الجمعة, 09 آذار/مارس 2018 11:39

الشيخ محمد الغزالي والقرآن الكريم

القرآن الكريم هو أول منطلقات الشيخ الفكرية، وأعظم مرتكزاته، فهو مصدره الأول، الذي يغترف منه صباحه ومساءه، فلا يشبع ولا يفتر، وهو جنته الدانية القطوف، التي يتفيأ ظلالها، ويقتطف من ثمارها، وهو الصاحب الدائم الذي يعيشه تاليا متدبرا، وشارحا مفسرا.

فهو يراه "خلاصة ما أنزل الله من وحي في القرون الأولى، وقد توافر له من الحفظ والصون ما ضمن له الخلود، ولا يوجد في الأولين والآخرين كتاب وعته القرائح وسجلته الصحائف وحفه التواتر حرفا حرفا إلا هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فلو سأل سائل: أين وحي الله في هذا العصر؟ لما كانت الإشارة إلا إلى هذا القرآن، ولا الإشادة إلا بكلماته التي غلبت الفناء.. ( )"

ويبين الشيخ وظيفة القرآن ومهمته مقارنة بغيره مما حبر الناس وأنتجوا:"هذا الكتاب يعرف الناس بربهم، على أساس من إثارة العقل، وتعميق النظر، ثم يحول هذه المعرفة إلى مهابة لله، ويقظة في الضمير، ووجل من التقصير، واستعداد للحساب. هناك أفكار أرضية، تبتدئ وتعيد في نطاق الحمأ المسنون، أما القرآن فهو يدع الناس يمشون في الأرض بعد أن يجعل رؤوسهم في السماء( )".

والقرآن هو الذي يمنح المسلم رؤية كاملة ومنهجا متماسكا، يجعل من الحياة خطوطا متوازية لا تصطدم مهما امتد الزمن، فتجعل العلم مع الإيمان، أو تجعل ما وراء المادة مع المادة، أو تجعل السرائر الباطنة مع المشاعر الحسية، لا فواصل بينها( )".

ومن سمع الشيخ أو قرأ كتبه ومقالاته، منذ فجر شبابه، علم علم اليقين: مدى حفاوته بالقرآن، وتذوقه لأسرار بيانه، وتفهمه لأغوار معانيه، وحسن استشهاده به، ووجد له نظرات ووقفات مع الآيات والسور، تدل على أنه ابن القرآن حقا( ).

أول مصادر الشيخ إذن هو القرآن، به يحاكم السنن، ويحاكم الفقه، ويحاكم القياس، ويحاكم كل شيء إلى القرآن، لهذا رفض كل ما لا يتفق مع القرآن.

وقد بدأت علاقة الشيخ بالقرآن منذ سنواته الأولى، في كُتَّاب القرية بالحفظ المجرد من الفهم والتدبر، بحكم المرحلة العمرية، ثم بدأ الشيخ مع نموه العقلي رحلته الفكرية مع كتاب الله، "وأصبح القرآن لديه دائرة معارف دنيوية وأخروية، لم تفرط في شيء، وإن حدث تفريط فهو من المسلمين الذين لم يحسنوا التعامل مع كتاب ربهم، دائرة معارف أشبه بالمائدة التي تقدم كل أصناف الغذاء الروحي والذهني، في قالب جذاب للعقل والقلب، معا( )".

ففي مجال العقيدة يراه مصدره الأساس، ففي مقدمة كتابه «عقيدة المسلم»، يفصح الشيخ عن مصدره الرئيسي في استمداد العقيدة حيث يقول: "وقد رأيت أن أسوق الأصول العلمية لعقيدة المسلم، انتفاعاً بما اكتنف جوانب التاريخ الإسلامي من أحداث، وتوخياً للسير في هدي النصوص المجردة من الكتاب والسنة( )"، ويقول في موضع آخر: "ولم أتكلف لذلك إلا أن أجعل نصوص الكتاب والسنة نصب عيني( )".فالقرآن الكريم هو مصدر العقيدة، لأن حديث القرآن عن الله عز وجل، "يشعرك بأن قدرته وراء النواة التي تتكون نخلة، وهي في الوقت نفسه وراء الفجر الذي يشق الظلمة ليتحول ظهرا، وعلى هذا الأساس ينهض الإيمان الحق، وعلى ضوء تلك المعرفة تحيا العلاقة بالله، لأنها علاقة إحساس بوجوده، وملاحظة لصفاته، ومتابعة لآثاره هنا وهناك( )".

