الأحد, 30 كانون1/ديسمبر 2018 13:48

ثلاثية الفهم والحركة: الوحي والكون والإنسان

التراث الإسلامي مليء أو قائم في الغالبية الساحقة بالقراءة الشرعية للحياة، و ما ينبغي على الإنسان فهمه و فعله، قليل هم المفكرون و العلماء اللذين تجاوزوا القراءة الشرعية إلى قراءات أخرى، والقراءات الأخرى ليست إلا القراءة الكونية التي تساعد الإنسان على فهم قوانين الكون، أو إرادة الله الكونية القائمة على الخلق و النشأة ما يسمى – بإرادة الله الكونية ، بناء على قوله تعالى ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) حيث يتحدث عن قراءتين ( قراءة في إرادة الله الشرعية – و قراءة الله الكونية).

إرادة الله الشرعية، هي الوحي، أو ما يسميه المفكرون الآخرون ( كتاب الله المقرؤ) أي القرآن الكريم، والقراءة في إرادة الله الكونية، وهي عند المفكرين العاصرين كسيد قطب ( كتاب الله المنظور) والمقصود به الكون، لكن العالم الآخر، الذي بحاجة أيضا إلى الفهم والإدراك، و قراءته قراءة علمية مبصرة حديثة، هي القراءة في الإنسان ( قراءة في إرادة الله الإنسية) بمعنى – كتاب الله المكنون – .

فما اقصده هنا بثلاثية الفهم والحركة هي :-

1 - القراءة في إرادة الله الشرعية

2 - القراءة في إرادة الله الكونية

3 - القراءة في إرادة الله الإنسية، وهي بعد غائب إلى حد كبير في الثقافة العامة والخاصة نوعا ما، إضافة نوعية في فهم الإنسان وهندسة عقله و نفسه، وكيفية استجابته، فهو كائن عاقل حرّ أخلاقي، فيه ما ليس موجودا في المخلوقات الأخرى، وعن طريقة تعامل الإنسان مع القرآن ومع الكون هي التي أما تنتج حضارة راشدة تحقيقا لمنهج الله في الأرض، أو تدميرا وشروراً و تخلفاً وانحطاطا، ومن هنا يأتي الحديث عن السنن الاجتماعية، وليست السنن الكونية فقط، وقد أحدث البعض خلطا في السنتين، الكونية والإنسانية- الاجتماعية، لكن لكل من هذين الكونين، قوانين خاصة، من حيث النوع لا تتطابق، لكن من حيث المنهج ثابت.

بمعنى أن القيام بمنهج الاستخلاف، يتطلب الفهم الديني الشرعي، واستنباط المعاني الدينية الفقهية الأصولية من الوحي بالشكل الذي أنزله الله تعالى وبينه الرسول – صلى الله عليه و سلم -، والفهم الكوني، قراءة ما في الكون من قوانين تحكمها من الذرة إلى المجرة، من حيث طريقة العمل، وطريقة استفادة الإنسان منها، فالخطأ في فهم الكون وقوانينه، أما تنتج تخلفاُ عقليا و مجتمعيا وحضارياً، أو تنتج آلات التدمير للكون نفسه، ومن خلال المعرفة الكونية يصل العلم إلى تجليات قدرة الله تعالى، ويعلم بأن لا تناقض بين كتابين من كتب الله – المقروء – القرآن، والمنظور – الكون.

والقراءة الإنسية، هي البعد الثالث في الحصول على المعرفة والتي تتكامل مع القراءتين الأخيرتين، من حيث الوصول إلى علم بناء الإنسان، والتدافع الطبيعي المجتمعي ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت السموات والأرض)، فبالوصول إلى معرفة الإنسان، وفهم الوحي، ومن ثم الحركة في الكون من أجل البناء والتعمير وليس الهدم والتدمير، تتكامل القراءات، في ثلاثية تتكامل في جزئياتها، تتناغم وتنسجم وتعمل على خط واضح تصاعدي، وليس تعاملا تصادمياً كما يفعل الفكر الغربي.

النقص في القراءات - الكونية والإنسية - عند المسلمين في العصور الوسطى والأخيرة سببت تخلفا لا تخطؤه العين الباصرة، والنقص في قراءة الوحي – كتاب الله المقروء- لدى الغربيين، أنتج فكراً أو علما صناعياً تائهاً، بلا غايات، تتحرك الصناعة الغربية الحديثة كالأعمى، كما قال روجيه غارودي ( نحن في عصرنا لا ينقصنا التكنولوجيا، مع أهميته وما قدمه للعصر، بل نحن نكاد نموت من كثرة الوسائل التكنولوجية، نحن نعاني من غياب الغايات)، وهو ما تقدمه القراءة في إرادة الله الشرعية.

  هذه ثلاثية الفهم والحركة، الوحي والكون والإنسان، في دائرة واحدة متكاملة، من أجل بناء حضارة إنسانية راشدة.

--------------------

قراءة الله الإنسية أشار إليه الأستاذ محمد طلابي في مجلة الفرقان -2015

شيروان الشميراني