الإثنين, 16 كانون2/يناير 2017 11:29

تهويد التعليم في مدينة القدس المحتلة

اعتبر ديننا الحنيف طلب العلم فريضة ، فألزمهم اتباعه به بأساليب وبنصوص شرعية كثيرة ، قال تعالى { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } التوبة 122، وقال صلى الله عليه وسلم { طلب العلم فريضة على كل مسلم } رواه ابن ماجه وصححه الألباني

ولأهمية التعلّم وطلب العلم في حياة الإنسان من حيث كونه سبباً في رقي حياته ومجتمعه ، ومبعثاً للأمل بالمستقبل في نفسه ؛ فيُنْظَرُ إلى التعليم كحق من حقوق الإنسان التي يجب على المجتمع والسلطة الحاكمة كفالتها للجميع، بل هو في الوقت ذاته وسيلة هذا الإنسان للمطالبة بحقوقه الأخرى وإعمالها والتمتع بها .

ولذلك فقد نصت كثير من الصكوك الدولية على هذا الحق ووجوب كفالته، منها على سبيل المثال :

اتفاقية حقوق الطفل، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية القضاء على التمييز العنصري، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ويحظى الحق في التعليم في حالات النزاعات المسلحة وبشكل خاص في حالة الاحتلال بحماية إضافية في إطار القانون الدولي الإنساني بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب وبموجب البروتوكول الإضافي الأول الملحق بها ، واعتبر نظام روما الأساسي في المادة رقم 8 منه " الاستهداف المتعمد للمباني المخصصة للأغراض التعليمية بمثابة جريمة حرب "، وتنص الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين لعام 1951 على حماية حق اللاجئين في التعليم الابتدائي (الأساسي) .

ومن هنا ظهرت أهمية توفير تعليم مستمر في أوضاع النزاعات المسلحة، واكتسبت تأييداً دولياً واسعاً بحيث أصبحت قضية رئيسية وليست من الكماليات أو الحقوق غير الأساسية، بل هو احتياج ضروري يفتقر إلى الإغاثة في حالات الطوارئ ومنها الاحتلال مثله في ذلك مثل الحاجة إلى المأوى والغذاء والرعاية الصحية، وهو حق تجب كفالته في جميع الظروف وحمايته في جميع الأوضاع لأنه حق غير قابل للتصرف وبالأخص للأطفال ؛ حيث إنهم الفئة الأضعف والأكثر تعرضاً للتهميش والإهمال في حقوقهم، ولأنهم أمل الغد والمستقبل المشرق لوطنهم ومجتمعهم .

ولهذا فإن هيئات الأمم المتحدة التي تضطلع بدور داعم في تفعيل هذا الحق كالجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، هذا بالإضافة إلى مؤسساتها ووكالاتها كمنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية شؤون اللاجئين ، وكمحكمة العدل الدولية التي أكدت (ضمن فتواها المتعلقة بجدار الفصل العنصري) أن دولة الاحتلال ملزمة بالامتثال لالتزاماتها القانونية بموجب المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان فيما يخص إعمال الحق في التعليم في الأراضي المحتلة .

إذن فالدولة المحتلة وفق هذه المواثيق التي أجمع عليها المجتمع الدولي تتحمل كامل المسؤولية عن مرفق التعليم لأفراد الشعب الخاضع للاحتلال، وفي الوقت ذاته تتحمل المسؤولية الكاملة عن عدم فرض الأنظمة التعليمية التي ترتأيها هي، بل التي يرتأيها الشعب ذاته كجزء من حقه في تقرير المصير المكفول بموجب تلك المواثيق ؛ بما يحافظ على هويته الفكرية والثقافية، وبما يوافق التطور والتقدم العالمي .

ولْنُلْقِ نظرة على مدى التزام سلطات الاحتلال الإسرائيلية بهذه المسؤوليات تجاه حق التعليم للشعب العربي الفلسطيني الخاضع للاحتلال وبالأخص في مدينة القدس المحتلة، إنها تتنصل من تلك المسؤوليات ولا تفي بها، ويشمل ذلك محاور التعليم الثلاثة : المعلم والطالب والمنهاج :

* فهي تضع العقبات الكأداء أمام وصول الطلاب إلى مدارسهم : فنسبة عالية منهم يضطرون إلى المرور عبر الحواجز مما يعيقهم عن الوصول إلى مدارسهم، وتعمل على حرمانهم الدراسة في أبنية ملائمة بتجميد بناء المدارس والغرف الصفية، وبعرقلة الحصول على الترخيص، مما أدى إلى اكتظاظهم في الغرف الصفية، وإلى قلة المرافق التربوية كالساحات والمختبرات وغيرها، وبفرض قوانين وأنظمة صارمة كالغرامات العالية وأوامر الهدم أو الإغلاق في حال إحداث أي منشأة في الأبنية المدرسية دون ترخيص مهما كان ذلك ضرورياً، هذا في المدارس العربية كمدارس الأوقاف وغيرها، أما المدارس الخاضعة للمعارف ولما يسمى ببلدية القدس فحال معظم طلبتها مأساوي بسبب سوء الخدمات المقدمة لهم مقارنة بالطلبة اليهود ـ هذا على الرغم من أن المقدسيين يدفعون الضرائب المفروضة عليهم ـ مما دفع كثيراً من الأهالي المقتدرين مالياً إلى إلحاق أولادهم بالمدارس الخاصة ، فيتحملون بذلك أقساطاً باهظة، وهذا كله ينعكس على نتائج العملية التعليمية لدى الطلاب المقدسيين .