من أراد جوهر الإيمان وصدقه وعمقه فعليه بالوحي، فالإيمان فيه مبسوط، "فالكلام عن أركان الإيمان مبسوط الأطراف في كتاب الله وسنة رسوله، وهو كلام يمتاز بالوضوح والجمال، ومن هنا تجاوب مع العقل والقلب، وفتح له الإنسان أقطار فكره وعاطفته... والواقع أن حديث القرآن الكريم عن الله جل شأنه لم يتسم فقط بالصدق العقلي، وقوة الحقيقة التي تتساقط من حولها الشبهات، بل اتسم أيضا بصفاء الجوهر، صفاء ستهوى الأفئدة ويشوق الأنفس( )".

"إنه الكتاب الفذ الذي يجعل الإيمان أول نتائج العلم، والذي يحض على النظر في عالم النبات والحيوان والجماد، لأنه لا يخشى عقبى هذا النظر، بل يرى أن هذا النظر أداة لمعرفة الله وخشيته... ( )"

ويقول في موضع آخر: "ليت المسلمين استقوا عقائدهم تصورا وتصويرا من القرآن وحده! إذن لأراحوا واستراحوا( )".

لذلك يلاحظ القارئ لكتابه «عقيدة المسلم» كثرة الشواهد من القرآن والسنة لربط الإيمان بمصادره الأساسية خلافا لما عليه كتب علم الكلام، يقول الشيخ مبينا سبب ذلك:

"ولا يستكثرن القارئ إيراد الشواهد منها، يعني من الآيات والأحاديث ـ فإن لذلك حكمة مقصودة تعرف بعد مطالعتها في سياقها( )"

ولا يقتصر عرض العقيدة في كتابه السالف، فكتب الشيخ كلها تفصح عن ذلك، حتى المجالات التي درج الناس على إخراجها من دائرة العقيدة بحكم التقعيد الفني الذي ذهبت معه جواهر الأشياء وطبيعتها الأصلية.

لذلك ينتقد الكتب الكلامية لخلوها من الاستدلال القرآني، ويراها قاحلة بسبب هذا النقص الكبير:

"ومن العجيب أنك تقرأ في أمهات الكتب الكلامية، وتطوي الصفحات الطوال، فلا تكاد تعثر على آية أو حديث، إلا اقتباسات يسيرة، تبدو كالزهرات المنفردة في الأرض السبخة، ربما استراح عشاق البحث الفلسفي المجرد لهذه الكتب، ولا عليهم! لكن هذا لا يغنينا عن عرض العقيدة الخالصة حقائق تتصل عن قرب بمصادرها الأولى( )".

لقد تكوّن الشيخ الغزالي - عقلاً ووجداناً - في مدرسة القرآن الكريم، حتى لا نبالغ إذا قلنا: إنه قد جاء ثمرة طيبة من ثمرات هذا القرآن الكريم، ولذلك فإن علاقته بهذا القرآن لم تقف فقط عند التلاوة والترتيل والحفظ والفهم والتفسير، وإنما كانت معايشة لهذا القرآن الكريم، يقول الشيخ: "درست القرآن الكريم فعرفت ربي معرفة حسنة وأحببته وأعززته، ثم نظرت إلى الحياة والأحياء ـ بعد هذه الدراسة ـ نظرة تصل المخلوق بالخالق، والعالم أجمع بمدبره الأوحد، حتى لأتخيل الطاقة التي تدير الآلات وترفع الطائرات بعض آثار القدرة التي تدير الكون كله من عرشه إلى فرشه( )".

وقد لمح الشيخ من مظاهر الخلل لدى المشتغلين بالعلم الشرعي، قصورهم الغريب في تدبر أي القرآن، وتغريدهم خارج معانيه القريبة والبعيدة، ومن ثم الخروج بأحكام قاصرة تضع الإسلام موضع ريبة وشبهة، بل يرى الشيخ الغزالي أن هذه الغفلة عن القرآن قد أضحت مرضا نفسيا وعقليا ابتليت به طائفة من المشتغلين بالحديث، يقول الشيخ:

"والذي أراني مضطرا إلى التنبيه إليه، هو ضرورة العناية بالقرآن نفسه، فإن ناسا أدمنوا النظر في كتب الحديث، واتخذوا القرآن مهجورا، فنمت أفكارهم معوجة، وطالت حيث يجب أن تقصر، وقصرت حيث يجب أن تطول، وتحمسوا حيث لا مكان للحماس، وبردوا حيث تجب الثورة! إن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور في إدراك معانيه القريبة أو الدقيقة عاهة نفسية وعقلية لا يداويها إدمان القراءة في كتب السنة( )".

