الأربعاء, 21 شباط/فبراير 2018 12:14

المسلمون في الدول الغربية والشراكة الحضارية

تمهيد:

إن الوجود الإسلامي خارج البلدان الإسلامية كان في اغلب الظروف والأحوال تواجدا عارضا أو  طارئا، فرضته ضرورات الأنشطة التجارية، والدعوة الإسلامية، والأعمال الدبلوماسية وغيرها، كما كان كل من اعتنق الإسلام يتحين الفرص لاغتنامها من أجل الالتحاق ببلاد المسلمين، ولهذا نجد في التراث الفقهي الموروث مراعاة لما كان يعيشه المسلمون في البلدان غير الإسلامية، من ضغوطات تفرضها الحاجات المتنوعة، والضرورات المتعددة.

أما اليوم في عصر العولمة التي حولت العالم المسكون كله إلى قرية صغيرة، فقد هاجرت أعداد كثيرة من المسلمين إلى الدول الغربية، نتيجة نظرة الإعجاب والانبهار بما حققته هذه الدول من تقدم مادي وتقني مذهل، وبما تقدمه معظم مؤسساتها من حقوق وضمانات قانونية، إلى جانب التطلعات الشخصية والرغبات الذاتية في التمتع بحياة راقية، كالبحث عن عمل أفضل وطلبا للعلم أو طلبا للظروف المناسبة للبحث العلمي... فتكونت جالية مسلمة مستقرة تتمتع بجميع حقوق المواطنة بما فيها "المساواة مع الأغلبية في الحقوق المدنية والسياسية، مع الاعتراف لها بحق الاختلاف والتميز في مجال الاعتقاد والقيم"[1]، فبنى المسلمون في الغرب المساجد، والمراكز الثقافية والتربوية والاجتماعية، والمؤسسات الجامعية والبحثية، والمجامع الفقهية، وشيدت المعاهد العلمية والفكرية وغيرها، ساهمت رابطة العالم الإسلامي في بناء الكثير منها.

إن المسلمين في الدول الغربية بلغوا عددا لا يستهان به وأصبح الوجود الإسلامي من أكثر القضايا الإسلامية تفجرا وحيوية ، له ظروف خاصة لم تكن معروفة ولا مألوفة في الفكر الإسلامي، تحتاج هذه القضايا إلى اجتهادات في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية وكلياتها، لكون هذه القضايا مازالت هامشية في الدراسات والبحوث العلمية بالخصوص، ويبرز ذلك جليا في قلة الإنتاجات الفكرية التي تعالجها، فضلا عن تحير أفهام العلماء أمام تواجدها بهذه الدول، حيث" اضطربت أقوالهم في إطلاق الأحكام المرتبطة بها وبكل ما يتعلق بحياة المهاجرين بين دعاة التشديد المتنطع والتيسير المفرط، إما تعصبا لمذهب، أو جماعة، أو عدم فهم الظروف المحيطة بهذا الوجود الإسلامي، وكل ذلك لقلة وجود العلماء المؤهلين الذين عاشوا في واقع المسلمين وأدركوا أبعاد المسائل من الجوانب القانونية والسياسية والأخلاقية. لتلك الأسباب ولغيرها تعارضت الفتاوى واضطربت، ونتج عن ذلك زيادة اختلاف وانفكاك في أوساط المسلمين بالغرب"[2] ، ولهذا ينبغي بذل الجهود وتكثيف الاهتمام وتوحيد الصفوف دونما إغفال وتفريط، خاصة من العلماء المقيمين في المجتمعات الغربية قبل غيرهم، حيث تختلف مسائل قضاياهم عن القضايا التي يعيشها المسلمون في العالم  الإسلامي. 

