الجمعة, 07 تموز/يوليو 2017 16:55 Written by 

الحرية وصريح الحرية

قال شيخ العارفين، الجنيد رحمه الله تعالى(ت:298 ه): «إِنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَهُ عَبْدًا وَشَيْءٌ مِمَّا دُونَهُ لَكَ مُسْتَرِقًّا، وَإِنَّكَ لَنْ تَصِلَ إِلَى صَرِيحِ الْحُرِّيَةِ وَعَلَيْكَ مِنْ حَقِيقَةِ عُبُودِيَّتِهِ بَقِيَّةٌ، وَإِذَا كُنْتَ لَهُ وَحْدَهُ عَبْدًا، كُنْتَ مِمَّا دُونَهُ حُرًّا». طبقات الصوفية للسلمي (ت: 412ه) ــــــــــــ الرسالة القشيرية للقشيري (ت: 465هـ)...

المقدمة:

من حق هذا القول عن الحرية، أن يُكتب بماء الذهب، لبيانه الشافي ودقة معناه، كما قال علماؤنا؛ فهذا صاحبُ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني الشافعي(ت:430هـ)، يقول عن الجنيد: ".. فَاقَ أَشْكَالَهُ بِالْبَيَانِ الشَّافِي وَاعْتِنَاقِهِ لِلْمَنْهَجِ الْكَافِي وَلُزُومِهِ لِلْعَمَلِ الْوَافِي".

وقال الصفدي الشافعي(ت:764هـ)، في الوافي بالوفيات: ".. كَانَ الكتّاب يحضرونه لألفاظه والمتكلمون لزمام علمه والفلاسفة لدقة مَعَانِيه".

           وهذا ليس غريبا على "الْمُرَبِّي... الذي كَانَ كَلَامُهُ بِالنُّصُوصِ مَرْبُوطًا وَبَيَانُهُ بِالْأَدِلَّةِ مَبْسُوطًا". (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء). فهو: "الْجُنَيْد الصُّوفِي رَضِي الله عَنهُ، شيخ العارفين وقدوة السالكين وَعلم الْأَوْلِيَاء فِي زَمَانه. أتقن الْعلم ثمَّ أقبل على شأنه. ورزق من الذكاء وصواب الْأَجْوِبَة مَا لم يرْزق مثله فِي زَمَانه". (الوافي بالوفيات).

تمهيد:

        ومناسبة الحديث عن هذا الموضوع، شيوع الكلام إلى حد الوله، في السنوات الأخيرة، عن الحرية السياسية وما يتفرع عنها من حرية فكر وإعلام وفن.. واعتبار تلك الحرية أصل الحريات وغايتها؛ فقد بلغ التعلق بها إلى درجة أن أقيمت من أجلها ثورات، وأسيلت على مذبحها دماء، وقطعت على مقصلتها رقاب..

        ودون الحديث عن تفاصيل عورات الحرية السياسية في ثوبها المعاصر، أو الكلام عن تعدد صورها عبر التاريخ، تبعا لتنوع عادات الشعوب وثقافاتهم، وأنها لا تنحصر في الشكل المنبهَر به اليوم، ودون التساؤل حول: هل حقق المستضعفون، من خلال هذه الحرية السياسية، أمنيتهم في حكم عادل أم لا؟ ثم من كان حقيقة، سدا منيعا على طريق هذه الأمنية...؟

        بغض النظر عن هذا وغيره، يمكن القول إن تضخيم أمر الحرية على النمط الغربي، إلى درجة الانبهار والتبشير بها (1)، واعتبارها الغاية والمنتهى لكل الحريات، وبالتالي تقديم الغالي والنفيس قربانا لها؛ هو في المقابل، تغييب لمعنى سام للحرية وجهل به، أقصد مقام "صريح الحرية"، الذي لا يتحدث عنه، في زمان المادة هذا، إلا قلة من المسلمين خرجت من الدنيا، ولا يعرف قيمته، في عصر التكنلوجيا الخداعة، إلا تلك الزمرة التي تذوقته، وخالط بشاشة قلبها.   

المحور الأول: مفهوم صريح الحرية:

        إن هذا المعنى الرفيع للحرية مقام عبودي على مدارج السالكين، سماه الجنيد رضي الله عنه: " صريح الحرية"، أي خالصها، غير المخلوط بشيء. قال أهل اللغة: الصَّريح: الخالص من كل شيء، ويقال لبن خالص إذا لم يمذق أي لم يمزج بماء. وفلان صريح النسب أي غير مشوب..

فالحرية اليوم، بجميع أصنافها وأشكالها، لن تبلغ مقام "صريح الحرية" إلا إذا كانت خالصة مما دون الله عز وجل، أي ألا يسترقها شيءٌ من غيره سبحانه وتعالى، ولو كان أحقر شيء وأتفهه، وإلى هذا المعنى أشار الجنيد رضي الله عنه، لما سئل عمن لَمْ يبق عَلَيْهِ من الدنيا إلا مقدار مص نواة فَقَالَ: المكاتب عَبْد مَا بقي عَلَيْهِ درهم. الرسالة القشيرية. 2/372. ونبه أيضا، إلى ذلك بقوله: " وَإِنَّكَ لَنْ تَصِلَ إِلَى صَرِيحِ الْحُرِّيَةِ وَعَلَيْكَ مِنْ حَقِيقَةِ عُبُودِيَّتِهِ بَقِيَّةٌ..".