لذلك يعتبر الشيخ العجز عن فهم القرآن الكريم هو عجز عن فهم الحياة كلها، فنراه يضع فصلا في كتابه المثير للجدل، تحت عنوان:«فقه الكتاب أولا...» ، يقول الشيخ:

"لماذا لا نتدبر القرآن أولا حتى نعرف أبعاد التكاليف التي ناطها الإسلام بأعناقنا،  إنه لا فقه مع العجز عن فهم الكتاب ومع العجز عن فهم الحياة نفسها.. ( )"

وقد عانى الشيخ من هذا اللون من الفقه الذاهل عن فهم القرآن الكريم، المدمن النظر في الأحاديث، لتكون النتيجة ما يسئ إلى الإسلام، ويغري الأعداء بالنيل منه.

يقول الشيخ:"وقد ضقت ذرعا بأناس قليلي الفقه في القرآن، كثيري النظر في الأحاديث، يصدرون الأحكام، ويرسلون الفتاوى فيزيدون الأمة بلبلة وحيرة، ولا زالت أحذر الأمة من أقوام بصرهم بالقرآن كليل، وحديثهم عن الإسلام جريء، واعتمادهم كله على مرويات لا يعرفون مكانها من الكيان الإسلامي المستوعب لشئون الحياة...( )"

"كان الأولون يقرأون القرآن فيرتفعون إلى مستواه، أما نحن فنقرأ القرآن فنشده إلى مستوانا، وهذا ظلم للكتاب( )".

"هذا الكتاب لا غير، تلقفه آباؤنا الأقدمون فصححوا به مسار الحياة، وأبدعوا حضارة أرقى وأزكى مما عرف السابقون، فما بالنا نقرؤه دون وعي، ونخر على آياته صما وعميانا؟( )"

ويرصد الشيخ الغزالي المناهج التراثية في فهم القرآن الكريم والتعامل معه، والتي تلاشى أكثرها اليوم بفعل الجمود الفكري ردحا من الزمن، وغلبة المتون والاجترار والتقليد على ثقافتنا، وغياب القمم العلمية والفكرية التي تستطيع مواصلة المسيرة والتجديد، والتعامل مع القرآن والسنة بمنهجية تناسب العصر الحديث وتحدياته، ومن هذه المدارس، مدرسة المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، والمتصوفة، والفلاسفة.. ( )

"هذه المدارس – يقول الشيخ الغزالي – تكاد تكون اختفت، وما بقي منها الآن إلا أطلال، ولكي تنتعش الثقافة الإسلامية يجب أن تعود هذه المدارس بصياغة جديدة تستمد تصوراتها من القرآن والسنة، وتنزل إلى ساحة الواقع، متبنية المنهج العملي الواقعي بعيدا عن التجريدات الذهنية والمنطق المجرد( )".

وتبقى المدرسة الغائبة التي أهيل عليها التراب مبكرا، ودفع المسلمون الثمن المر لغيابها، هي مدرسة الحسن ابن الهيثم، وجابر بن حيان، والخوارزمي، أي المدرسة القرآنية التي انطلقت من الرؤية القرآنية للسنن الكونية، وتوجهت لكتاب الكون المفتوح تقرأ سطوره، وتتحسس أسراره( ).

وبذلك يتضح أن القرآن الكريم بالنسبة للشيخ هو الإطار المنهجي الضابط ‏لغيره من الأطر والحاكم على موضوعاتها ومضامينها ومناهجها، ولعلَّ ذلك ما يفسر شدّة تعلّق واهتمام الشيخ الغزالي بالدراسات القرآنية، وإلحاحه على تجاوز النظرة الجزيئية في التعامل مع القرآن الكريم، لصالح النظرة الشاملة، عبر التفسير الموضوعي بشقيه، بتحري كل ما ورد في الموضوع الواحد في كل سور القرآن، مثل النبوة في القرآن، والعدالة في القرآن، "لتقديم رؤية قرآنية شاملة ومتوازنة، تنطلق من الواقع وتنتهي إليه، يضاف إلى ذلك النظرة الموضوعية للسورة كاملة، ومعرفة الأغراض التي تدور حولها، بما يكمل الرؤية الشاملة المطلوبة( )".