كما ينبغي تعميق الشعور بمبدأ المواطنة[3] لأبناء المسلمين في الغرب حيث إن" الذين يصلحون للفتوى والاجتهاد، هم الذين يرون صحة واستحباب أو وجوب الإقامة والتوطين، حملا للأمانة وتبليغا للرسالة"[4]، فقديما استوطن بعض الصحابة رضي الله عنهم ببلدان غير إسلامية من أجل الوعظ والإرشاد، واعتبر ذلك في مناقبهم وفضائلهم[5]، وعليه يجب على المفتي أن يحسم في ذهنه قضية التوطين للوجود الإسلامي حسما نهائيا،" بحيث لا يفتي في مسألة إلا باستحضار معنى تعميق الشعور بمبدأ المواطنة، لما يترتب من عدم الحسم من اضطراب في الفتوى، فتفقد الأحكام تناسقها وتنحرف عن مقاصدها العامة، فيفقد الفقه دور الموجه لتحقيق المصالح ودرء المفاسد..."[6]، فلو أخذنا بما جاء في الموروث الفقهي من عدم صحة الإقامة والمواطنة للمسلمين في الدول الغربية، فلن يغير هذا من الواقع شيئا، خاصة بالدول التي بها مسلمون أصليون وهم بالآلاف بل بالملايين، كما ولن يرحل أكثر المهاجرين المسلمين إلى دولهم الأصلية، وأجيالهم الرابعة في بعض الدول الغربية قيد التشكل وهم أيضا بالملايين[7]. ومن هنا تتأكد وظيفة الفقه الإسلامي في معالجة القضايا والأسئلة الكثيرة في شتى نواحي الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية[8] في الدول الغربية لا بهدمها، وذلك بوضع المنهجية العلمية في التصوير الصحيح للواقع الفقهي، وتنظيم مسارات المسلمين وفق الشريعة الإسلامية ومقاصدها، والتخطيط لكيفية الحفاظ على هويتهم الثقافية وخصوصياتهم، وتحسين مستواهم الحياتي بتحقيق الحقوق، إلى جانب تحسين آدائهم الإنساني والرسالي بالقيام بواجباتهم اتجاه مجتمع الأغلبية. المطلوب اليوم من المسلمين في الغرب أن يكونوا في موقع الشراكة الحضارية.

1 - الشراكة الحضارية: المفهوم والدلالة

الشراكة الحضارية معناها أن يتجاوز المسلمون في الدول الغربية استهلاك العطاء الحضاري الغربي ماديا ومعنويا ويقدمون إسهامات حقيقية بعطاء حضاري وبإضافات جديدة نابعة من الإسلام وحضارته كالقيم الأخلاقية والأسرية والبيئية والاجتماعية  فينبغي أن نشيع بين المسلمين في الغرب ثقافة الشراكة الحضارية وأن نربي المسلم  على أن يكون فاعلا، و منتجا و مسهما في تنمية بلده  وليس مستهلكاً فقط، فهي في الحقيقة شراكة حضارية يسهم المسلمون في هذه الدورة الحضارية بما ينفع الناس، بما ينفع المجتمع الذي يعيشون فيه وبما ينفع الإنسانية جميعاً، خلفيات القيم الحضارية التي تقدم للغرب خلفيات إسلامية فيها نفع وفيها مصلحة للمجتمع الغربي ولمسيرة الحضارة الغربية ، فالمسلم هنا عامل ترشيد وعامل إضافة وعامل إنتاج .

ومن تم لابد أن يكون الإفتاء  للوجود الإسلامي في المجتمعات الغربية إفتاء لا يكتفي بالحل الشرعي للمشاكل الجزئية التي تعترض الحياة اليومية للمسلمين، وإنما يتعدى ذلك إلى ما يمكن أن نسميه بالإفتاء الحضاري الذي يتصدى لكبريات القضايا المتعلقة بالمسلمين، والذي يوجههم إلى أن يكونوا في مجتمعها في موقع الشراكة الحضارية التي تسهم في حركة التنمية لذلك المجتمع اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، بإضافات جديدة ، وبإبداعات يقع اشتقاقها من القيم الدينية التي يحملونها، خروجا في كل ذلك عن الوضع الذي يكونون فيه قابعين في هوامش الحياة الاجتماعية مستهلكين غير منتجين، منفعلين غير فاعلين، آخذين غير معطيين...وهذا الإفتاء المبتغى لا يمكن أن ينهض به الأفراد من العلماء والفقهاء، لما يقتضي من تشاور واسع ودرس عميق ومراوحة بين أصول الشرع من جهة ومعطيات الواقع من جهة أخرى، وهو ما قد يغفل فيه الفرد الواحد مهما أوتي من نباهة عن بعض الجوانب الضرورية للنظر من أجل الإفتاء الصائب الرشيد، وذلك ما يستدعي أن ينتحي هذا الإفتاء منحى المؤسسية التي يشترك فيها بالرأي الجمع من النظار في أصول الشرع وفي مظاهر الواقع وأسبابه... وهو الأمر الذي يقتضي أن يتطور الإفتاء من منزع الترخيص الذي يكون مناسبا للحياة الطارئة إلى منزع التأسيس الذي يكون مناسبا للحياة المستقرة المواطنة...إن هذا الوضع الذي انتهت إليه الجالية المسلمة في المجتمعات الغربية، وما اقتضاه من تطور في المعالجة الفقهية للشؤون والقضايا يواجه ضربا من الإفتاء والتقرير لئن كان يلتقي في أسسه مع النظر الفقهي العام، إلا أنه يختص بخصائص مشتقة من خصائص الوجود الإسلامي في الدول الغربية نفسه بما هو وجود خاضع لسلطان قانوني وثقافي ليس هو سلطان الشرع الإسلامي كما هو عليه الأمر في العالم الإسلامي ، وذلك ما يقتضي أن توجه الأصول الاجتهادية العامة توجيها يتناسب مع خصوصيات وضع المواطنة للمسلمين في الدول الغربية محل النظر الاجتهادي، بغية أن تكون القرارات والفتاوى متناسبة أيضا مع هذا الوضع ، فتحقق مقاصدها فيه"[9].

