الثلاثاء, 26 شباط/فبراير 2019 11:18

التشغيل بالتعاقد بقطاع التعليم :المرتكزات الخلفيات

تقديم :

يعتبر التشغيل بالتعاقد إحدى خيارات الدولة المغربية، وقد تم اعتماده مؤخرا من طرف الحكومات المتعاقبة، ووصل الأمر في حكومة العثماني، ولأول مرة في تاريخ المغرب، أن خصصت أزيد من نصف عدد مناصب الشغل المحدثة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2018 للتوظيف بالتعاقد، واعتبرته "ليس مغامرة ولن يقضي على الوظيفة العمومية".وكشفت المعطيات الرقمية التي جاءت بها الحكومة في مشروع قانون المالية أن عدد مناصب الشغل المحدثة بلغ حوالي 19 ألف منصب، بالإضافة إلى 20 ألف منصب شغل بالتعاقد على مستوى قطاع التعليم، مشيرة إلى أن هذا القطاع سيبلغ عدد المشتغلين فيه في إطار التعاقد حوالي 55 ألفا بين سنتي 2018-2019.

 وتم التأكيد على أن  "التعاقد لا يعني غياب الحماية الاجتماعية والتحملات الضريبة"، وأنه  "ليس فيه مغامرة لأنه سيتم الإفراج مبكرا عن المباريات وسيتم التكوين بالتوازي مع ذلك في إطار تأهيل الطلبة المجازين".كما  خصصت الحكومة " ما مجموعه 700 منصب للتوظيف في قطاع التعليم ستؤدي إلى الترسيم"، مضيفا أن "20 ألف منصب شغل بالتعاقد ستعادل 2 مليار درهم". ومن مبررات الحكومة أن "التعاقد على مستوى الأكاديميات يضمن العديد من الضمانات للمتعاقدين في مجال التعليم"، ومن الناحية الكمية " هناك مجهود غير مسبوق في مجال التعليم"، وبالرجوع إلى قوانين المالية التي كانت تخلق عدد مناصب "لا يتجاوز 8 آلاف"، فهي حسب رؤية الحكومة تضاعفت بخمس مرات، وتستغرب الحكومة من رأي المنتقدين الذين يقولون بأنها تريد القضاء على الوظيفة العمومية.

وقد سبق أن  "قررت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني “توظيف” 11000 إطار بموجب عقود محددة المدة بقطاع التعليم تنفيذا للمذكرة الوزارية رقم 16-866 بتاريخ 7 نونبر2016 في شأن التوظيف بموجب عقد يتم إبرامه مع الأكاديميات الجهوية.وبررت الوزارة قرارها هذا بضرورة تمكين كافة الأطفال من حقهم في التمدرس، وكذا توفير الظروف الملائمة لإنجاح العملية التعليمية التعلمية والارتقاء بجودة منظومة التربية وتعزيز الموارد البشرية بمختلف أسلاك مؤسسات التربية والتعليم العمومي وضمان السير العادي للدراسة بهذه المؤسسات.

هذه النظرة إلى التشغيل بالتعاقد لاسيما في قطاع التعليم، صاحبتها انتقادات وتخوفات، وطرحت العديد من الإشكالات، وتعددت بخصوص هذا الملف احتجاجات منذ اعتماد هذا المسار, ستحاول هذه الورقة تقريب القضية، ومناقشته، وتطرح بشأنه تساؤلات مشروعة، في أي سياق يأتي التشغيل بموجب عقود؟ أليس التشغيل بالتعاقد ضرب لمجانية التعليم، والتوظيف؟ ما هي المكتسبات، وما التحديات؟ ما الإطار القانوني للتشغيل بالتعاقد؟ ما تأثيره على جودة التعليم  وتطوير المؤسسة الوطنية؟ وما هي المقترحات لتجاوز سلبياته؟ ما هي المقترحات لحل الإشكال وتجويد العرض القانوني، وضمان الاستقرار المهني للعاملين بنظام التعاقد.

سياق التوظيف بالتعاقد:

يعدّ التوظيف أو التشغيل من أهم حقوق الإنسان، بل هو وسيلة أساسية من وسائل حفظ كرامته وتحقيق مستواه المعيشي واستقراره العائلي وارتقائه الاجتماعي.والدستور المغربي لسنة 2011 قد أولى أهمية قصوى للتشغيل والتوظيف حيث نص الفصل الـ31 منه على ما يلي: "تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في:

- الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل أو في التشغيل الذاتي؛

- ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق".