* والمعلم المقدسي هو الآخر يعاني قلة الراتب ـ مقارنة بالمعلم اليهودي الذي يصل راتبه إلى ثلاثة أضعاف المعلم المقدسي ـ ويعاني في الوقت ذاته غلاء المعيشة في مدينة القدس المحتلة، مما يضطره إلى البحث عن عمل إضافي، فيسبب له عناء جديداً يتمثل في التعب والإرهاق فينعكس عليه بضعف الأداء التربوي في المدرسة، بل قد يترك العمل في هذه المدارس ويبحث عن مكان آخر أو عمل آخر مما يؤدي إلى نقص الكوادر والتخصصات التعليمية، وهذا ينعكس بدوره أيضاً على نتائج العملية التعليمية لدى الطلبة المقدسيين .

* وأخطر ما تمارسه سلطات الاحتلال هو ما يتعلق بالمنهاج الدراسي، فقد عمدت سلطات الاحتلال في إطار سعيها لتهويد مدينة القدس منذ احتلالها في 5/6/1967 وحتى يومنا هذا إلى الاهتمام ـ السلبي ـ الكبير بقطاع التعليم باعتباره حلقة من حلقات مخططات تهويد القدس المحتلة، واتخذت عدة إجراءات بحق قطاع التعليم ومؤسساته والقائمين عليه لتحقيق أهدافها لفرض واقع جديد على المدينة المحتلة على أساس أنها أصبحت جزءاً من دولتها المزعومة بعد أن ضمتها بقانون خاص، وأعلنتها عاصمتها الموحدة، فوضعت يدها على جميع المدارس الحكومية ومديريات التعليم وألغت قانون التربية والتعليم الأردني رقم (16) لعام 1964 واستبدلتها بتشريعاتها الاحتلالية الباطلة .

لكن المقدسيين قاوموا قرار الضم ، وسحبوا أبناءهم من المدارس العامة، وتوجه معظمهم إلى المدارس التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية والمدارس الخاصة ومدارس وكالة غوث اللاجئين، وقاومه التربويون فأبقوا على تعليم المنهاج الأردني حفاظاً على عروبة التعليم في القدس وهوية أبنائها، مما أجبر السلطات الإسرائيلية على إعادة تدريس المنهاج الأردني ؛ نتيجة فشل سياستها بالسيطرة على قطاع التعليم وتهويده أمام إصرار ومقاومة المقدسيين، ومقاطعتهم مدارسها الرسمية .

وبعد اتفاقية أوسلو قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلية فرض برامجها التعليمية على المدارس العربية في القدس المحتلة التي تشبه المنهاج المطبق في المدارس العربية في الأراضي المحتلة عام 48، لكن المقدسيين قاوما القرار ورفضوه ولم يعترفوا به ولا بالقوانين والإجراءات الاحتلالية الهادفة إلى تهويد التعليم في القدس المحتلة ، فتراجع الاحتلال .

وفي عام 2000 تم إدخال المناهج الفلسطينية للطلبة المقدسيين، ولكن سلطات الاحتلال أخضعتها لمقص الرقابة فحذفت منها كل ما لا يتناسب مع الفكر الصهيوني الذي تعج به المناهج الإسرائيلية، وبتاريخ 7/3/2011م عممت على المدارس العربية في القدس قراراً بالتقيد بشراء الكتب المطبوعة من قبل بلدية الاحتلال، وهذه خطوة ممهدة لإلغاء المنهاج الفلسطيني وفرض منهاج الاحتلال ، وبتاريخ 7/3/2011م ألزمت المدارس العربية بتعليق وثيقة الاستقلال الاحتلالية على جدرانها، وما تزال سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى اليوم تحاول تهويد التعليم في القدس المحتلة .

ولعل من أسوأ نتائج هذه الهجمة الشرسة على التعليم في مدينة القدس ارتفاع نسبة تسرب الطلاب من المدارس، وارتفاع نسبة العنف بين الطلبة، وارتفاع نسبة الانحراف بينهم بما في ذلك تعاطي الكحول والمخدرات، بينما تحارب سلطات الاحتلال هاتين الظاهرتين على وجه الخصوص في مدارسها .