Thursday, 20 April 2017 11:51

الشورى الحقيقية والشورى الموجهة

كتبه

لا أريد أن أردد ما سبق أن تناوله غيري في شأن الشورى، فيكفي في بيان مكانتها وعظم شأنها أن تكون ضمن سور القرآن الكريم المائة وأربعة عشرة سورة الشورى، ويكفيها أيضا منزلة أن طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، امتثالا لأمر الله تعالى، ثم من بعده صحابته الكرام، أبعد هذا كله نحتاج إلى إعادة ما قال في محاسنها أولئك الأبرار من العلماء الأخيار، الذين أشبعوها بحثا ودراسة، من ذلك الدراسة التي أنجزها أستاذنا العلامة أحمد الريسوني الموسومة بـ(الشورى في معركة البناء). اللهم إلا على وجه الاستفادة والتذكير والإضافة والتمثيل، والتطبيق والتفعيل.

لكني هنا في حاجة إلى بيان الفرق بين نوعين من الشورى، الشورى الحقيقية والشورى الموجّهة، بين الشورى الأصيلة والشورى الدخيلة، وهذا التفريق مقصوده أن يكشف بعض الأطروحات المتحايلة على الشورى باسم الشورى. إذن هناك نوعان من الشورى: شورى حقيقية أصيلة، وشورى موجهة دخيلة:

الشورى الحقيقية هي التى أرسى معالمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومارسها وطبقا على أحسن الوجوه وأرقاها، ممتثلا بذلك قوله تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين." (آل عمران:159) فصيغة الطلب في قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) تفيد الوجوب، وبه في نظرنا يسقط القول القائل بكون الشورى معلمة فقط، والأمر بالشورى في الآية نفسه يدحض هذا الزعم، حيث يجعل الشورى ملزمة ابتداء وانتهاء، وإلا ما الفائدة من كونها معلمة فقط؟ لأجل ذلك ذهب أبو بكر الجصاص في معرض رده على مثل هذا الرأي: "وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدي الأمّة به في مثله ؛ لأنه لو كان معلوماً عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شُووِرُوا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه ، ثم لم يكن ذلك معمولاً عليه ولا متلقًّى منه بالقبول بوجه ، لم يكن في ذلك تطييبُ نفوسهم ولا رفعٌ لأقدارهم بل فيه إيحاشُهم وإعلامُهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول عليها" (أحكام القرآن، الجامع التاريخي لتفسير القرآن)

فالشأن إذن في الشورى الحقيقية أن تكون ملزمة، للأفراد والجماعات، وللهيئات والتنظيمات، وللحكام والمحكومين. قال ابن عاشور رحمه: "وظاهر الأمر أنّ المراد المشاورة الحقيقية الَّتي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارين بدليل قوله عقبه: (فإذا عزمت فتوكل على الله) فضمير الجمع في قوله: (وشاورهم) عائد على المسلمين خاصة." (التحرير والتنوير، الجامع التاريخي لتفسير القرآن).

والشورى الحقيقية إحدى دعائم المجتمع المسلم، والدولة المسلمة، وتجمعات المسلمين في منظمات وهيئات وجمعيات مدنية تسعى إلى الخير والإصلاح، وهي دليل على التحضر والرقي والتمدن. قال تعالى: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون." (الشورى:38) ومن خلال تدبر الآية الكريمة استبان لنا أن هناك علاقة بين هذه القضايا يحددها المقام والسياق، وتحددها أيضا العلاقة الترابطية بين هذه اللبنات الأساسية، فثلاثتها (إقامة الصلاة، والشورى، والإنفاق) تعود حتما إلى القضية المركزية في التصور الإسلامي وهي الاستجابة، والاستجابة لا تحصل إلا بتحصيل الإيمان والمعتقد الصحيح لأنه هو المنطلق، فلا جرم أنه بقدر سلامة هذا المنطلق، تكون أيضا سلامة القضايا الأخرى، فإذن الاستجابة لله تعالى بمثابة المحور الذي تدور عليه جميع أفراد جزئياته، وتعمل في رحابه وإطاره، ويمكن اعتبار دلالة الاستجابة عامة شمولية، تشمل الشرع كله، ومن ضمن ما تشمل القضايا الثلاث الأخرى الواردة في الآية، فخصصت بالذكر لبيان أهميتها. فمن ثمة لا يمكن أن تكون هناك شورى حقيقية من غير أن تكون لها علاقة بباقي القضايا الواردة في الآية، وخاصة القضية المركزية (الاستجابة)، وبحسب ضعف هذه العلاقة تتأثر الشورى تصورا وتفعيلا وتنزيلا.