والتوظيف بالتعاقد يدخل في سياق الإصلاح الإداري المنشود، لاسيما  من جهة المساهمة في ترسيخ التدبير بالأهداف والنتائج بتحديد دقيق للأهداف المرجوة والمهام المنوطة بمؤشرات واضحة، ومن جهة أخرى تمكين الإدارة من سد العجز الحاصل في مواردها البشرية، وبالتالي توفير فرص شغل جديدة للحد من البطالة التي تُهدد السلم الاجتماعي.

وباعتبار المؤسسة العمومية تعد شكلا من أشكال اللامركزية الإدارية، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري وتخضع لوصاية السلطة المركزية. ويُمكنّها هذا الاستقلال من الحصول على موارد بشرية لتحقيق الغاية من إنشائها، وقد تخضع هذه الموارد لأنظمة مختلفة حسب طبيعة العلاقة التي تربطها بالمرفق العام، ومعنى ذلك قد تكون في وضعية نظامية وتخضع لمقتضيات النظام الأساس للوظيفة العمومية أو تكون في وضعية تعاقدية تخضع لقانون الشغل ويكون المبدأ السائد هو أنّ العقد هو شريعة المتعاقدين.

وبالرجوع إلى المادة الـ1 من القانون 07.00 القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون 71.15 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.04 بتاريخ 15 ربيع  الآخر 1437(26 يناير 2016)؛ فإن الأكاديميات الجهوية مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري وتخضع لوصاية وزارة التربية الوطنية، ويتم تعيين مديرها بمرسوم حكومي طبقا للقانون التنظيمي 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا كما وقع تعديله بمقتضى القانون التنظيمي 23.16 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بتاريخ 10 غشت 2016.

لقد  اعتمدت الدولة المغربية خيار اللامركزية واللاتمركز منذ تنزيل " الميثاق الوطني للتربية والتكوين" والذي تضمن  للتمهيد لعملية التوظيف بموجب عقود، حيث ركز الميثاق الوطني للتربية والتكوين في تفصيل اللامركزية خاصة في تفويت جزء كبير من اختصاصات الإدارة المركزية للأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين ومن هذه المهمات: تدبير “الموارد البشرية”، والتي قيل عنها في البداية أنها جاءت لتيسير وتبسيط المساطر والاقتراب والانفتاح على المحيط، والتي انطلق منها كذلك الحديث عن الجهة والجهات كممول ومدبر للموارد المالية، وقد كان البرنامج الاستعجالي واضحا في الحديث عن العمل بالعقدة. كما أن البرنامج الاستعجالي يحكمه منطق مقاولاتي / تدبيري/ تقني هاجسه إداري محض «وسوف تتم مراجعة أشكال التوظيف، إذ ستجري على مستوى كل أكاديمية على حدة وفق نظام تعاقدي على صعيد الجهة “  لقد جاء البرنامج الاستعجالي بوضع جديد للتوظيف سيتم من خلال العقدة وعلى صعيد الجهة، وهو الأمر الذي يعني التراجع الكلي عن نظام الوظيفة العمومية والقوانين المنظمة لها.

وإن من أهم جاء بها البرنامج الاستعجالي والتي تؤكد هذه الحقائق:

التوظيف بالعقدة على مستوى الأكاديمية:

  • العمل بالمدرس المتحرك والمتعدد الاختصاصات (تدريس أكثر من مادة وفي أكثر من مؤسسة.
  • الاشتغال قبل الدخول المدرسي وفي الفترات البينية دون أي تعويض
  • تحديد 3 إلى 4 سنوات من العمل التدريبي قبل الترسيم.
  • الساعات الإضافية الإجبارية.
  • تفويض تدبير الممتلكات إلى الأكاديميات والجامعات. (وذلك عن طريق التعاقد مع ما يسمي بالشركاء الاقتصاديين.
  • وضع صيغة جديدة لتوظيف مديري المؤسسات وفق معايير لا تربوية وإنما مقاولتيه ومن خارج المجال التربوي.
  • إقرار تعاقد بين الدولة و الجامعات والأكاديميات :
  • وضع نظام جبائي مشجع لمؤسسات الخاصة لمدة يمكن أن تصل إلى 20 سنة.
  • إعفاء بعض المؤسسات الخاصة كليا من الضرائب.
  • استفادة اطر القطاع الخاص من دورات التكوين الأساسي والمستمر الموجهة لصالح القطاع العام.