2 - المنظور الشرعي للشراكة الحضارية:

إن رسالة المسلم  في أي مكان وجد هي أن "ينفع الناس ما استطاع أن ينفعهم، وينتفع منهم ما استطاع أن ينتفع، وأن يتعاون معهم فيما فيه الخير للجميع، وهذا المعنى هو المضمن في قوله تعالى:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)[10]، وفي قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)[11]، فالشهادة على الناس تعني من بين ما تعني تبليغ المسلم ما عنده من خير مادي أو معنوي للناس، والعمل على أن ينفعهم بذلك الخير، والتعاون على البر والتقوى يعني مد المسلم حبال التوافق مع من يعيش معهم من الناس ليشتركوا جميعا في إنجاز ما فيه لهم مصلحة مشتركة، وكل هذا واجب على المسلم إزاء المجتمع الذي يعيش فيه بقطع النظر عن اختلافه معه أو اتفاقه في المعتقد أو في الثقافة أو العرق. إذن فإن في المخزون الديني الثقافي للمسلم ما يدفعه إلى أن يندمج في المحيط الأوربي الذي يعيش فيه اندماجا يكون فيه شريكا لكل مكوناته البشرية في النهوض بأعباء الحياة، وفي العمل على تطويرها إلى ما فيه خير الجميع، وفي التعاون مع الآخرين اتفق معهم أو اختلف في الدين على التعمير في الأرض التي هي في المعتقد الاسلامي المهمة التي من أجلها خلق الإنسان وفقا لقوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)[12]، فإذا ما تقاعس عنها لأي سبب من الأسباب اعتبر متقاعسا عن أداء ما من أجله خلق، وهو ما يجعله في المنظور الديني يبوء بالإثم الكبيروالعاقبة السيئة"[13].

3 - مضمون الشراكة الحضارية:

يقول عبد المجيد النجار: "إن الحضارة ليست تقدما ماديا أو ضبطا إداريا فحسب ، فذلك إنما هو وجه من وجوه الحضارة، والوجه الآخر من وجوهها، ولعل الوجه الأهم هو القيم الأخلاقية والروحية والإنسانية التي تؤطر الحياة، التي تقود ذلك الوجه المادي وتوجه وتهدف. وإذا كان المسلمون في الدول الغربية ليس رصيدهم في العلم المادي والإداري برصيد يذكر أن يكونوا شركاء، فإن رصيدهم القيمي والأخلاقي والروحي هو رصيد ذو أهمية قصوى بالنسبة للواقع الحضاري، وهو ما يمكن أن يكون لهم بمثابة رأس المال المقدر الذي ينخرطون به في الشراكة الحضارية مع الغرب، لتكون هذه الشراكة دائرة بين أخذ وعطاء"[14].

