Thursday, 22 June 2017 14:06

ترشيد المال وإنفاقه

كتبه

الحمد للهِ الغني الحميد يرزق من يشاء، أمر بالتوسط في الإنفاق، وحرم الإسراف في المال، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَعَلَى من استن بسنته إِلَى يَومِ الدِّينِ.

يأمر الله تعالى الإنسان بالسير في الأرض لطلب الرزق، فيجتهد بما أوتي من قوة ليَقِي نفسه ويُجنب من يعول ذُل المسألة، كما يأمره الحق سبحانه أن يكسب رزقه من حلال، يقول الله تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ، فقال: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ" .

من الناس من يكون الفقر له كفرا ومنهم من يكون له الغنى كفرا، ومن الناس من يكون على حال الفاقة والفقر، فتراه خاشعا باكيا في الطاعة والعبادة، يكثر من الحمد والثناء على الله تعالى بما هو أهله، فيبسط الله تعالى له ويفتح عليه من خزائن رزقه، فتستحوذ الدنيا على قلبه وتتمكن من مشاعره ووجدانه، فيصبح همه الدنيا، لا يفكر إلا لها ومن أجلها، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.

يعتبر المال من كليات الدين ومن ضروريات الحياة، وقد استخلف الله الإنسان على المال، وأنه موكل في التصرف فيه بما أمر الله تعالى، ويجب عليه مهما كانت مهمته أو وظيفته أن يكون على علم بتنظيم شؤون حاله بتدبيره والحفاظ عليه، ولا يجوز له تبذيره أو إتلافه بدعوى امتلاكه. فالشرع يمنع من دفع المال إلى من لا يعرف التصرف فيه ويعتبره سفيها، يقول الله تعالى: "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا" ، كما حرَّم الله تعالى الاعتداء على المال بأي شكل من الأشكال فقال سبحانه: "وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" .

لقد جُبِل الإنسان على حب المال، ويأمرنا الحق سبحانه بإنفاقه بما أمر وترشيد إنفاقه، ويحذرنا من فتنته حتى لا نقع في شراكه، ولا يكون له سلطانا على قلوبنا أو أن نستعمله عصى الظلم والطغيان. فكيف يجب التصرف في المال قليله أو كثيره؟ كلنا نملك المال، وقد نتصرف فيه بهوى النفس وعقلية اللذة والاستمتاع والتملك الجنوني، باعتبار أنه ملكا لنا، وأننا حصلناه بجهودنا وقوتنا وعلمنا، ولو أراد الله لسلبنا إياه. وقد حكى القرآن الكريم عن قارون حين أتاه لقومه ووعظوه عن عدم الإفساد بماله في الأرض، فاستعلى واستغنى فقال: "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي" ، وحكى عن نبي الله سلميان عليه السلام الذي آتاه الله ملكا عظيما، فشكر النعمة.

يقول الله تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا"، هذه الآية الكريمة تضع منهجا قويما ورؤية حكيمة ليدبر الإنسان معيشته وفق ما يملك من المال دون إسراف أو تقتير، والسرف مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار التقصير عن الذي لابد منه. و"المسلم؛ مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة؛ ليس حرا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء، كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان، إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير، فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع; والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية، والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق" .فالقرآن الكريم يهذب النفس في تعاملها مع المال ويضع منهجا معتدلا في سياسته وتدبيره وترشيده لتُحفظَ عليها مقدراتُها وتحفظ أبناءَها من سوء المعيشة. وليحذر الذي يسرفه أو يضيعه، لأن اللهَ تعالى سائِلُهُ عنه يوم القيامة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة" . لذلك وجب ترشيد المال وإنفاقه دون الإسراف فيه وضياعه.

الكل يسعى لطلب المال والاستزادة منه ليحقق أنواع الزينة من الدنيا، لكن يجب أن يكسبه من حلال وأن ينفقه في حلال، وأن يعلم منبعه ومصبه، يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً" . ويأمر تعالى بالاعتدال في النفقة، فيقول سبحانه:" وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً" ، ولا يتجاوز الإنسان الحد المأمور به شرعا في الأكل أو الملبس أو الزينة وكل ما يتعلق بالأمور الدنيوية، يقول الله تعالى: "وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً" . ويقول ابن عباس رضي الله عنه: "من أنفق درهماً في غير حقه فهو سرف". وإذا أعاد الإنسان النظر في تصرفه في المال سيجد أنه ينفق كثيره في غير ضرورة وفي كثير منه في غير منفعة. وبالمال يستطيع الإنسان أن يقوى في الدين والدنيا، بالمال تشيد المساجد والديار والمنشآت والمعامل والجامعات والمستشفيات، وبالمال تقضى جوائح الناس.. وتبنى الدولة.

المال قوة إذا وُضِع في أيادي أمينة، وبالمال استطاعت الدول الكبرى والشركات العظمى أن تحكم العالم، وبدونه تؤول الأوضاع إلى بوار وخسران ومجاعة وظلم وفساد وضعف وهزيمة وفقر واستبداد وإزهاق للنفوس، وكثرة الأمراض والأوجاع.

لا شك أن تحصيل المال والرزق من أوجب الواجبات، وأنه لا يجوز للإنسان المسلم أن يعيش كلاًّ على غيره، فيعجز عن تحقيق ما يُسند إليه من أمور، فلا يحقق منفعة ولا ينظر منه خيرا. والله يحب اليد العليا التي تسعى في طلب الرزق، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر ومن غلبة الدين وقهر الرجال، وكان يأمر أصحابه بالعمل، وقد عاش كثير الصحابة في ثراء وغنى وافر، لكنهم كانوا يجعلونه فيما يأمر الله تعالى.