كان البرنامج الاستعجالي واضحا جدا في تحديد وجهة الأمور، وقدم تنزيلا لصيغة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، في مادته 135 التي ذكرت بالواضح والملموس مسائلة اللجوء للتعاقد مع المدرسين، وكذلك ذات البرنامج أمينا في ترجمة طموح القانون 00/07 المنشئ للأكاديميات والذي فصل في أن هذه الأخيرة ستلتجئ للتوظيف بعقود.

لا يتعلق الأمر بخصوصية متعلقة بقطاع التعليم، ففي سنة 2010، تم تعديل المادة 105 من ظهير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية، بالشكل الذي يسمح فيه للإدارات العمومية باللجوء للتوظيف بالتعاقد:

فحسب بلاغ رئاسة الحكومة يهدف التعديل إلى تحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية، إن اقتضت ضرورة المصلحة إلى ذلك، دون أن يترتب عن هذا التشغيل، في جميع الأحوال، ترسيم الأعوان المتعاقدين بأطر الإدارة كما ينص على ذلك الفصل 6 المكرر من الظهير الشريف رقم 1.58.008 الصادر في 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، حسب ما وقع تغييره وتتميمه ولاسيما بموجب القانون رقم 50.05.وقد تم تحديد صنفين من العقود: عقود تشغيل الخبراء، والذي لا يمكن اللجوء إليه إلا في حالة غياب موظفين تتوفر فيهم الكفاءات والمؤهلات المطلوبة. ويتم هذا التشغيل عن طريق فتح باب الترشيح في وجه الأعوان ذوي الكفاءة والتجربة والخبرة المهنية، ويكون لمدة أقصاها سنتان قابلة للتجديد دون أن تتجاوز مدة التعاقد الإجمالية أربع سنوات وفي حدود 12 عونا متعاقدا على الأكثر بالنسبة لكل قطاع. أما عقود تشغيل أعوان للقيام بوظائف ذات طابع مؤقت وعرضي فتتم لمدة محددة، بعد النجاح في مباراة، أو بصفة استثنائية وإن اقتضت ذلك طبيعة الوظيفة المراد التعاقد بشأنها، بناء على مقابلة، تجري بعد عملية انتقاء أولى بناء على دراسة لملفات المترشحين، ووفق الشروط والكيفيات المحددة بقرار مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالاقتصاد والمالية وبالوظيفة العمومية.  ويتم هذا التشغيل في حدود المناصب المالية الشاغرة، المخصصة لهذا الغرض في ميزانية القطاع الوزاري المعني.لا يتعلق هذا الأمر بالتشغيل بعقود في التعليم، فالتعديل يشمل الإدارات التي ينطبق عليها الظهير موضوع التعديل، بينما التشغيل بعقود في التعليم يتم مع ” مؤسسة عمومية” هي الأكاديميات والتي ينظمها قانون خاص بها على غرار باقي المؤسسات العمومية (المكتب الشريف للفوسفاط مثلا).

إن مخطط التشغيل بالتعاقد سبقته قرارات مشابهة، نذكر من بينها المنشور الثلاثي القاضي بتشغيل العرضيين خلال المنتصف الأخير من التسعينيات، وقرار تشغيل أساتذة بالعقدة بتاريخ 3 غشت 2009 وقرار فصل التكوين عن التوظيف لموسم ا2015/2016، وكلها قرارات تنحو نفس النحو، وتأتي تنفيذا للسياسات المملاة من  أطراف خارجية وتنفيذا لبرامج التقويم الهيكلي  المنطلقة بداية الثمانينيات مرورا بالانصياع التام لتوصيات البنك العالمي وتقريره الشهير لسنة 1995 حول المغرب(الذي يطالب بضرورة تخفيض نفقات التعليم واستعمال المال العام ،على محدوديته،من اجل ان يصبح المحرك الأساسي للقطاع الخاص)، وصولا إلى اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحد الأمريكية و اتفاقية التبادل الشامل مع الاتحاد الأوربي التي تنص على منع استنساخ الأدوية وفتح التعليم والصحة للشركات متعددة الجنسيات للاستثمار بالقطاع العام ثم اتفاقيات شراكة أخرى تم إبرامها مع المؤسسات المالية الأجنبية كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

الإطار المرجعي للتشغيل بعقود العمل مع الأكاديميات :

تنص المادة 135 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين على أنه: “يتم تنويع أوضاع المدرسين الجدد من الآن فصاعدا، بما في ذلك اللجوء للتقاعد على مدة زمنية تدريجية قابلة للتجديد على صعيد المؤسسات والأقاليم والجهات”وجاء في نص القانون 50.05 الفصل 6 مكرر على أنه: يمكن للإدارات العمومية أن تشغل أعوانا بموجب عقود وفق الشروط والكيفيات، المحددة بموجب مرسوم.ويضيف نفس الفصل على أنه”لا ينتج عن هذا التشغيل في أي حال من الأحوال حق الترسيم في أطر الإدارة”، وهو القانون الذي صادق عليه البرلمان في 16 يناير 2006وتم رفضه من قبل مجلس المستشارين.وصادق مجلس الحكومة يوم 24 يونيو 2016 على مرسوم يحدد بموجبه شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية وذلك حسب ما جاء به قانون 50.05السالف الذكر.وفي سياق مشابه،نص المخطط الاستعجالي سنة2009 في الصفحة49 على ما يلي: “سوف تتم مراجعة أشكال التوظيف إذ ستجرى على مستوى كل أكاديمية على حدة ،وفق نظام تعاقدي على صعيد الجهة.”

إنها ترسانة قانونية معدة لحرب طبقية حقيقية ضد الموظفين والوظيفة العمومية . هذا ما يبينه الفصل الثاني من الباب الأول للنظام الأساسي للموظفين، الذي يعتبر الوظيفة القارة والترسيم في إحدى السلالم الخاصة بأسلاك الإدارة التابعة للدولة مقياسين أساسيين لتحديد ماهية الموظف.إن عبارة “تنويع أوضاع المدرسين” لذات دلالة واضحة. إنها تفيد تفكيك وحدة شغيلة التعليم وتفيئ المدرسين ووضع حد لمعادلة الشغيلة  في مواجهة الدولة، مقابل المعادلة الجديدة:  الفرد في مواجهة المؤسسة المتعاقد معها.

القوانين المؤطرة للتشغيل بالتعاقد غير منفصلة عن قوانين أخرى من قبيل قانون الأجور وقوانين الترقية

والتعاقد والتكوين … لهذا قلنا بأن الأمر يتعلق بمخطط استراتيجي هدفه إعادة هيكلة النظام التعليمي برمته.والتكتيك المعمول به من قبل الدولة جد ماكر و يتمثل في تمرير المخطط جرعة جرعة، وصولا الى تمريره بالكامل. هذا التكتيك يعد  من إحدى توصيات البنك الدولي التي عملت بها الدولة المغربية لتفادي الرد الاحتجاجي المعمم على سياساتها. هكذا سيتم تخفيض كلفة الأجور وجعلها غير مرتبطة بالأقدمية، وتفعيل العمل بمشاريع المؤسسات، والانفتاح على مصادر أخرى للتمويل، وإدخال المنافسة بين المؤسسات التعليمية، والعمل بنفس المنطق المعمول به في الشركات الصناعية والتجارية، بحيث يصبح دور الدولة مقتصرا على تحديد الأهداف الكبرى وتفويض قرارات التدبير في إطار اللامركزية واللاتمركز للفاعلين المستقلين والتملص التدريجي من تمويل الخدمة العمومية بقطاع للتعليم.

عقود العمل مع الاكاديميات مخاطر ومحاذير:

 كل العقود تبدأ ببند يعتبر هذا العقد بمثابة تعاقد وليس توظيف.وبالرجوع إلى البند 13 من هذا العقد، نحده  ينص على:يمكن فسخ هذا العقد من طرف مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين في ظرف 30 يوم من تاريخ توصل الأستاذ المتعاقد بالإشعار (يمكن نشر الإعلان بالموقع الإلكتروني أو البريد الإلكتروني للمتعاقد ولا يخول فسخ هذا العقد أي تعويض.كما يمكن فسخ هذا العقد من طرف مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين دون إخطار المعني بالأمر أو إشعاره أو تعويضه بعد إبرامه والموافقة عليه، أو أثناء تنفيذه في الحالات التالية:

إذا لم يلتحق المتعاقد بمقر عمله في ظرف 5 أيام من تاريخ الإعلان عن تعيينه.

