الخميس, 10 آب/أغسطس 2017 14:22

النموذج الخامس لعلاقة الدعوي بالسياسي : المفهوم والمستـــنــد

المقدمة:

طرح المهندس محمد الحمداوي في كتابه: "العمل الإسلامي، بدائل وخيارات" جملة قضايا وآراء تخص العمل الإسلامي، مستهدفا من وراء ذلك: "تصويب وتنهيج النشاط الإسلامي، ووضعه إزاء عقلية تعتمد التنسيب وتديم المراجعات وتبحث عن البدائل.."  كما يستهدف: "رفع كفاءة وأهلية العمل الإسلامي، والفعل الإصلاحي للحركة الإسلامية..." ص:27 ــــ العمل الإسلامي، بدائل وخيارات.      

واجتهادات الكاتب على قيمتها، لاتزال تحتاج إلى مزيد مدارسة ونقد، خاصة ما ورد في الفصل الخامس: المقصد العام بين إقامة الدين وإقامة الدولة؛ مثل: موضوع الخلافة الإسلامية، ومسألة اعتبار العمل السياسي أحد مداخل تنزيل المشروع الإسلامي، وكذلك قضية النماذج الأربعة لعلاقة الدعوي بالسياسي، التي تتغيى هذه المقالةُ مدارستها...

 المحور الأول: خلاصة النماذج الأربعة:

لخص المؤلف العلاقة بين الدعوي والسياسي في أربعة نماذج كبرى هي:

1 ـــ الوصل التام والتماهي: أي تحول الحركة الإسلامية إلى حزب سياسي، يمارس الدعوة والسياسة في آن واحد، مثل تجربة الحركة الإسلامية في السودان، وحركة "حمس" في الجزائر، وحركة النهضة في تونس، التي بدأت تناقش مسألة مراجعة هذه العلاقة. ص:216

2 ـــ الفصل التام والتحالف: مثل التحالف المصلحي للعدالة والتنمية التركي مع التنظيمات النورسية.. لكن مع تضارب المصالح، تحول الأمر إلى صراع قوي بينهما، أبرز مظاهره تورط واحدة من تلك التنظيمات النورسية (تنظيم فتح الله كولن) في التمرد العسكري الأخير، للإطاحة بحكم أردوغان...

3 ـــ الإشراف التام والوصاية: مثل وصاية حركة الإخوان المسلمين على أحزابها في كل من مصر والأردن والكويت، "ولا تخفى ـ كما قال الكاتب، المشاكل التي أنتجتها هذه الصيغة لبعض التنظيمات الإسلامية، التي لم تنج من تداعياتها إلى اليوم، مع ضرورة الإشارة إلى أن التجربة الكويتية قد تراجعت عن هذه الصيغة منذ سنتين".  ص: 216 ـ 217.

4 ــــ التمايز مع الشراكة: وهي تجربة حركة التوحيد والإصلاح مع حزب العدالة والتنمية المغربي، التي عنوانها العريض: الوحدة في المشروع والاستقلالية في التنظيم. ومظاهر التمايز بين الهيأتين حددها الكاتب في ثلاثة: على مستوى مجالات العمل ـــــ على مستوى الخطاب ــــ على مستوى الرموز والقيادات.. ص: 217.

المحور الثاني: ملاحظتان على هذه النماذج الأربعة:  

الملاحظة الأولى: إن المشترك المعنوي بين هذه الصيغ الأربع: تعلق الحركة الإسلامية بأمر الحكم واشتغالها به، أكان عن طريق صناديق الاقتراع، كما هو في النماذج السابقة، أو عبر طرق أخرى، في مراحل معينة، مثل: الثورة أو القومة أو تأييد الانقلابات العسكرية، كما وقع للإخوان المسلمين في مصر مع انقلاب 1952.. وللحركة الإسلامية في السودان، مع انقلاب البشير سنة 1989.

وهذه الملاحظة تستدعي طرح بعض الأسئلة من قبيل: ألا يمكن للحركة الإسلامية ألا تتهمم بقضية الحكم والسياسة؟ أو بتعبير آخر، ألا يرتبط الدعوي بالسياسي بأي صيغة أو شكل؟ أليس اشتغال الحركة الإسلامية بالسياسة واحدا من الأسباب المهمة في المحن التي تعرضت إليها، ولا تزال تتعرض إليها؟ ألم يكن من الواجب أن تتفرغ الحركة الإسلامية، منذ نشأتها، إلى نشر قيم الصلاح والإصلاح، فحسب، في مجتمعاتها عن طريق العمل التربوي والدعوي؟ علما أن الفجور الديني والأخلاقي في بلادها، لا يزداد إلا تغولا يوما بعد يوم..؟

الملاحظة الثانية: نبه المؤلف إلى أن التجارب الثلاث الأولى للعلاقة بين الدعوي والسياسي، سببت جملة مشاكل للحركة الإسلامية.. دفعت إحداها إلى التراجع عن الصيغة التي كان تعتمدها في العلاقة مع هيأتها السياسية، وأخرى بدأت تفكر في مراجعة تلك العلاقة.

وإن السبب في بروز تلك المساوئ وغيرها، يعود في تقدير هذا المقال، ليس إلى الصيغ المعتمدة في العلاقة بين الدعوي والسياسي، وإنما إلى تعلق الحركة الإسلامية بمسألة الحكم، والسعي وراء إقامة الدولة، بشتى الطرق ومهما كلفت من الأثمان..

 أما فيما يخص النموذج الرابع، فالكاتب وهو يعتز ويشيد بالتجربة الفريدة، لحركة التوحيد والإصلاح مع حزب العدالة والتنمية المغربي، المبنية على أساس التمايز والشراكة الاستراتيجية، لا يرى أو يغفل عن التنبيه إلى المشاكل التي أفرزتها هذه العلاقة التي يزيد عمرها على عقدين من الزمن؛ وقد قيل:

   وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا

 وما يهم هذه المقالة تلك المشاكل التي لها تداعيات سلبية ومباشرة على المشروع التربوي والدعوي للحركة التي من أهمها، كما تثبته الممارسة والمشاهدة اليومية:

أ - التحريض والتضييق على الحركة، بل والدعوة إلى استئصالها، وهذا من طرف سياسيين وإعلاميين وكتاب، بل ومن أطراف من داخل الدولة.. وقد اشتدت هذه الحملة في السنوات الأخيرة، خاصة بعدما تولى العدالة والتنمية رئاسة الحكومة، مرتين متتاليتين..

ب- تخوف وتوجس كثير من المواطنين من الاستفادة والانخراط في الخدمات التربوية والدعوية التي تقدمها الحركة، بدعوى أنها أنشطة انتخابية استباقية لصالح العدالة والتنمية..    

المحور الثالث: النموذج الخامس: فصل تام دون تحالف، وتمايز نهائي دون شراكة:

1 - مفهوم النموذج الخامس:

ولما كان نموذج التمايز مع الشراكة لا يسلم بدوره، من عيوب تكبح انطلاقة المشروع التربوي والدعوي للحركة الإسلامية، فإن هذه المقالة تطرح نموذجا خامسا، تعتبره منسيا وغير منتبه إليه، عنوانه: فصل تام دون تحالف، وتمايز نهائي دون شراكة، أعني دعوة دون سياسة أو حركة إسلامية دون سعي وراء الحكم، بأي شكل من الأشكال، أو صيغة من الصيغ السالفة الذكر أو غيرها من الصيغ التي يمكن أن توجد. ولهذا النموذج أمارات منها:

  • وقوف الحركة الإسلامية على مسافة واحدة من جميع الأحزاب، أكانت إسلامية أو لبرالية أو يسارية أو قومية.. وترك معضلة الحكم ومشاكلها وتحدياتها ونجاحاتها وإخفاقاتها، للأحزاب على اختلاف مرجعياتها، دون انحياز لأحد منها..
  • دعوة الحركة الإسلامية لقيادييها ورموزها وعموم أعضائها العاملين في الهيأة السياسية التي ترتبط معها بصيغة من الصيغ السابق ذكرها، إلى الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما: إما الانتساب إليها أو إلى تلك الهيأة، تفاديا لكل لبس وسدا لكل ذريعة من شأنها أن تسبب تداعيات سلبية على المشروع الدعوي والتربوي للحركة الإسلامية..
  • اقتصار الحركة الإسلامية في المقابل، على التهمم بمشروعها الدعوي والتربوي الذي يجب أن يكون الوظيفة الوحيدة لها، لا الأساسية فقط؛ وهذا، حتى تتعبد أمامها جادة الإسهام والتعاون مع من يهمه الأمر، في إشاعة نفس التزكية وروح الصلاح والإصلاح في المجتمع، ومقاومة غول الفساد الديني والخلقي الذي ينهش مجتمعاتها.

علما أن ثغر التربية والدعوة يعاني، كما هو مشاهد، من قلة وضعف المرابطين عليه، وأذهب موقنا إلى أن الأمة أوتيت من هذا الثغر، لا من بابي السياسة أو الاقتصاد.. وما أحوج العباد إلى مرابطة الحركة الإسلامية على هذا الثغر، رباطا تاما كاملا، غير منقوص.

2- استدراك:

ولا يقولن القارئ أن هذه المقالة تدعو إلى نسخ تجربة تنظيم الدعوة والتبليغ، كلا، فهذا الأخير إطار عالمي، وهذه المقالة ترفض ذلك، لما للعالمية من تداعيات خطيرة على الحركة الإسلامية..