        إن الحرية السياسية الغربية اليوم، هي بلغة سادة الطريقة غير صريحة وغير حقيقية بالمرة، لأنها لم تخلص عن رق الأغيار، بل على العكس تماما، تمردت على الله سبحانه، ثم على الأخلاق..

وهي بلغة الأستاذ الفيلسوف طه عبد الرحمان حرية منقلبة إلى عبوديات مختلفة، منها: عبودية العقل والسوق والقانون والجماهير والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي...         

        وقبل ذلك كله، هي بلغة القرآن الكريم، عبودية الهوى، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23]. ومن أبين علامات عبادة الهوى: التقلب والتبدل، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَرَبِ يَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدَ أَحْسَنَ مِنْهُ أَخَذَهُ وَأَلْقَى الْآخَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}. المستدرك على الصحيحين. رقم: 3689، وغيره.

        فلعمري، ما أصدق هذا الحديث على واقع الغرب اليوم، وما تقنينه مؤخرا، للعلاقة المثلية بعد أن كان يجرمها، إلا مثال واحد على هذا التقلب والتبدل، الناتج عن عبودية الهوى.. بل هو واقع أنجس وأقبح مما كان عليه العرب قبل الإسلام، لما كانوا يتركون عبادة حجر متى ما وجدوا الذي هو أحسن منه، أو عند ما كانوا يصنعون إلاها من حلوى فيعبدونه، ثم يأكلونه عند الجوع. 

        وقد نهانا ربنا سبحانه، عن طاعة من يعبد هواه، واعتبره عز جل، أضل الناس ومن القوم الظالمين، قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف.  وقال تعالى: "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) القصص.

المحور الثاني: سلم مقام صريح الحرية:

        إن مقام صريح الحرية لا يبلغه إلا من أتم العروج إليه عبر سلم حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى، حقيقة تتمثل في كمال العبودية، وذلك، بتوحيدها له سبحانه وتعالى، دون غيره، حتى يصير العبد مما دون الله عز وجل، حرا تام الحرية. قال سيد الطائفة، الجنيد رضي الله عنه: وَإِذَا كُنْتَ لَهُ وَحْدَهُ عَبْدًا، كُنْتَ مِمَّا دُونَهُ حُرًّا».

        وفي هذا المعنى قَالَ الأستاذ أبو عَلِي الدقاق رحمه اللَّه(ت:406ه): "واعلم أَن حقيقة الحرية فِي كمال العبودية فَإِذَا صدقت لِلَّهِ تَعَالَى عبوديتُه خلصت عَن رق الأغيار حريتُه". الرسالة القشيرية ــــ باب الحرية ـــــ 2/371

        وَقَالَ بشر الحافي(ت:227 ه): "من أراد أَن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين اللَّه تَعَالَى". نفس المصدر.

        وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور(ت: 309ه) "إِذَا استوفى العبد مقامات العبودية كلها، يصير حرا من تعب". المصدر نفسه.

        وهذا إِبْرَاهِيم بْن أدهم يَقُول(ت:161ه) "إِن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أَن يخرج منها". نفسه: 2/373

        إن بلوغ مقام صريح الحرية يجعل المسلم حرا ولو كان مسترَقا، كما كان شأن الصحابي الجليل بلال رضي الله عنه، وهو يعذب في رمضاء مكة؛ فقد كان يقول على مسمع سيده وكبراء القوم، في عزة وشموخ: أحد أحد.. ومن قصُر عن هذا المقام، ولو بقليل، كان مسترَقا ولو كان حرا. إنها معادلة العبد الحر والحر العبد، التي يدل عليها مقام "صريح الحرية".

الخاتمة:

  إن على المسلم اليوم:

         أولا، أن ينشد حرية ثابتة غير منقلبة، حتى لا يُلقى به في صحراء الضلالة، فيظلم نفسه وغيره؛ وهي حرية لن تتحقق إلا بالاستناد إلى هدى من الله، فتصير صريح الحرية، بعبارة سيد الطائفة. قال تعالى: "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (50) القصص.

         وثانيا، أن يبرِّز هذه الحرية ويدعوَ إليها، في كل وقت وحين، لإنقاذ البشرية المتعبة من العبوديات التي تتعدد، في زماننا، أشكالُها البراقة، وصورُها الخداعة؛ فكثير من المغفلين يعتقدون أن زمن العبودية قد ولى، لكن هيهات هيهات.. 

       وثالثا، ألا يتوهم أن الحرية السياسية المعاصرة، طريق لصريح الحرية؛ بل سُلمها، كما سبق الحديث، أن يستوفي العبد مقامات العبودية كلَّها، ببذل المجهود، لقول سيد الطائفة: "فتح كل بَاب شرِيف بذل المجهود" طبقات الصوفية: 133. وأصل هذا، قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. العنكبوت: 69. والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

1-كما وقع للأستاذ المقرئ الإدريسي، فبعد أن تنسم هواء أمريكا، قدم محاضرة، قدم محاضرة منذ سنوات، كلها حماس وانبهار بأمري الحرية والعلم في ذلك البلد!؟ وقد ابتدأ محاضرته بقوله: يسلم عليكم اثنان من أمريكا: الحرية والعلم!؟