ومن تتبع استشاراته صلى الله عليه وسلم وجدها حقيقية، لا شية فيها، يجمع الناس فيناديهم في الملأ: "أشيروا علي أيها الناس" قالها بعدما سمع قادة المهاجرين في الخروج لملاقاة قريش حين بلغه خبرها في غزوة بدر، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يسمع رأي الأنصار، وقبيل أحد استشار صلى الله عليه وسلم فأخذ برأي الأكثرية، ويوم الأحزاب أخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق ؛ ويوم الحديبية أشارت عليه أم سلمة زوجه صلى الله عليه وسلم، فأخذ برأيها.

ولهذا فالشورى الحقيقية هي التي تكون من غير سابق إعلام أو تمهيد أو توجيه،. فالناس يعبرون عن رأيهم بكل حرية ومسؤولية دون خوف أو وجل، أو لومة لائم، أو تسفيه أو ازدراء من أحد، المهم هو أن الفرد زمن النبوة لا يجد غضاضة أن يعبر عن رأيه كما قلت بحرية ومسؤولية، كما لا يجد حرجا في نفسه إن لم يقبل رأيه.

أما الشورى الموجهة فهي بخلاف هذا كله، فهي صورة شورى وليست منها في شيء حيث تعمد طائفة من الناس وخاصة أصحاب المذاهب والنحل، والايديولوجيات، والمصالح الخاصة داخل بعض التنظيمات، أو من بعض الحكام إلى توجيه الرأي العام أو بعض أفراده سواء في الخفاء أو العلن، فيعطيهم ذلك النظام الحاكم أو تلك التنظيمات جرعات مما يريدون فيذعنون، أو يرسمون لهم طريقا من حيث لا يشعرون، فتكون النتيجة المتوخاة تحقيق أغراض الموجهين والمرشدين. وهذه ليست –قطعا- هي الشورى الحقيقية الشرعية، التي يكون فيها الفرد خالي الذهن مسبقا من أي توجيه، والحق أن هذا نوعا من الفساد والاستبداد، وضربا من تنكب سبيل الهدى والرشاد.

من هنا نقيد بعض سمات الشورى الموجهة فيما يلي:

       القضاء على حرية الاختيار والمسؤولية، وإحلال محلهما الفردانية والاستبداد بالرأي.

       تغييب الحقائق عن الناس واستبدالها بركام من التزوير والتدليس.

       زرع انعدام الثقة بين الأفراد والجماعات، وبين الحكام والمحكومين، التي تنتج عنها انعدام المبادرة والفاعلية.

       القضاء على التفكير المؤسساتي الجاد في التدبير والتسيير، وفي التوجيه والترشيد، فيطغى على إثر ذلك النمط الصوري، الذي يقتل روح الانفعال من أجل البناء الحضاري.

هذه في تقدير أخطر سمات الشورى الموجهة، التي لا يخفى على عاقل عواقبها الوخيمة على الفرد والمجتمع والأمة، فإذا أردنا أن نبني مؤسسات حقيقية، وتجمعات حقيقية، ودولا حقيقية، فعلينا أن نبني شورى حقيقية وديمقراطية شمولية لا تجزيئية ولا تبعيضية، فالنافع يمكث في الأرض فيحيا فيها، وتنبجس ثماره،"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض."