الإثنين, 26 آذار/مارس 2018 13:07

خطر استبعاد الإسلاميين

الحملة ضد ما يسمى الإسلام السياسي ما زالت قوية، وهي -كما أرى- تستهدف الإسلام أكثر مما تستهدف أشخاصا يحتكرون الفكرة الإسلامية، وأعمالا خارجة في الغالب عن التعاليم الإسلامية. بل إن مصطلح الإسلام السياسي -بحد ذاته- سخيف، وهو محاولة لإنكار حق المسلمين في التنظيم، والسعي لإقامة العدل بين الناس وفق التعاليم الإسلامية.

ولا توجد أيديولوجيا أو فلسفة أو نظرية سياسية لا تحاول أن تثبت نفسها عبر إدارة شؤون الناس وفق ما تراه مناسبا، وهناك أديان أيضا تُمَأْسِسُ نفسها دينيا بطريقة تنتهي إلى السيطرة على القرار السياسي، وإدارة الحياة العامة للناس بمنظومة قيمية معينة.

ويبدو أن فكرة الإسلام السياسي تأتي محاولة لتتفيه رغبة جماهير غفيرة من المسلمين في رؤية نظام سياسي يقوم على المبادئ الإسلامية. ولذا فإن فكرة استبعاد الإسلاميين ومعاداتهم خطيرة جدا، وتنطوي على انشطارات وانقسامات مجتمعية، ستؤدي حتما إلى الفتن والصراعات الداخلية التي تلحق الضرر بكل الناس.

المسلمون ليسوا نفرا قليلا أو حزبا سياسيا صغيرا يتطاول على حساب الآخرين، المسلمون يعدّون بمئات الملايين وأكثر، وأغلبهم يمتلكون بنية ثقافية معينة تقوم على أن الفكرة الإسلامية فكرة إلهية مقدسة، وتطبيقها يؤدي إلى طمأنة الجميع مسلمين وغير مسلمين، وإقامة الأمن والسلم الأهلييْن بين جميع الناس.

وإذا كان لنا أن نتحدث عن الديمقراطية فلا يجوز لنا بتاتا أن نتحدث عن إقصاء جماعات لحساب جماعات أخرى. وإذا كان بعضنا يقول إن المسلمين إقصائيون، فإن إقصاءهم أيضا عمل من أعمال الإقصاء والعنصرية والتمييز وتغييب القيم الديمقراطية. وكل من يدخل في التناقض الفكري فإنه يضع نفسه في حالة من الضحالة الفكرية غير المقنعة.

خاض الإسلاميون انتخابات في مناطق عدة من الوطن العربي وحققوا إنجازات كبيرة؛ فقد فازوا في الانتخابات المحلية بالجزائر وانقلب عليهم العسكر، وفازوا في فلسطين وانقلب عليهم كل أهالي الديمقراطية شرقا وغربا وشلوا قدرتهم على تنفيذ برنامجهم. وفازوا في انتخابات مصر فانقلب عليهم العسكر وأخرجوهم من الحكم، وحكموا على الآلاف منهم بالسجن طويل المدى وبالإعدام.

فوز الإسلاميين -وخاصة الإخوان المسلمين- يعني أنهم يتمتعون بشعبية واسعة وقاعدة جماهيرية عريضة. ربما يقول أحدهم إن الإخوان ومن سواهم من التيارات الإسلامية تستغل العاطفة الدينية فتستميل الناس إلى جانبها، وتستغل سوء أداء السلطات الحاكمة. وأنا أتساءل عن معنى العاطفة الدينية، وعن السبب الذي منع السلطات الحاكمة بالبلدان العربية من إقامة العدل بين الناس.

ولكوني صاحب أبحاث وكتب عديدة في الفكر الإسلامي؛ أدرك تماما أن هناك مشاكل فكرية متعددة في الطرح الإسلامي، وخاصة في الطرح الفقهي. وقد أدت هذه المشاكل ليس فقط إلى التطرف بل وإلى الخروج عن التعاليم الإسلامية، وعن نصوص القرآن الكريم، هذا علما بأن الغالبية الساحقة من الذين يتبنون الإسلام كفكرة سياسية لا يعرفون الفكر الإسلامي، وأغلب معارفهم محصورة في الفقه الإسلامي.

لقد استقى أغلب المسلمين علمهم بالإسلام من الفقهاء وليس من المفكرين، والفقهاء حولوا الإسلام إلى دين عسر بسبب كثرة فتاويهم، ومراكمة كمّ هائل من الأحكام الفقهية التي ليست بالضرورة شرعية. الإسلام دين يسر، لكنهم عسروه وعقدوه وأبعدوا العديد من الناس عنه. ويأتي على رأس هذه المشاكل الفكرية الأمور التالية:

1 - احتكار الحقيقة باعتبارهم أن المتدين هو الذي يمسك رقبة الحقيقة ومن عداه من الناس على باطل، وبما أن الحق يجب أن يسود على الباطل فإن حق الغير في التعبير والمشاركة في الحياة العامة منتقَص بصورة خطيرة.

الحقيقة بالنسبة لهم إيمانية وليست استقرائية وفي هذا شطط علمي وفكري. لا يمكن للحقيقة الإيمانية التي هي غيبية أن تحل محل الحقيقة العلمية التي هي استقرائية ويمكن التحقق منها، والمزج بين هذا وذلك يؤدي إلى فوضى مجتمعية وأخلاقية.

2 - من الإسلاميين من يعتدي على الذات الإلهية بتصنيفه الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وإلى أصحاب الجنة وأصحاب النار. الله فقط هو صاحب القرار بهذا الشأن، ولم يفوض أحدا ليكون وكيله في الدنيا والآخرة، وهذا يشبه سلوك أصحاب صكوك الغفران التي كانت سببا قويا في الثورة على الكنيسة. إن هؤلاء يدفعون الأمة دفعا للاقتتال، ويشكلون خطرا على الإسلام الذي يدافعون عنه.

3 - يخلط إسلاميون بين الحكم الفقهي الذي هو مسألة اجتهادية والحكم الشرعي المستند إلى نصوص قرآنية. العديد منهم يهجرون القرآن لصالح مصادر أخرى غير مؤكدة الأصل والتوثيق، ويرون في أعمال وأقوال السلف ما يعزز قناعاتهم. وهذا الخلط أدى إلى فوضى فقهية والتباس في الأحكام الإسلامية.

4 - السلفية لا يمكن أن تتمكن في الأرض لأن الماضي لا يستطيع أن يتحدى الحاضر والمستقبل، إن الماضي انتهى ولا يمكن استرجاعه، وتبني السلفية له يعبر عن غياب فكري وخواء علمي. والجهل بمقومات البناء الإنساني لا يمكن أن يقيم نظاما إسلاميا ناجحا، وربما هذا ما يفسر عدم قدرة الإسلاميين على إدارة شؤون الناس وفشلهم السياسي بعد فوزهم بالانتخابات.

5 - لم يطمئن الإسلاميون خصومهم بأن فوزهم في الانتخابات الديمقراطية لن يؤدي إلى الاستبداد بالسلطة.

ولكي تستقيم الأمور؛ أطرح الأسس التالية للنقاش عساها تجدي في تصحيح الأوضاع العربية:

1 - الإسلام دين أخلاق وعلم وعمل. إنه يشرّع للفضيلة كأساس للمعاملات، وللمنهج العلمي الاستقرائي كأساس للتقدم، وللعمل كأساس للإنجاز.

2 - الكهنوت ليس من الإسلام، وعامل ينفع الناس أفضل بكثير من معتكف يستعطي غيره.

3 - التطبيق العملي هو المؤشر الحقيقي على صدق الإيمان سواء الديني أو القناعة بوحدة الأمة.

4 - يركز الفكر الإسلامي على قضايا الحرية والبناء الأخلاقي والالتزام، والتقدم العلمي والصالح العام والحس بالمسؤولية، والنهوض بالإنسان ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا، بهدف بناء الشخصية المميزة والقادرة على البناء والعطاء.

5 - الفكر الإسلامي يقيم دولة العدل بين الناس، وهي ليست دولة دينية إذ لا يوجد في الإسلام مصطلح اسمه التدين. هناك إيمان فقط ويعني التمسك بمبادئ وقناعات مشفوعة بالعمل.

