الجمعة, 08 آذار/مارس 2019 10:43

المرأة بين مطرقة التقليد وسندان التغريب

إن الحديث عن المرأة حديث عن مخلوق كريم أنيطت به رسالة عظيمة كأخيها الرجل، رسالة العبودية لله تعالى "يا أيها الناس اعبدوا ربكم"، ورسالة إعمار الأرض والاستخلاف فيها يقو ل تعالى "إني جاعل في الأرض خليفة".

ولكي تقوم المرأة بأدوارها المنوطة بها يجب أن تتحرر من شكلين من أشكال المظالم : مظلم التقليد أو التشديد باسم الإسلام, ومظلم التغريب والتفسيق بالانسلاخ عن الإسلام.

فقد تعرض موقع المرأة إلى سوء فهم خلال عصور الانحطاط وإلى تأويل فاسد لنصوص الكتاب والسنة بل تجاوزه إلى حد وضع أحاديث مكذوبة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى الانتصار لتقاليد موروثة بدل العودة للسنة التطبيقية المحمودة :  فحبسوها في البيت لا تخرج لعلم ولا عمل ولا تساهم في أي نشاط يخدم المجتمع !! وحددوا  معالم المرأة الصالحة فهي التي لا تخرج إلا مرتين مرة إلى بيت زوجها و مرة إلى قبرها !! وادعوا أن صوتها عورة بل كلها عورة مع العلم أن طلب العلم فريضة على الرجال والنساء وأن أمهات المؤمنين القدوة ونساء الصحابة والسلف بلغن مكانا عظيما في العلم والفقه ورواية الحديث، بالإضافة إلى الشعر والأدب، فهاته عائشة رضي الله عنها  الفقيهة الملهمة تعلم الصحابة رضوان الله  عليهم، وهاته الشفاء تعلم حفصة الكتابة والقراءة فتحفظ عندها نسخة القران الكريم التي اعتمد عليها الخليفة الراشد عثمان بن عفان  في نسخ المصحف الشريف...

وعلى منوالهن سارت الصالحات فهذه ست القضاة بنت علي بن محمد البواب سمعت أبي القاسم الربعي وسمع منها علي الزيبيري !! وهذه محدثة دمشق عائشة بنت محمد جدها محمد بن قدامة روت عن خلق كثير وروى عنها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري..!! ونماذج مغربية أخرى سنفرد لها حديثا خاصا.

حتى المساجد منعت المرأة من الذهاب إليها لحضور صلاة أو موعظة مع العلم أن النساء في العصر النبوي كن يشهدن الجماعة حتى العشاء والصبح، ورسول صلى الله عليه وسلم يقول "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، والصحابية الجليلة بينت أنها ما حفظت سورة "ق" إلا من في الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها في صلاة الجمعة.

كما ألغوا كذلك عقلها وحرموها من المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية وجاؤوا بحديث لا أصل له (شاوروهن وخالفوهن)، وهو مخالف لما جاء في القرآن الكريم في قصة ملكة سبأ ذات الرأي الراشد التي أنقذت قومها من حرب طاحنة، ومخالف كذلك لما تبث في السنة من مشاورته صلى الله عليه وسلم لزوجه أم سلمة في غزوة الحديبية وأخذ برأيها الذي كان فيه الخير والصواب.

هذه بعض ملامح مظلمة التقليد التي حدت من قدرات المرأة وهمشت طاقاتها باسم الإسلام وهذا ما انزل الله به من سلطان.

وإذا كان الأول يجعلها كلها عورة يجب أن تختفي كلية، فإن الثاني يجعلها جسدا مستباحا لا شيء فيها عورة!! فهم احضروا أنوثتها وألغوا إنسانيتها !! جعلوا العلاقة مع الرجل علاقة لغم وصراع !!  حشروها في مهن لا تليق بأنوثتها وظلموها بتسليعها واعتبارها سلعة عبر الإعلام و الإشهارات الإعلانية.

في مقابل هاتين المظلمتين التي عانت منهما المرأة ومازالت، نجد أن الرحمة  كل الرحمة في المنهج الطبيعي : منهج الوسطية والاعتدال الذي اعتمدته الشريعة السمحاء من خلال آي القرآن الكريم والسنة النبوية العملية التطبيقية واستدعاء الممارسة النبوية الصحيحة تجاه المرأة.

فالأصل في خطاب الشارع قرأنا وسنة أنه موجه للرجال والنساء سواء بسواء بدء من تقرير الكرامة الإنسانية إلى تقرير المسؤولية الجنائية، ويظل الأصل هو المساواة والفوارق استثناء، قال ابن رشد "الأصل ان حكمهما واحد إلى أن يثبت في ذلك فارق شرعي ".

وقد حدد عبد الحليم ابو شقة في كتابه "الجامع" الذي يعد مرجعا أصيلا لمن يريد معرفة رؤية السنة النبوية  للمرأة في عصر الأنوار" تحرير المرأة في عصر الرسالة"، بعض مظاهر هذا الخطاب :

- الرجل والمرأة من أصل واحد :"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".

- ولهما المسؤولية الإنسانية الواحدة :"فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ".

- ولها استقلال في شخصيتها واختيارها بين الكفر والإيمان "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط.... "، "وضرب الله مثلا للذين امنوا امرأة فرعون.... "، وغير ذلك من مظاهر التكريم الإلهي للمرأة بصفتها خلق لها كامل الأهلية والصلاحية كأخيها الرجل.

سعيدة حرمل