أ- الأخذ الحضاري: قد حقق الغرب منجزات علمية وتقنية وإدارية مشهودة ،ولكي يكون مسلمو الغرب مساهمين حضاريا في مجتمعاتهم فلابد أن يسلكوا أولا مسلك الأخذ من الكسب الحضاري الغربي، فالانخراط الجدي الواعي في كسب تلك المنجزات والذي يجعل المسلمين متحققين بمصداقية في الإسهام الحضاري، إذ ذلك هو العنوان الأكبر للحضارة في أعين الغرب، فينبغي تمثيل تلك الإنجازات تمثيلا حقيقيا حتى لا يظلوا  على هامش مسيرة التحضر في المجتمعات الغربية ، إذ المطلوب في الشراكة الحضارية الانخراط في دورة الأخذ والعطاء، فمن أجل العطاء الذي هو العنصر الأبرز في هذه الشراكة ينبغي أن يكون الأخذ، فإن المشاركة في الإنجازات المادية لا يمكن أن تتم إلا بأن يستوعب المسلم  لما وصل إليه الغرب من علوم ومعارف ومهارات لاستطاعة اللحاق في دور العطاء، ومن جهة أخرى فإن العطاء المعنوي من القيم مرهون في قبوليته من قبل المجتمع الغربي بمصداقية المسلمين متمثلة في الأنموذجية الحضارية المادية، فعلى المسلمين أن يتمثلوا هذا الكسب تمثلا صحيحا، سواء تعلق ذلك بالعلوم الكونية أو بالعلوم الإنسانية، إلا أن الاستيعاب المعرفي لهذه العلوم نظرية وعملية ينبغي أن يكون مرفوقا باستيعاب الخلفيات الثقافية والأسس المرجعية لكل ما يقع استيعابه لأن المعرفة الغربية نشأت في إطار ثقافي فلسفي ذي صفات خاصة، فهذا المسلك يساعد لاحقا في مرحلة العطاء على أن يكون عطاء نوعيا متميزا وليس مجرد إضافة كمية  لما هو موجود[15].

ب- العطاء الحضاري: إن المسلمين في الغرب يتوفرون على مقدرات للعطاء الحضاري متمثلة في القيم الروحية والأخلاقية والاجتماعية والبيئية فهي تمثل في ذاتها عطاء عظيما للبشرية على مر الزمن، فقد جربها التاريخ فأثمرت حضارة مشهودة، ثم إنها تمثل عطاء عظيما في زماننا الذي تمر به الإنسانية عموما والحضارة الغربية خصوصا بأزمات متعددة أخلاقية واجتماعية وبيئية وأسرية، وهي أزمات تحتاج لعلاجها القيم التي يتوفر عليها المسلمون، وهذا أمر أصبح يؤمن به ويدعو إليه الكثير من مفكري الغرب وحكماءهم، فالرصيد القيمي والأخلاقي للمسلمين معتبر يمكن أن يدخلوا به سوق الشراكة الحضارية في المجتمع الغربي، ومن هذه القيم التي يمكن أن تكون عنصرا أساسيا في العطاء الحضاري يمكن أن نذكر على سبيل المثال:

- الأمن النفسي: إن التعاليم والقيم الإسلامية تجعل من مقاصدها إشاعة الأمن في النفوس وإفساح الأمل لها إبعاد اليأس والقنوط عنها، ولعل أول ما يحقق ذلك عقيدة البعث التي تكسب الحياة قيمة كبرى تجعلها جديرة بحفظها والحفاظ عليها، ومن أعوص المشكلات التي يعانيها أهل الغرب في أفراد كثيرين منهم من شعور بالخوف والقلق واليأس، حتى عبر ذلك عن نفسه فلسفيا في نظريات تقوم على العدمية والعبثية والغثيان، وعبر عن نفسه علميا في ارتفاع معدلات الانتحار، وفي انتشار أنواع المخدرات، وفي تفشي أمراض الاكتئاب بشكل واسع، وما ذلك إلا بسبب الشعور بأن هذه الحياة القصيرة التي تنتهي بالموت قد استنفدت أغراضها التي يجمعها غرض الرفاه المادي، فإذا ما تحقق هذا الرفاه وهو الغرض الأعلى فقدت الحياة قيمتها فلم تعد جديرة بأن يحياها الإنسان، وكذلك الأمر  إذا فقد الأمل في تحقيق هذا الغر، ولعل هذا ما يفسر كيف أن أكثر  البلاد الغربية رفاها ماديا وإباحية جنسية هي أعلاها في معدلات الانتحار وتفشي المخدرات، وإذن فإن العرض الإسلامي لعقيدة الأمن والأمل، والقيم والمبادئ  التي تعمل على ترسيخهما في النفوس سوف يحظى باهتمام أهل الغرب، فيكون ذلك إضافة نافعة من قبل مسلمي الغرب  لمجتمعهم الجديد.

