتى ولو هو يقضي حياته سجينا..