إذا أقدم المتعاقد أو المتعاقدة على تصرفات ماسة بالأخلاق العامة أو بالسلامة الجسدية والنفسية للتلاميذ والتلميذات أو مع زملائه أو رؤسائه في العمل.

إذا صدر في حق المتعاقد حكم نهائي بالإدانة من أجل أفعال مخلة بالشرف أو بشروط المروة.

إذا ارتكب أحد الأفعال التالية المشار إليها بعده:

  • الاعتداء بالضرب أو السب أو القذف في حق الزملاء داخل فضاء المؤسسة
  • رفض إنجاز المهام الموكلة إليه من طرف إدارة المؤسسة عمدا وبدون مبرر
  • القيام بكل عمل من شأنه عرقلة السير العادي للمؤسسة
  • التغيب بدون مبرر بوثيقة رسمية لأكثر من 5 أيام أو 10 أنصاف الحصص الدراسية خلال السنة.
  • إذا ثبت عليه أنه يمارس نشاطا مدرا للدخل كيفما كان نوعه

لا يمكن للمتعاقد فسخ هذا العقد إلا عند نهاية الموسم الدراسي، وذلك بإخطار مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين في أجل لا يقل عن ثلاثين يوما.

من خلال قراءة بسيطة في هذا البند يتضح طبيعة العقود وطبيعة التشغيل الهش والسخرة في قطاع التعليم التي تبشرنا بها هذه العقود، إنها عقود العبودية والإذلال الذي ما بعده ولا مثيل له.تبين البنود أعلاه نوع المتعاقد أي العامل الذي تريده الدولة موظف لا ينعم بالاستقرار أبدا، يخاف من كل من حوله، طيع لرؤسائه، لا يستطيع التعبير عن مواقفه، وأفكاره بل يعمل في ظروف أقل ما يقال عنها عبودية مقنعة.

لقد تضمن هذا العقد مجموعة من الشروط والبنود تتعلق بحقوق وواجبات المتعاقدين مع الأكاديمية، وهي عقود لا توفر الضمانات الكافية لحمايتهم، على عكس الموظفين يتمتعون بحماية قانونية قوية كرسها النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، لاسيما في مسطرة التأديب جراء الأخطاء المهنية. كما يُشكل هذا العقد صيغة قانونية تؤطر العلاقة التعاقدية بين الأكاديمية الجهوية والأساتذة المتعاقدين على امتداد مدة العقد المحددة في سنتين، غير أنّه أسس لعلاقة غير متكافئة تقوي الإحساس بعدم الاستقرار، لا سيما الجدل الذي أثاره بمنح الأكاديميات (المُشغِل) صلاحيات كثيرة في فسخ العقد وإنهائه مع الأساتذة (الأجراء).

ويطرح إنهاء عقد الشغل بالإرادة المنفردة لأحد طرفيه، خصوصا المُشغل (الأكاديميات)، عدة مشاكل قانونية، يأتي على رأسها مشروعية أو عدم مشروعية هذا الفسخ؛ فالطرد المُتخذ ضد الأجير بارتكابه خطأ جسيما يعتبر طردا مشروعا يفقد على إثره الضمانات والامتيازات المخولة له، أما إذا كان طرده تعسفيا فالمُشغل لا يجوز له التعسف في استعمال هذا الحق.

والمشرع المغربي بمقتضى القانون رقم 65.99 الصادر في شأن مدونة الشغل، أحاط الأجير الذي تم فصله تعسفيا بمجموعة من الضمانات وهي:

فالمادة الـ38 من المدونة تُلزم المُشغل باحترام التدرج في العقوبات أثناء ممارسة السلطة التأديبية، ويعنى ذلك أنه في حالة الخطأ غير الجسيم تُتخذ عقوبة الإنذار أولا لثني الأجير عن الخطأ، وفي حالة التمادي تُتخذ عقوبة التوبيخ ثانيا، وإذا ما كرر الفعل تُتخذ عقوبة التوبيخ الثاني أو التوقيف لمدة 8 أيام، وفي حالة العود تُتخذ رابعا عقوبة التوبيخ الثالث أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى، وبعد استنفاد هذه العقوبات داخل سنة دون جدوى، يمكن آنذاك تطبيق عقوبة الفصل.