لا شك أن إتلاف المال وصرفه في غير وجهه كثيرة جدا، وعامل من عوامل الأزمة التي يعيشها الفرد والمجتمع، كم من أموال صُرفت وتصرف بغير حق أو تستعمل بطريق عشوائي من طرف من يسهر على التصرف فيها، لأنها هدرها يلحق مفاسد جمة، وثغورا في اقتصاد الدولة. والفرد مطالب من جهته أن يساهم في تحقيق مصلة البلاد بالحفاظ على ممتلكات الدولة وعدم استخدامها لمصلحته الشخصية.

إن تبذير المال منطق السفهاء ولا يجوز إضاعة قليله أو كثيره، فالصغير والكبير والرجل والمرأة، والفقير والغني، والسيد والعبد، والعامل والموظف، يجب محاسبتهم على نتيجة تصرفهم فيه، "حتى يُسأل الرجلُ عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"، والمال الذي يأخذه الإنسان من طريق حرام فهو هالك، وكذلك الذي يكسبه من حلال وينفقه في حرام فهو هالك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع مال امرئٍ مسلمٍ بغير حق لقي اللهَ عز وجل وهو عليه غضبان" .

قد يُتلِف الصغير مالا في شراء أشياء تضره ولا تنفعه، وقد تتلف المرأةُ أموالا وتضعُها في غير محلها من تنوع في الزينة والملابس وقد تشتري أشياء لا تحتاجها البتة تبعًا للموضة أو التعالي، وقد تمُرُّ عليها السنين ولا تعلمُها أو تنساها، والرجل هو الآخر يبذر المال بدءًا من تعاطيه السيجارة أو المخدرات أو لعب الورق أو التباهي بماله من باب الثناء عليه أو المدح، وكم من الدور والفرش والأواني الفاخرة التي لا ينتفع بها، إذا جمعها من ماله الخالص، أما إذا أردنا أن نرفع اللثام على حفلات الزفاف وغيرها من الملاهي التي تصرف فيها الأموال الطائلة، فهي دعوى جاهلية في جاهلية. وقد قرر الفقهاء "أن الصبي والمجنون والنائم والناسي لو أتلفوا مالاً لزم الضمان" و"لم يجعل الخطأُ عذراً في سقوط حقوق العباد، حتى لو أتْلَفَ مالَ إنسان خطأً بأن رمى إلى شاةٍ أو بقرةٍ على ظن أنها صيد، وأكل مالَ إنسان على ظن أنه ملكُه يجب الضمان" . فما بالُنا بمن يضيعُه عمدا ويصرفه بوجه حرام.

إن ترشيد المال واجب شرعا، ويجب إنفاقه بموجب صحيح، والنظر إليه أنه نعمة من الله تعالى، وأن المال أمانةٌ استخلف اللهُ الإنسان عليه، وأن إنفاقه في غير محلِّه يجلب الذمَّ في الدنيا وفي الآخرة.

كم نسبة فضلات الطعام اليومي، وعدد المقتنيات من البضائع الضارة والفاسدة التي نشتريها بجنون التباهي والرياء والسمعة والتفاخر ويضيع معها المال، ولا نلتفت لفقير محتاج، أو طالب علم معوز يتكلف أسعار الكتب أو مريض يتألم، أو مظلوم مكلوم أو من له ضائقة صغيرة أو كبيرة ربما يتحرج من أن يَمُدَّ يده للناس. ولو أمعنا النظر فيما قاله الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله لما رأى بيده لحما بيده، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت اشتهيت لحما فاشتريته. فقال عمر: أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر! ما تخاف الآية أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا"

هذا الخبر يحتاج منا إلى وقفة مع النفس وبخاصة أولئك الذين غلب عليهم الاهتمام بأنواع المآكل والمشارب حتى كادت أن تكون همهم الأكبر وإن أنكروا ذلك بألسنتهم فحالهم شاهد بذلك فالسمنة سيماهم والاغراق في الشراء ديدنهم حتى إنهم يشترون ما يشتهون ومالا يشتهون !! فأين حالهم من حال جابر وماذا عسى عمر بن الخطاب قائلا لو رآهم !!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إيّاكم والسرف في المال والنفقة، وعليكم بالاقتصاد، فما افتقر قوم قط اقتصدوا" . فالمال قد نجعله طريقا للعبادة والجنة أو أداة للهلاك والنار. ومن الواجب أن نفكر في طرق كسبه وحسن استغلاله، وأن نحسن التصرف بمنهجية التوسط والاعتدال وأن نستشرف الواقع ونخطط للمستقبل، وللنفس حق في الاستمتاع بملذات الدنيا، وللزوجة والأولاد حق الرعاية بما يوفر لهم ضروريات الحياة والمباحات والتحسينيات و"إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا استَرعَاهُ؛ حَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ" والعَاقِلُ من حاسب نفسه وجنَّبَها خَصلَتَيِ التَّبْذِيرِ وَالتَّقْتِيرِ، وكل ما تريده أو تشتهيه. وأن يقوم بتدبير شؤون حياته، وأن ينظر بجادة الصواب إلى المستقبل وتقلباتِه، وأن يضع الأولويات في الإنفاق وأن يُحْسِنَ التصرف فيما استخلفه الله من المال "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ" .