- القيم الأسرية: إن التشريع الإسلامي قد اهتم بالأسرة كما لم يهتم بأي موضوع اجتماعي آخر ، وضبط فيها من الأحكام المفصلة ومن القيم الموجهة ما هو كفيل بأن يجعل منها مناخا نفسيا واجتماعيا يوفر بدرجة عالية الصحة النفسية والاجتماعية، وذلك بما بنيت عليه الأسرة من المسؤولية والاحترام والتكافل والمودة والرحمة، بالإضافة إلى ما بنيت عليه من ضبط دقيق للحقوق والواجبات.

وإذ تعاني الأسرة الغربية اليوم من الانحلال والتشتت والفقر الروحي، بل من أخطار التلاشي، فإن هذه القيم والأحكام الدينية إذا ما عرضت على أهل الغرب عرضا نذريا وعلميا حكيما فإنها ستجد إلى عقولهم طريقا للقبول، وثمة كثير من عقلاء الغرب أصبحوا اليوم متقبلين لهذه القيم، كما ثمة كثير من الناس أصبحوا قابلين عمليا للأخذ بها، وما تكاثر من الزيجات بين المسلمين والنساء الغربيات بالرغم من المناخ العام الذي تشوه فيه صورة المسلمين بصفة عامة، وصورتهم فيما يتعلق بمعاملة المرأة بصفة خاصة إلا مظهرا من مظاهر ذلك، فالمرأة الراغبة في الزواج من مسلم على الرغم من هذا المناخ المعاكس إنما  تطلب القيم الأسرية الإسلامية التي تتعطش إليها بحكم الفطرة، ولا تجدها لأسرة الغربية.

- القيم البيئية: قد جاء الإسلام بنظام متكامل في التعامل مع البيئة مبني على قيم عقدية وثقافية، ومحدد بأحكام قانونية، ومنضبط بتوجيهات أخلاقية ، ومن هذا الشأن هذا النظام حينما يعمل به أن يجنب كل ما عسى أن يكون فيه اعتداء على الطبيعة بأي شكل من أشكال الاعتداء ، وعصمهم إذن أن تنشأ  أزمة بيئية في خضم التعامل مع البيئة، وقد كان لتلك الخط الدينية في التعامل البيئي تجربة تطبيقية في الحضارة الإسلامية اتصفت بالثراء العملي والقانوني، كما أفضت إلى نجاعة فائقة في النتائج بحسب ما وصلت إليه من تطور في تطور علاقتها بالطبيعة[16.   

ولا يخفى أن حضارة الغرب تؤرقها اليوم مشكلة التلوث البيئي أرقا شديدا ، وقد أصبحت يوما بعد يوم تتعالى وتتكاثر الأصوات المنذرة بكارثة  وشيكة جراء هذه المشكلة، وانتهى الكثير من أصحاب هذه الأصوات إلى  أن العلاج الحقيقي لهذه الأزمة لا بد أن يكون علاجا ثقافيا بدرجة أساسية وذلك ما يرشح الثقافة الإسلامية لأن تقوم بدور هام في هذا الشأن، تعضد فيه التجربة الحضارية ما جاء به الدين من قيم ومبادئ وأحكام ، لو أحسن العرض وأتقن البلاغ[17].

إن المسلمين في الدول الغربية إذا أرادوا أن يكونوا شركاء في مسيرة تحضر مجتمعهم فينبغي الإعداد لتلك الشراكة ومقتضياتها متمثلة في طرفي الأخذ والعطاء، فالأخذ باستيعاب الكسب الحضاري الغربي في وجوهه العلمية والتقنية والإدارية، والعطاء بالإسهام في إنجاز ذلك الكسب بعد استيعابه، والأهم من ذلك بتبليغ ما يتوفر عليه دينهم من قيم روحية واجتماعية وأخلاقية تبليغا يصل إلى العقول والقلوب فيؤثر فيها، فهو إذن عطاء قيم في ذاته، قيم في حاجة الحضارة الغربية إليه.

4 - عوائق الشراكة الحضارية بين المسلمين والغرب:

إن أهم العراقيل التي تعيق التوجه الحضاري للمسلمين في الدول الغربية هي أولا ثقافة أهل الغرب ونظرتهم للإسلام والمسلمين، وثانيا من جانب المسلمين كثير من الفئات التي تعيش في الغرب لا تملك التصور الصحيح الكلي الشمولي للإسلام وحضارته:

أ- نظرة الغرب للإسلام: إن الكثير من العراقيل التي تحول دون التفاعل الحضاري مع المسلمين من طرف الغرب نتيجة مخلفات ثقافية ونفسية قديمة تجعل نظرة أهل الغرب للإسلام والمسلمين نظرة رفض كما أن  الكثير من الغربيين جاهلين  بالدين الإسلامي وحضارته وهذا يحول دون الشراكة الحضارية التي يريدها المسلمون، إضافة إلى دور الإعلام الغربي في تقديم صور نمطية عن الإسلام والمسلمين كاللحي والحجاب، كما يقتصر على بعض سلوكيات الجماعات المتطرفة.

ب- عدم امتلاك معظم المسلمين التصور الصحيح والشمولي للإسلام في الغرب: إن معظم المسلمين في الغرب لا يملكون التصور الصحيح الكلي الشمولي للإسلام ولقيمه  ويسقطون في جزئيات وفي أفهام منحرفة تترجم عمليا إلى أعمال وإلى مسلكيات تنفر الكثير من الغربيين.فينبغي تهييئ الذات قبل الحوار مع الغرب حول الشراكة الحضارية وبذل الجهود الكبير ة في تثقيف وتعليم المسلمين في الغرب على وجه الخصوص بثقافة الشراكة الحضارية، ويدخل ضمن هذا أن نعلم الناس في المستويات التربوية والدعوية القيم الصحيحة للإسلام والإسلام الصحيح في مفهومه وفي مقتضيات هذه المفاهيم الإسلامية وتنزيلها على الواقع، ولكي يكون للمسلمين قوة الدفع والتدافع لابد من تأسيس مراكز الدراسات والبحوث وأن يقوم الإعلام الإسلامي بدوره في تصحيح المغالطات وتقديم الصورة الصحيحة للإسلام.

خاتمة:

بحكم مواطنة المسلمين في المجتمعات الغربية فبإمكانهم أن يكونوا شركاء حضاريين لمكونات المجتمع الذي يعيشون فيه، فمن حقهم أن يستفيدوا من المقدرات المادية والمعنوية الموفورة، فإن من واجبهم أن يكونوا مسهمين بالتطوير والتنمية والترشيد وحل المشاكل، فهذه الشراكة الحضارية أخذا وعطاء أمر مطلوب مقدور عليه من حيث الإمكان، أما من حيث الإنجاز يحتاج إلى اجتهادات فقهية ومقاصدية تستبين من خلاله الوجوه المشروعة، فقد تختلط السبل بين جائز في الدين وممنوع سواء أخذا أو عطاء، وذلك مثل المضي في الاستفادة من المجتمعات الغربية بكل الطرق التي هي جائزة بقوانينها وهي ممنوعة في أحكام الشريعة كالمعاملات الربوية، ومثل المضي في إفادة المجتمع بذات تلك الطرق من انخراط في مواقف معادية للأمة الإسلامية أو غيرهم من المستضعفين في الأرض. ولهذا فإن المؤسسات الإسلامية الموجودة في الدول الغربية من مراكز ومنظمات...ينبغي أن تجتهد في القضايا المندرجة في ما تقتضيه هذه الشراكة الحضارية المطلوبة من المسلمين في طرفي الأخذ والعطاء، مفرقة في وضوح بين ما هو من القوانين التي ارتضاها المجتمع نظاما لحياته موافقا لأحكام الشرع فيمارس المسلمون الشراكة الحضارية من خلالها، وبين ما هو مناقض له فتجتهد في التعامل معه بما لا يخل من مقتضيات دينية، فينبغي أن يكون الاجتهاد الفقهي والمقاصدي لهذه المؤسسات الإسلامية في الغرب متجاوزا مصلحة المسلمين إلى مصلحة المجتمع الغربي بصفة عامة ، كما يجب عليها أن ترشد الفتوى الفقهية فتكون هي بدورها منخرطة في التشريع لما فيه الخير ومعنية بمصالح المجتمع الغربي التي هي هم من هموم المسلمين كشركاء حضاريين فيه فتنصب لترشيد همومهم سواء بحكم وجودهم كمسلمين أو ما تعلق بوجودهم كمواطنين[18].

 الهوامش

[1] - مقاصد الشريعة، طه جابر العلواني، دار الهادي، بيروت، ط1، 2001م، ص 96.