وبمقتضى المادة الـ62 يجب قبل فصل الأجير أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه بالاستماع إليه من طرف المشغل (الأكاديميات) أو من ينوب عنه بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي الذي يختاره الأجير بنفسه وذلك داخل أجل لا يتعدى 8 أيام ابتداء من التاريخ الذي يتبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه، يحرر محضر في الموضوع يوقعه الطرفان وتسلم نسخه منه إلى الأجير، أما إذا رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة، يتم اللجوء إلى مفتش الشغل.

كما أن العقوبات التدريجية المتخذة أو عقوبة الفصل يجب أن يتم تبليغها إلى الأجير يدا بيد مقابل وصل، أو بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل داخل أجل 48 ساعة من تاريخ اتخاذ العقوبة، ويتم توجيه نسخة من مقرر الفصل إلى مفتش الشغل تتضمن الأسباب المبررة لاتخاذ هذه العقوبة.

ويمكن للطرف المتضرر في حالة إنهاء العقد بشكل تعسفي المطالبة بالتعويض عن الضرر، كما يمكنه اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي لأجل الرجوع إلى عمله، أما إذا تعذر التوصل إلى الصلح، يحق له رفع دعوى أمام المحكمة المختصة (القضاء العادي) التي لها أن تحكم في حالة ثبوت الفصل التعسفي، إمّا بالإرجاع إلى العمل أو الحصول على تعويض عن الضرر، يُحدد مبلغه على أساس أجر شهر ونصف الشهر عن كل سنة عمل أو جزء من السنة على أن لا يتعدى سقف 36 شهرا؛ غير أن الحكم بالإرجاع إلى العمل، إن كان سهلا نظريا فإنه صعب من ناحية التنفيذ.

لا تتوقف حماية الأجراء فقط عند هذه الضمانات، بل أن القضاء يلعب دورا محوريا في ذلك من خلال الرقابة في ثبات وجود الخطأ وكذا تقدير جسامته وملاءمة تلك العقوبة التأديبية للخطأ المرتكب. لقد حاول المشرع المغربي إذن توفير حماية قوية للأجراء موضوع الفصل التعسفي من خلال مدونة الشغل، باعتبارهم الطرف الضعيف في العلاقة الشغيلية.

فإذا كانت هذه أبرز الضمانات التي جاء بها قانون الشغل المغربي لحماية الأجير من الطرد التعسفي، فإنه بالمقابل النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية هو الأخر أحاط الموظف بمجموعة من الضمانات في حالة إخلاله بواجباته المهنية: الباب الخامس( الفصول 65 إلى 75 مكرر) يستحيل معها الاستغناء على الموظف لمجرد خطأ مهني بسيط، وحتى لو تم اتخاذ قرار تأديبي في الحق الموظف المُخل بواجباته، فإن القضاء الإداري يبسط سلطته على مراقبة تلك القرارات الإدارية التأديبية التي تفتقد إلى المشروعية.

إن تنزيل المذكرة الوزارية المتعلقة بالعمل بالعقدة بقطاع التعليم يعني القطع النهائي مع نظام التوظيف القاضي بالتشغيل الدائم والمستمر، بدءا بالتكوين ومرورا بالتدريب والترسيم وانتهاء بالتقاعد. لهذا فإن أول ما يستهدفه هذا الإجراء هو ضرب الاستقرار المهني والنفسي والاجتماعي لعموم شغيلة التعليم. كما يساهم في تكريس التمييز بين فئات الشغيلة التعليمية حيث أن الأساتذة المراد التعاقد معهم مطالبون بالتوقيع على عقد تتناقض بنوده مع مضمون ما جاء به القانون الأساسي للوظيفة العمومية، ومع ما جاءت به اتفاقيات حقوق الإنسان، إذ تضمنت هذه القوانين الأجر المتساوي للعمل المتساوي. العقد الحالي يضمن أجورا متساوية مع أجور أساتذة السلم 10، لكن من سيضمن الترقية لهذه الفئة علما  أن ترسيمهم وإدماجهم في سلك الوظيفة غير وارد؟ و من سيضمن احتساب أقدميتهم، إذا علمنا، وهذا بديهي، أن استمرارهم في العمل ليس حقا مضمونا بالعقود الحالية. ويضاف إليه ضرب الاستقرار المهني و النفسي و الاجتماعي لعموم أجراء التعليم،ووحدة شغيلة التعليم، حيث أن العمل بنظامين متناقضين بقطاع التعليم، نظام التوظيف المعمول به منذ نهاية الخمسينيات 1959 تحديدا، ونظام التشغيل بالعقدة المراد العمل به اليوم، سيهدد وحدة شغيلة التعليم، وسيزيد من تشثتهم وسيخلق مصاعب كبيرة في توحيد نضالاتهم، إذ ستختلف مطالب الفئتين، فئة مرسمة وأخرى غير مسموح لها بالترسيم، فئة تعمل في شروط قارة وأخرى معرضة للطرد في أية لحظة.

والأخطر منه التضييق على العمل النقابي ، والقضاء عليه بعدم السماح لهذه الفئة من الانخراط في الفعل النقابي، وإن كانت ستؤسس لنفسها إطارات تنسيقية تضامنية تدافع عن حقوقها، وتحفظ كرامتها، وتخلق نفسا سلبيا، وعداوة مصطنعة مع النقابات المركزية، وهذا التفكيك يؤثر على الفاعل النقابي، ويزيد من حدة الاحتقان في صفوف الشغيلة، وتفيييء العاملين، وضرب مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة والعدل،...... ورد في شروط التعاقد، أنه بعد سنتين من العمل، سيتم التجديد التلقائي للتعاقد مع الأجراء بقطاع التعليم بناء على تقييم لمردوديتهم، بمعنى أن أوضاع تشغيلهم الهشة، ناهيك عن ضغوطات الجيش الاحتياطي للعاطلين، ستفرض على الكثير منهم الابتعاد عن خيار النضال من أجل الترسيم والإدماج؟ وغير ذلك من المطالب الأساسية، وهذا ما سيهدد، طبعا، العمل النقابي بالمزيد من الإضعاف ويعمق ظاهرة العزوف النقابي، مقابل تعزيز الحلول الفردية والمحسوبية في التعامل مع الإشكالات المطروحة، وتكريس اللاتقنين والعبث بمصير أجيال، فمذكرة التعاقد غير قانونية لتعارضها حتى مع مضمون المحور7  المتعلق بالحكامة في التدابير ذات الأولوية و الرؤية الاستراتيجية الذي ينص بصريح العبارة على إلزامية التكوين الأساسي والتكوين المستمر لولوج المهن التعليمية وخلال ممارسة المهنة..لقد استعمل هذا المحور كسلاح ضد تشغيل أساتذة سد الخصاص والتربية غير النظامية ومحاربة الأمية بحجة عدم التكوين ،و تم رفض تشغيل الأطر العليا رغم استفادتهم من التكوين، واليوم يتم التعاقد مع11000 مدرس-ة دون شرط التكوين.

ملف التعاقد والمأزق النقابي:

حاولت النقابات التعليمية جاهدة تبني هذا الملف واعتمدت مصطلح الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، وقفت إلى جانبهم انطلاقا من مسؤوليتها التاريخية في تبني قضايا الشغيلة التعليمية من جهة، والتدافع مع الحكومات المتتالية تأكيدا على الحفاظ على المكتسبات، وعدم ضرب مجانية التعليم، وخرق القوانين، وتبني خيار وإملاءات صندوق النقد الدولي ، وذلك عن طريق الإجهاز على خيار التوظيف وتعويضه بالتعاقد، وهو ما تدافع عنه الدولة وتعتبره اختيارا استراتيجيا يمكنها من توسيع وعاء العاملين.

وهنا حدث الارتباك للنقابات والحكومة معا، وأصبحت الساحة تعرف احتجاجات متتالية، وتطالب هذه الفئة كما النقابات بالإدماج في سلك الوظيفة العمومية، والدولة التي سلمت الملف للأكاديميات، وسمتهم بموظفي الأكاديميات، وقدمت مشروعها في محاولة للوصول إلى اتفاق يضمن الحقوق ولا يهدد استقرار العاملين بعقود عمل. كما تتخوف فئة عريضة منهم بالانخراط في أي نقابة أو  الانتساب إليها، سعيا للمحافظة على العمل / الوظيفة، في انتظار الإدماج في سلك الوظيفة العمومية. كما أن تحدي التكوين ومواكبة المستجدات، يطرح نفسه بإلحاح، على النقابات اليوم تحمل مسؤوليتها في إنقاذ المدرسة العمومية والدفاع عن الشغيلة، وطرح القضايا المستجدة، وتضمينها بملفاتها المطلبية، وتقديم ملف مطلب موحد ومتماسك.

