الأحد, 02 نيسان/أبريل 2017 15:22 Written by 

الإصلاح بالإسلام

في القرن التاسع عشر، ومع تصاعد المد الإستعماري، جاءت إلى الشرق الإسلامي نظريات الحداثة الغربية: الفلسفة المادية والوضعية، والعلمانية والدارونية.. إلخ.. إلخ، وبدأت هذه النظريات الغربية في مزاحمة المرجعية الإسلامية في التقدم والنهوض.

وكان الإمام محمد عبده (1266 - 1323 هـ، 1849 - 1905 م) رائد المدرسة الإصلاحية الداعية إلى اتخاذ الإسلام سبيلا للتقدم والنهوض، وداعية التجديد الذي يخرج العقل المسلم من قيود التقليد للموروث، والتقليد للوافد الغربي جميعا.

لقد انتقد الإسلاميين الذي يهاجرون من العصر إلى التراث والماضي، والذين يقفون عند ظواهر النصوص، دون فقه العلل والحكم التي جاءت لها هذه النصوص، ووصفهم بأنهم لم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية أحباء!

وانتقد التمدن الغربي المادي، الذي برع أهله في اكتشاف أسرار المادة، ثم عجزوا عن اكتشاف الفطرة الدينية التي هي السبيل لسعادة الإنسان.

وانتقد العلمانية، التي تفصل الدين عن السياسة والدولة والقانون، وأكد أن الإسلام لم يدع ما لقيصر لقيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله، ويأخذ على يده في عمله، لأن الإسلام - دين وشرع - كمال للشخص، وألفة في البيت، ونظام للملك، امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم تدخل فيه.

وتحدث عن أن الحكم في الإسلام "مدني من جميع الوجوه" والأمة هي التي تولي الحاكم، وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي تخلعه متى رأت ذلك في مصلحتها، وأن قلب السلطة الدينية - الثيوقراطية - هو أصل من أجل أصول الإسلام.

وتحدث عن أن الانفتاح على الآخرين، والتفاعل معهم لا يعني التفريط في المبادئ الثابتة التي تؤكد أن التقدم والنهوض لا يكون إلا بالإسلام، فقال: "إن أهل مصر قوم أذكياء، يغلب عليهم لين الطباع، واشتداد القابلية للتأثر، لكنهم حفظوا القاعدة الطبيعية، وهي أن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يُتغذى من عناصر الأرض، ويتنفس بهوائها، وإلا ماتت البذرة بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها، ولا على البذرة وصحتها، وإنما العيب على الباذر".

أنفُس المصريين أُشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعا فيها، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه ويخفق سعيه.

إن سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها، فإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شئ، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحد.

وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره، وهو حاضر لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلم العدول عنه إلى غيره؟!

وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي (1184 - 1265 هـ، 1805 - 1849م) إلى اليوم، فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فسادا، وإن قيل إن لهم شيئا من المعلومات، فما لم تكن معارفهم وآدابهم مبنية على أصول دينهم، فلا أثر لها في نفوسهم".

هكذا دعت المدرسة الإصلاحية الإسلامية إلى الإحياء الإسلامي، وانتقدت جمود المقلدين للتراث، وجمود المقلدين للوافد الغربي، وأكدت أن التقدم والنهوض إنما يكون بتجديد الإسلام.