[2]- ضوابط الضرورة الشرعية، وتطبيقاتها على فقه الأقليات المسلمة في أوربا، مصطفى محمد حسن دومان، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط1، 2013، ص 152، بتصرف.

[3]- المواطنة من المفاهيم القديمة التي تعبر عن الولاء السياسي أو الانتماء السياسي لفرد إلى كيان ما، وهو غير الانتماء الديني أو الانتماء القومي فهي انتماءات لا تتطابق، بل تتقاطع فيكون بينها عموم وخصوص، ونتيجة هذا التقاطع يضم الانتماء السياسي أجناسا مختلفة في العرق واللغة والدين، ويبقى الرباط السياسي بينها هو المواطنة،  ينظر: جمال الدين عطية محمد، نحو فقه جديد للأقليات، دار السلام، القاهرة، مصر، 2007م. ص 80-81.

وقد حاول طارق البشري تأسيس المواطنة على معيار المشاطرة في تحرير البلاد من الاستعمار واستقلالها وتوحيدها ، واستخراج معايير فقهية لضبط العلاقة بين المسلمين وغيرهم من مبدأ الولاء والصفاء، وهذا تأكيد منه للتأسيس الأول للمواطنة منذ وثيقة المدينة والآية 72 من سورة الأنفال، ينظر: طارق البشري: حول أوضاع المشاركة في شؤون الولايات العامة لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، مجلة المسلم المعاصر، العدد69/70، 1994م، ص 213-216

وللمواطنة مفهوم آخر متطرف، قائم على وطنية التراب أو القومية العرقية أو ذات المضمون العلماني الدنيوي، ينظر: راشد الغنوشي، حقوق المواطنة، حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 1993م، ص 10.

ينظر أيضا: مدخل إلى فقه الأقليات: نظرات تأسيسية، طه جابر العلواني، مجلة إسلامية المعرفة، السنة الخامسة، العدد التاسع عشر، واشنطن، ص 13.

[4] -  الضوابط المنهجية لفقه الأقليات المسلمة، صلاح الدين سلطان، المجلة العلمية للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، إيرلندا ، دبلن، جوان 2004،العدد4و 5 ص  21، بتصرف.

[5] - التجنس، محمد الشادليالنيفر، تونس، 1985م، ص 330.

[6] - منطلقات لفقه الأقليات، العربي البشري، المجلة العلمية للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، إيرلندا ، دبلن، جوان 2004، العدد 4/5، ص232، بتصرف.

[7] - الضوابط المنهجية لفقه الأقليات المسلمة ، صلاح الدين سلطان، المرجع السابق، ص 21 ، بتصرف.

ينظر أيضا: الأقليات المسلمة في العالم،مسعود الخوند، الشركة العالمية للنشر، بيروت، ط2، 2006م، ص 161-162.

[8] - في فقه الأقليات المسلمة،يوسف القرضاوي، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2001،ص28.

[9]- فقه المواطنة للمسلمين في أوربا، عبد المجيد النجار، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لجنة التأليف والترجمة، سلسلة قضايا الأمة 4،  2009م ، دبلن، ص 6-7-8، بتصرف.

ينظر أيضا: التأصيل لفقه الأقليات، ضرورته وموجهاته، عبد المجيد النجار، الحلقة الأولى، المصدر:http :llwww.islamonline.net/livefatwa/Arabic

[10] - سورة الحجرات الآية 13

[11] - سورة البقرة، الآية 143

[12] - سورة البقرة، الآية 30

[13] - فقه مواطنة المسلمين في أوربا لعبد المجيد النجار ، مرجع سابق، ص 27-28

[14] - فقه مواطنة المسلمين في أوربا لعبد المجيد النجار ، مرجع سابق، ص29، بتصرف

[15] - للمزيد ينظر:  فقه مواطنة المسلمين في أوربا لعبد المجيد النجار ، مرجع سابق، ص 29-30 – 31 بتصرف

[16] - قضايا البيئة من منظور إسلامي، لعبد المجيد النجار،1999.

[17]- أزمة البيئة ومقترحات علاجها، آل قور، ترجمة : عواطف عبد العزيز، طبعة الأهرام القاهرة ، 1994، نقلا عن فقه مواطنة المسلمين في أوربا، مرجع سابق، ص 33

[18] - للمزيد من التفاصيل ينظر إلى فقه مواطنة المسلمين في أوربا لعبد المجيد النجار ، مرجع سابق، ص 122-123