خلاصة:

إن التشغيل بالتعاقد خيار استراتيجي للدولة، تحاول من خلاله سد الخصاص المهول الذي عرفه قطاع التعليم، وهو غير معزول عن السياسة العامة المتبعة في تدبير السياسات العمومية وسياسة البلد برمته. إنه مخطط إستراتيجي مرتبط  بإجراءات سبقته وأخرى ستليه، مخطط سيعيد هيكلة النظام التعليمي على أسس جديدة تجعله أكثر ملاءمة مع حاجيات الرأسمال العالمي والمحلي.

ويأتي تنفيذا  لجملة من الاتفاقيات السرية والعلنية، بعضها مع الإتحاد الأوربي وبعضها الآخر مع الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار ما يسمى باتفاقيات التبادل الحر، نموذج برنامج “ميدا” الذي يستهدف تكييف الاقتصاد والتشريع المغربيين مع قواعد  منظمة التجارة الدولية ، والاتفاقية العامة للخدمات AGCS التي تهدف إلى تسليع المرافق العمومية وتشجيع المنافسة، وتكريس مرونة التشغيل وإصلاح التعليم لكي يصبح في خدمة المقاولات المغربية والأجنبية الوافدة. هذه القيود استسلمت  لها الدولة المغربية مقابل خدمات الديون المتراكمة منذ بداية عقد الثمانينيات. إن قرار التشغيل بالعقدة بقطاع التعليم بعيد كل البعد عن أي قرار مستقل لوزير أو حكومة مغربية، أكانت حكومة واجهة أم  حكومة الظل.

الحاجة ماسة اليوم إلى استيعاب هذا الملف، ومقاربته مقاربة علمية وقانونية، واتخاذ كافة الأشكال النضالية لإيقاف النزيف وضمان حقوق العاملين بقطاع التعليم، وعدم المزايدة عليه، الانتصار للمبادئ، وعدم استغلاله نقابويا، بقدر ما يجب التعاطي معه بجدية ومسؤولية،والعم على إسقاط مرسوم التشغيل بالعقدة، بنضال من أجل إنقاذ المدرسة العمومية وضمان حق المتعلمين في تعليم مجاني وجيد.

إنّ الباحثين في الشأن الإداري لا يختلفون في الوضعية القانونية للأساتذة الموظفين بموجب عقود، فهم مستخدمون أو أجراء بمفهوم قانون الشغل المغربي، تربطهم علاقة شغل بالأكاديميات محددة في الزمان ولا يمكن أن يتم إدماجهم في سلك الوظيفة العمومية، وبالتالي ترسيمهم على الرغم من أنّ هذه العقود حاولت ولو نظريا إيجاد ضمانات تجعل المتعاقدين يحسون بالاطمئنان (الموظف والمتعاقد لهما نفس أجرة، المتعاقد يتمتع بمختلف الرخص، يمكن للمتعاقد من الاستفادة من التغطية الصحية...)، فإن مساوئ نظام التعاقد برزت عمليا في أول امتحان له بعدما تم فسخ عقود التوظيف لمجرد أخطاء مهنية يمكن اللجوء فيها إلى عقوبات أقل ضررا وأكثر نفعا للسلم الاجتماعي.

إن التوظيف بالتعاقد لا يُشكل اليوم ضرورة، بالنظر إلى الضمانات الهشة التي يتمتع بها الأجير، مقابل ضمانات قوية يتوفر عليها الموظف. ومن ثمّ، فضرورة التوظيف بالتعاقد تقتضي إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للوظيفة العمومية بشكل يجعل الموظف، سواء المرسم أو المتعاقد، لا ينظر إلى وضعيته الإدارية بقدر ما ينظر إلى أجرته القائمة على المردودية.

فليكن رهان أنصار المدرسة العمومية على وعي شغيلة التعليم بكافة فئاتهم، وعلى تضامنهم ونضالهم.

عبد الرحيم بن بوشعيب مفكير