6 - عدم التحيز ضد غير المسلمين، والتأكيد على أن المسيحيين خاصة جزء لا يتجزأ من الوطن والشعب. هم للمسلمين والمسلمين لهم دون تشنج أو حتى تفكير في التمييز. نمطهم الديني خاص بهم، وهم شركاء في النمط الثقافي العام.

7 - رفض العصبية بكافة أشكالها الدينية والقومية والعرقية والمذهبية.

8 - يحيا الإسلام بالعدل والأسوة الحسنة وليس بالقمع وقهر الآخرين. العدل هو مركز الدعوة الإسلامية ومحورها، وإذا غاب العدل غابت الرسالة الإسلامية.

9 - الحرية مكفولة بالخلق وليس بالاجتماع. خلق الله الإنسان بقدرة تمييزية وله الحرية فيما يختار، والاعتداء على حرية الآخرين لا يشكل فقط مخالفة شرعية بل واعتداء على خلق الله.

الفكر الإسلامي فكر متحرك يعبر عن قدرة الأمة الإسلامية على التعامل المرن مع مختلف الظروف عبر الزمان والمكان، وعن واجبها في التطوير والابتكار والتجديد. إنه نقيض الفكر الجامد الذي يُبقي صاحبه في دائرة التخلف والابتذال والضعف.

لم يكن للأمة أن تتجرع الذل والهوان لو لم تتخلّ عن الفكر وتجدده لصالح الجمود الفقهي الذي أدخلها في تفاصيل كهنوتية تضر ولا تنفع. الفكر المتحرك يفتح المجال واسعا أمام الرأي والاجتهاد، بعكس الجامد الذي يصر على البقاء في الماضي، وعلى تفاصيل حياتية يومية تثقل وتعسّر.

الفكر الإسلامي ليس منغلقا دون الثقافات والأفكار والفلسفات الأخرى. ولا حدود للمعرفة والعلم من الناحية الإسلامية، ومن واجب المسلم أن يطلع على ما يطرحه الآخرون، ومن حقه أن يستفيد من تجارب الأمم الأخرى وأفكارها ووسائلها وأساليبها في معالجة مختلف القضايا. التقليد الأعمى والانغلاق غير مقبوليْن إسلاميا.

الفكر الإسلامي ليس مقيَّدا بعادات وتقاليد ولا يجوز تطويعه لها. وهو ليس فكرا تكفيريا يحمل سوطا لصد الآراء ومنع أصحابها من التعبير عنها ومن تقديم الأدلة والبراهين، ولا بالفكر الذي ينشغل بتوسيع دوائر التحريم ليشلّ قدرة المرء على الانطلاق والتجديد.

هناك مشكلة كبيرة لدى غير الإسلاميين وهي أنهم لا يعرفون الإسلام. نسبة عالية منهم لم تقرأ القرآن، وهم لا يتابعون حركة الفقه أو الفكر الإسلامييْن. هم يحكمون على الإسلام من خلال بعض الفقهاء وفتاويهم البلهاء، ومن خلال تصرفات أشخاص يعتبرون أنفسهم مدافعين عن الإسلام. لدى هؤلاء معرفة محدودة بالتراث الفكري والسياسي الغربي، لكن معارفهم بالحضارة العربية الإسلامية أكثر محدودية.

هناك فقهاء منافقون وكاذبون، يمدحون السلطان الظالم ويتمسحون ببلاطه، وهناك أئمة لا يشكلون قدوة والناس يتعوذون منهم ومن تصرفاتهم القبيحة... إلخ. أغلب الإسلاميين يتصرفون وفق مستوانا الحضاري الموصوف بالتخلف وضعف الالتزام الأخلاقي، والانتهازية والتآمر. الإسلام لديهم لم يهزم القيم البالية غير الإسلامية، ومنهم من طور فقها يبرر الهروب من التطبيق الفعلي للمبادئ الإسلامية.

وربما ينسى غير الإسلاميين بطولات الإسلاميين في المعارك ضد الأعداء. الإسلاميون يواجهون الأعداء بعقيدة قتالية صلبة، ولا يغادرون مواقعهم القتالية إلا لسبب قتالي أكثر جدوى. وهم لا يتلقون الرصاص بظهورهم وإنما بصدورهم ورؤوسهم، والحروب التي خاضوها بجنوب لبنان وقطاع غزة تشكل أكبر دليل على ذلك.