الإثنين, 14 كانون2/يناير 2019 12:27

الثقافة الرسالية، ونزاع الأنسنة والتشييء

" لا يمكن أن توصف حياة محمد التاريخية بأحسن مما وصفها الله تعالى بقوله (وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين)، كان رحمة حقيقية، ....وإني أصلي عليه بلهفة وشوق وعلى أتباعه ".(المستشرق الإسباني جان ليك).

معلوم أن "الرسالية" كرؤية وممارسة، ارتبطت نشأتها بكتاب الله وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن حيث صيغتها اللفظية كذلك، فالإشتقاقات اللغوية لكلمة الرسالية، ك "الرسول، أرسلناك، رسالات..." وغيرها، فتقارب خمسمائة لفظ في القرآن الكريم، ومع ذلك لم يشهد - هذا المفهوم - تداولا لافتا في أدبيات الدعوة، أو استعمالا في إنتاجات الحركة الإسلامية كما هو واقع اليوم. وفي المقابل نجد مصطلحات أمثال " المبلغ، الداعية، المؤمن... وغيرها "، قد لازمت البدايات الأولى لنزول كلمات الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن وعلى الرغم من ذلك، يبقى مفهوم "الرسالية" أكثر احتضانا لجوهر الرسالة المحمدية، وأجلى بيانا للمفاهيم المعبرة على مضامين الدعوة الإسلامية وروحها.

أولا: الرسالية والغائية الثقافية

"حياة المجتمع التي بدونها - أي بدون ثقافة - يصبح مجتمعا ميتا ".

كتاب "مشكلة الثقافة"، مالك بن نبي:

عندما نؤسس لحاجة ما، أو قضية معينة، ونربطها بأهداف وغايات محددة، فإن انتقال هذه الحاجة أو القضية، من دائرة الذات إلى التعلق بمجال الأهداف والغايات، يحول هذه - القضية أو الحاجة - بالإقتضاء إلى ما ينعت بإسم "المشروع". ومن المسلم به، أن صلاحية مشروع كيف ما كان واستمراره، إنما يدوران مع أهدافه وغاياته، وجودا وعدما، لزوما وانتفاء.

أما الثقافة فهي تتجاوز حدود الحاجة الفردية، وتتخطى الحركات العابرة، والغايات والأهداف المرحلية والمؤقتة، لتتحرك وفق منهج إنساني، موسوم بالصيرورة والشمولية، ومتفاعل اجتماعيا مع مختلف القضايا والحاجات، انطلاقا من الرؤى والمعارف النظرية حول الدين والكون والإنسان.

ولا ريب أن مجتمع النبوة الذي نشأ وتربى في ظلال نزول البيان الإلهي، قد مثل ثقافة معرفية أنموذجية، ومعيارا للتأسي العملي، ليس من التأسيس إلى الإكتمال فحسب، بل صاحب جميع مراحل بناء الدولة الإسلامية التي مرت منها، فكل مرحلة تعد أنموذجا لما يضاهيها ويقابلها من الظروف والمتغيرات التي يتقلب فيها المجتمع المسلم عبر امتداده الزماني والمكاني، ومن جهة ثانية، من حيث سريان سنن الواقع والتاريخ على كل مرحلة، والتي لا تهمل أيا كان ولا تحابيه، من إقبال وإدبار، وقوة وضعف، ومرض وعافية، بزوغ وأفول...

فإدراكنا لرسالة الإصلاح النبوي، ووعينا بأطوارها وأبعادها، وتمييزنا بين ثوابتها و متغيراتها، يولد قناعة ثابتة أن الثقافة الرسالية هي الأوسع نطاقا، والأكثر شمولا من عموم المشاريع الإصلاحية اللحظية، والتي ينتهي عمرها بنهاية أهدافها وغاياتها، فالرسالية منهج نظري وتطبيقي لثقافة إنسانية حية، ممتدة ودائمة بدوام الإنسان، لا تتقيد بحدود الزمان ولا بجغرافية المكان، وتتعدى خطوط الغايات والأهداف الظرفية والمؤقتة.

ثانيا: الفارق بين الثقافة الرسالية، وثقافة التشييء

1 - من معالم الثقافة الرسالية

استمداد الثقافة الرسالية لميزتي الأصالة والمشروعية، يعودان إلى مصادر الدين الإسلامي الأصيلة والمباشرة، أي القرآن الكريم، وسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم باقي التعابير النظرية والعملية، - الغير المباشرة - التي أنتجها العقل المسلم خلال أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن.

فإلهية المصدر وموثوقيته، قد أضفتا على الثقافة الرسالية صدقية وجدارة كبيرتين، فلم يتعرض - المصدر - منذ أن نزل للتزوير أو التحريف، بالزيادة أوالنقصان، بل بقي على براءته الأصلية، محفوظا معصوما من عبث العابثين وانتحال المبطلين، بحفظ الله له، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي كنف هذه الثقافة، يتربع الإنسان على عرش المركزية الكونية، ويتمتع بالسيادة على ما سواه من الموجودات، كما أن إنسانيته تبقى الموضوع الأساس والغاية الفضلى لأية عملية إصلاحية أو تغييرية، لكن وعلى الرغم من أن الإنسان قد اكتسب رصيدا معتبرا من الأخلاق العليا، وحاز قدرا لائقا من القيم الإنسانية عبر التاريخ، فإنها - ومع ذلك - لم تنل ما تستحق من الصفاء والطهر إلا في ظل الرسالات السماوية، ولم تتحول صفاته المشينة والسلبية "ضعيف، يؤوس، ظلوم، مجهول...." إلى أخلاق إيجابية إلا حين تفاعل الفرد مع رسالة السماء، بل لم يتجل كمال الأخلاق، وإنسانية القيم في أفضل صورهما إلا مع عميد الرسل وسيدهم، محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان الإنسان هو مركز المكونات - بفتح الواو-، فإن الرسالية هي نواة الثقافة الإسلامية ولبها، وهي نفخة الروح التي بثها محمد صلى الله عليهم وسلم، ليس -فقط- في إنسان شبه الجزيرة العربية دون غيره، بل في كيان الحضارة الإنسانية بوجه عام دون فرض أو إكراه، فانتشل بذلك الكثير من الناس من وحل المادة، وحررهم من قيود التشييء، انطلاقا من بصائر الوحي، وهداية السماء، من خلال قيم رسالية تستند إلى ثلاثة عناصر مركزية، (-إلهية المصدر، 2- شرعية الوسائل، 3- أنسنة الهدف والغاية)، و كذلك عبر رؤية عقيدية ذات أبعاد ثلاثية، تتعلق ب ( 1- أصل الإنسان، 2- وظيفته الوجودية، 3- مصيره ومستقبله ).

2 - في الفارق بين التشييء والأنسنة

من المعلوم من قوانين الحضارة بالضرورة، أن ما من ثقافة ترتقي وتزكو إلا بقدر ما تحققه من أهداف إنسانية على أرض الواقع، وما تنتجه من إصلاح لمشاكل الإنسانية، والمثقف حقيقة - بغض النظر عن مرجعيته الثقافية - هو ذاك الشخص القادر على مواجهة مشكلات الإنسان وأحداث العصر، وهو ما يصح أن نطلق عليه بعملية "أنسنة الثقافة".

والبشرية منذ وجدت، احتجبت خلف أسوار الأشياء الظاهرة، وتوهمت الوجود لا يعدوا هذه المحسوسات، وكذبت حين حدثها الرسل عن إنسانيتها، وأصلها، والسر في وجودها، والمصير الذي ينتظرها.

إن أية ثقافة انكمشت أمام رغبات التشييء وشهوات المادة، لا تستحق أن تنهض بإنسانية المجتمعات، بل هي فاقدة لصلاحية البقاء، خصوصا إذا سايرت المنطق المادي الذي يعد المحسوسات وما يتعلق بها هي الوجود الذي لا وجود وراءه.

وفي المجتمعات المادية المعاصرة، هناك الكثير من التناقضات التي تطوق ثقافة "الأنسنة"، وتحيط بها العديد من صور الريبة والشك، خصوصا حين نسمع عددا من دعاتها قد قطعوا صلتهم بالله، وعدوا المقدس وهما وتخريفا. في حين أن المصدر الأوحد للأنسنة هو الوحي، وما نلمسه بين البشر من أخلاق إنسانية، فعائد حتما إلى بقايا رسالة الإصلاح النبوي المتوارثة عن الأنبياء والرسل، وإلى الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها.

فالتشييء آفة نفسية، ونزعة مرضية، ولا يمت للإنسان بصلة، وقيمة الإنسان هابطة ما بقيت الأعراض المادية هي الأساس والمبتغى، وما بقي البشر على ظهر الأرض يأكل الغني الفقير، ويستذل القوي الضعيف...،

والفارق بين الرسالية وعقيدة التشييء، أن أهل المادية يؤسسون مذاهبهم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والأخلاقية، على قاعدة أن الإنسان مخلوق أرضي، لا إله له، ولا جزاء ينتظره.

أما الرسالية، فإنها تصل الأرض بالسماء، والجسم بالروح، والدنيا بالآخرة، والغيب بالشهادة،...لذا فالرسالي أشد تجاوبا مع الحياة، وأقدر على استشعارها وتذوقها، وإبراز إنسانيتها، وإبانة حق الله فيها.

إن الثقافة الرسالية حين تنهض بالدعوة إلى قيم الأنسنة، لا تتجاهل المطالب والحاجات الجسدية، ولا تقمع الرغبات الغريزية، وفي نفس الآن لا تروج لإطلاقها دون مهذبات وضوابط...، وهاهو صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، يصلي حتى تتورم قدماه، حياته ومضات موصولة بذكر الله، ومع هذه العبودية، كان زوجا، ورب بيت، وأب أولاد يحسن تهذيبهم ورعايتهم، وكان يستعذب له الماء، ويحب الحلوى، ويرتدي الثياب الحسنة...،إنها الإنسانية في أفضل صورها، وأروع تجلياتها، يقول محمد الغزالي رحمه الله في مؤلفه: -ركائز الإيمان بين العقل والقلب-: "تلك مظاهر الإنسانية النبيلة، وعناصرها الكاملة".

بنداود رضواني