 ثم إن المعروف عن الدعوة والتبليغ عدم تهممه بقضايا الأمة والوطن، التي هي واجبات دعوية، بل من صميم الوظيفة الدعوية للحركة الإسلامية، إذ لا يعقل ألا تتهمم الحركة بالقضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، وعذابات المسلمين في بورما والصومال.. والفتنة الموقدة في بعض البلاد العربية، منذ سنوات.. وكذلك، لا يليق بالحركة الإسلامية، وعيب في حقها ألا تدافع، عندما يتعلق الأمر بقضايا وطنية ترتبط بمشروعها التربوي الدعوي، ارتباطا مباشرا، مثل قضايا: اللغة العربية والإرث والإجهاض والتنصير والطعن في الحديث النبوي الشريف، والدعوة إلى عدم تجريم الزنى واللواط والسحاق والإفطار عمدا في نهار رمضان...

فهتان المسألتان السالفتان (العالمية ــــــــ قضايا الأمة والوطن)، من الفروق الظاهرة بين تنظيم الدعوة والتبليغ والحركة الإسلامية التي تنشدها هذه المقالة، وقد ذكرتهما في هذا الاستدراك احترازا من دخول ما ليس من تعريف هذا النموذج الخامس.

3 - مستند النموذج الخامس:

أستحضر هنا، مستندين اثنين يتكئ عليهما هذا النموذج، المنادي بالانفصال بين الدعوي والسياسي، انفصالا كليا لا رجعة فيه، وهما:

  • المستند الواقعي:

إن هذا المستند أثبت مرات متعددة، أن إصرار الحركة الإسلامية على السعي وراء الحكم، جر عليها محنا شتى، كادت في بعض الفترات، أن تقضي عليها قضاء مبرما؛ وقد تحدثت عن هذا الأمر في مقال: السياسة ومحنة الحركة الإسلامية في الوطن العربي، نشر على هذا الموقع.

ثم إن اشتغال الحركة الإسلامية بالسياسة كان الهدف منه إقامة المشروع الإسلامي، أي إقامة الدين على مستوى الدولة، بأن تكون قوانين البلد ونظمه ومؤسساته صادرة عن الإسلام وملتزمة به، وأن تكون السياسات العامة للدولة كذلك، متفقة مع أحكام الإسلام..

فهل تحقق المشروع الإسلامي أو شيء منه، بعد هذه المدة الطويلة من الاشتغال بالسياسة!؟ علما أن بعضا من الحركة الإسلامية وصل إلى سدة الحكم مرة وأكثر من مرة!؟ أم أن العمل الإسلامي لايزال يحتاج إلى عقود أخرى ـــــــ الله أعلم بعددها ــــــــ من العمل السياسي حتى يأتي المشروع الإسلامي!؟ ولن يأتي..

إن العمل لإرجاع سلطان الشريعة والعيش تحت رايته، يحتاج ــــــ كما يثبت هذا المستند الواقعي وغيره ـــــ إلى رؤية معرفية إسلامية، أشد عمقا وأكثر تحريرا، مما هو معمول به لدى الحركة الإسلامية اليوم، وقد تكلمت في ظلال هذه الرؤية في مقال بعنوان: هل المشاركة السياسية أحد مداخل تنزيل المشروع الإسلامي؟ 

  • المستند النظري:

إن دعوة الحركة الإسلامية إلى الاقتصار على الوظيفة التربوية والدعوية، دون غيرها، هو نداء من باب التخصص الذي لا ينافي خاصية الشمولية في الإسلام؛ وليس دعوة إلى العلمنة التي تدعي أن لا علاقة للإسلام بمسألة الحكم..

فاعتقاد شمولية الإسلام لا يلزم عنه شمولية مشروع الحركة الإسلامية، وإلا فعلى هذه الأخيرة أن تشتغل بمشمولات الإسلام كلها، السياسة وغير السياسة..!

خلاصة:

كانت الغاية من طرح هذا الموضوع المساهمة في النقاش حول قضية الدعوي والسياسي، وذلك بدعوة الحركة الإسلامية إلى تبني هذا النموذج الخامس الذي يسعى إلى إقامة طلاق بائن بينونة كبرى بين منطق الدعوة ومنطق السياسة.

فإذا كانت الحركة الإسلامية، منذ نشأتها جربت المزج بين الدعوة والسياسة بصيغ شتى، فإنها مدعوة الآن، وقبل أن تضطر إلى ذلك، إلى تطليق السياسي، إذ لا يضيرها شيء إن هي جربت الفصل التام دون تحالف، والتمايز النهائي دون شراكة، بعد عقود من الخلط بين السعي إلى إقامة الدين والسعي إلى إقامة الدولة. والحمد لله رب العالمين.