طباعة
الأربعاء, 20 شباط/فبراير 2019 15:25

الفضاءات التريوية الطبيعية للمسلم ودورها في الارتقاء التربوي (2)

2- المسجد :

من المحاضن الطبيعية والأصيلة في الإسلام، والتي لها بصمات واضحة في تزكية النفوس المساجد بيوت الله، فالأصل في المسلم الرسالي أن يكون شامة في مسجد حيه يعرف بحضوره في الصفوف الأولى بمواظبته والتزامه ومساعدته للمصلين وتنظيم صفوفهم والسؤال عن غائبهم. فهنا الرحمة، هنا الدعوة، هنا الرسالة.. يقول تعالى "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والإبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب "سورة النور.

لقد جمعت هذه الآية كل معاني التزكية واشتملت على قيم الارتقاء الإيماني والوجداني في ربط بديع بين المسجد ورسالته، يقول غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب "يعد المسجد في التصور الإسلامي الجامع مركز الحياة الحقيقي عند العرب فهم يتخذون من المساجد محلا للاجتماع والعبادة والتعليم والسكن. ...... ومن توابع المسجد حمامات وفنادق ومدارس ... وهكذا يتجلى اختلاط الحياة الدينية بالحياة المدنية عند المسلمين فتتآلف مداخن المصانع بجانب مآذن الجوامع  فيتوافق عند المسلم معركة تهذيب النفس مع معركة تكرير النفط... ".

قال الرسول صلى الله عليه وسلم "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط"!! ومن الأمور التي أحدثها المغاربة خصوصا والتي أبانت عن حكمة وفضل عظيم في حفظ كتاب الله وتوريثه للأجيال كانت قراءة القران بين المغرب والعشاء وأول من احدث نظام الحزب الراتب كان هو الخليفة يوسف بن عبد المومن الموحدي حيث يتم بهذه الطريقة ختم القران كل شهر والشاطبي يقول إن ابن تومرت مؤسس الدولة الموحدية هو أول من استحدث قراءة الحزب الراتب !! جاء في كتاب التلاوة المغربية للقران الكريم لأحمد الراضي "وحتى يستمر المغاربة على حفظ القران وتلاوته ويرتبطوا به ارتباطا وثيقا في سلوكهم وأخلاقهم أوجبوا قراءة حزبين كل يوم بحيث يجب على المتهاونين والذين تستغرق أشغالهم جميع أوقاتهم أن يقرأوا حزبين وهذا حد أدنى لذلك الحزب الراتب.

3 - صلاة الجمعة :

من الفضاءات التربوية لتزكية المسلم صلاة الجمعة : استراحة أسبوعية من عبث الحياة وضنك العيش فقد تغفل أسبوعا فيأتي بك ربك إليه يوم الجمعة!!  مرة في الأسبوع :هنا اجلس! لا تتكلم بل استمع "فمن لغى فلا جمعة له "هنا الغسيل الروحي! هنا التطهير الأسبوعي!! فلا جدال ولا نقاش!! بل استمع إلى مراد ربك منك لتنال الرحمة والمغفرة "انصتوا رحمكم الله انصتوا رحمكم الله انصتوا يغفر لي ولكم الله "!! سجل حضورك باكرا في لائحة الحضور التي تشرف عليها الملائكة شخصيا في لجنة الاستقبال على بوابات الرحمة، فعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "انه إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون من جاء من الناس على منازلهم "، وفي رواية "على كل باب مسجد يوم الجمعة ملائكة يكتبون مجيء الرجل فإذا جلس الإمام طويت الصحف "رواه البخاري.

ولم يقتصر الأمر على الرجال المفروضة عليهم شرعا بل حتى النساء لمن يتيسر لها الأمر فهذه الصحابية الجليلة أم هشام بنت الحارث ابن النعمان تقول "ما أخذت ق والقران المجيد إلا من في الرسول صلى الله عليه وسلم  يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس ".

4 - صلاة العيدين :

هي مراسيم استعراضية جماهيرية للأمة تبرز قدرة الله على جمع المسلمين في زمن واحد و مكان واحد يراها المسلم فتزكو نفسه و يزاد يقينا في حكمة هذا الدين والإيمان به فتصبح الأعياد لمن تبصر بعقله فيها محضنا تربويا رفيع المستوى يحضره مرتين كل سنة فيحرص عليها ويحض الآخرعليها كما جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تخرُجُ العواتِقُ، وذواتُ الخُدورِ، أوِ العواتِقُ ذواتُ الخُدورِ، والحُيَّضُ، ولْيَشهَدنَ الخيرَ، ودعوةَ المؤمنينَ ، ويعتَزِلُ الحُيَّضُ المُصلَّى . قيل لها: الحُيَّضُ ؟ فقالتْ: أليس يشهَدُن عرَفَةَ. رواه البخاري "فكان المغزى والمقصد من الحضور هو شهود الخير ودعوة المسلمين!!!

5 - الحج:

ومن الفضاءات القوية للتزكية الروحية الحج ومناسكه وأسراره ومقاصده، فالمسلم مطالب بدخول المسجد لحضور الصلوات اليومية ثم حضور الجمعة كصلاة أسبوعية ثم إذا تيسر الأمر الحضور إلى العالمية، هنا تلتقي بالعالم كله : أبيضه وأسوده وأصفره، رجاله و نسائه، صغيره وكبيره، فقيره وغنيه..  هنا التزكية العالمية فلست وحدك على الدرب فالكل هنا يرجو شيئا واحدا السعي المشكور والذنب المغفور!!!

سعيدة حرمل