طباعة
السبت, 09 آذار/مارس 2019 11:07

استفهام الحائر الولهان عما جاء في "أفكار وأقدام " من برهان

كتاب يغربل الأفكار، بهذه الوصف المختصر يمكن أن أصف كتاب أستاذي الفاضل د.محمد السائح (أفكار وأقدام..مقالات نقدية في الفكر الإسلامي المعاصر ) عن منشورات الدفاع الثقافي تازا 2019، وإن كنت لست من أهل الاختصاص فليسمح لي صاحب الكتاب وليأذن لي في التفاعل مع أطروحاته العلمية مستوضحا منه بعض المسائل التي أشكلت علي .

أبدأ مستعينا بالله في قراءة عنوان الكتاب الذي يؤكد صاحبه بأنها أفكار لنقد بعض ما جاء به الفكر الإسلامي المعاصر، ولا بد للفكر من مفكرين وهو ما لا يجيزه الكاتب ابتداء في مقاله (اعتراض  على اللقب) ص 32 . فكيف نتحدث عن فكر إسلامي في غياب مفكرين؟ ثم ماذا يقصد الكاتب بالفكر الإسلامي المعاصر ؟ وما هو التحقيب الزمني لهذا الفكر ؟ ومن هم رواده؟ وهل يمكن الحديث عن فكر إسلامي قديم وآخر حديث ؟ أما عن (أفكار وأقدام) فالسؤال الملح: ما علاقة الأفكار بالأقدام؟ وللقارئ أن يتلمس الجواب في آخر سطور هذا الكتاب الشيق.

يمكن الجزم مسبقا بأن الكاتب يرمي إلى تأسيس القطيعة المعرفية أو كما يسميها الفيلسوف الفرنسي كاستون باشلار بالقطيعة الإبستمولوجية مع المنظومة الغربية بكل مكوناتها، لأن في منظومتنا المعرفية ما يغني كل مسلم عن الانسياق والانصهار في الغرب، ولنا أن نسأل الكاتب ابتداء عمن هو الغرب؟ وهل الغرب واحد أم متعدد؟ بمعنى هل الغرب كله معاد للإسلام؟ وإذا كان المؤلف يتحدث عن الغرب الكافر (ص 50 ). فما الفرق بين الغرب الكافر والغرب المشرك أو أهل الكتاب ..؟ وإن كان الكاتب يتحدث في (ص 47 )على أن الغرب مكون من النصارى واليهود والوثنيين.. دون أن تتم الإشارة إلى التصنيفات الإيديولوجية رغم أهميتها كالصهيونية والماسونية ...المتحكمة في رقاب البلاد والعباد.

في التمهيد للكتاب يشير د.محمد السائح حفظه الله في (قيود عاتية) إلى قيدين يكبلان الفكر الإسلامي المعاصر وهما قيد السننية وقيد الحكمة البشرية، ومع الاتفاق مع طرحه، فإن الواقع لا يرتفع ذلك أن مفهوم السننية ليس منحسرا  فيما ذهب إليه المؤلف فقط، بل هو أعمق وأوسع، وينبغي تحرير المصطلح تحريرا أشمل كما في قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) الأنفال.

كما أن قيد الحكمة البشرية يضل واقعا معيشا نلحظه فيما تنعم به الدول الغربية من أمن واستقرار ولنا أن نسأل : أو ليست هذه الحكمة من بقايا ما تنزل من الكتب السماوية .. أو ليس (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة ؟

يبقى السؤال المحوري أو الإشكالية الأساسية التي يعالجها الكاتب هي كيف السبيل إلى تأسيس فكر إسلامي معاصر مستقل وأصيل وغير منبهر بما عند الغرب؟ إن أمة الشهود الحضاري اليوم تبحث وبكل أسف عن كل السبل المؤدية إلى الملائمة الحضارية بين الإسلام والغرب .. يقول الكاتب بهذا الصدد:(نريد أن نخرج من نفق وضعنا عدونا فيه له بابان أحكم إغلاقهما: باب الملائمة مع حضارته وباب المواجهة بسلاحه..) ص 18

ارتباطا بالحكمة البشرية أسس الغرب لمفهوم المواطنة والمواطن ذو الحقوق والواجبات المحددة بالقانون مجردا من الانتماء الديني والعنصري والجنسي ..إلا ما كان من الانتماء القطري الضيق فيما يعرف بالدولة المدنية، في المقابل يتحدث الكاتب عن الدهماء (ص 38) الذين اعتبرهم الكاتب تجاوزا وقود الثورات ولا يتملكون أدوات الحل والعقد وحري بهم حسب الكاتب عدم الخوض في الثورات السلمية لرفع الظلم وعليهم كف اليد، ولكن في المقابل وكما لا يخفى على الكاتب نجد النصوص القرآنية والحديثية حبلى بالنصوص التي تحرض على التغيير.منها على سبيل التمثيل لا الحصر قوله تعالى (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)آل عمران173 وقوله تعالى :(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار)هود 113 إلى غير ذلك من الآيات.

أما بخصوص قوة الغرب فطرح الكاتب ينسجم أيما انسجام مع طرح كاتب السلام العالمي جودت سعيد الذي يؤكد في العديد من كتاباته أن الذي يملك القوة لا يملك بالضرورة الرشد والحق، فالغرب الذي يتباهى بقوة التكنولوجيا لا نسلم له بالرشد والحكمة بل هو على حافة الزوال والإفلاس.

في فصل (نهاية أفكار ومناهج)  ص56 عمد الكاتب إلى التفكيك المنهجي لأربعة مسارات فكرية معاصرة وهي الفكر السلفي والفكر المقاصدي والفكر الشيعي والفكر الصوفي، ولئن كان الكاتب قد نجح في عملية التفكيك هاته فقد نجح أكثر في إعادة بنائها من جديد بميزان المحدث المنضبط بالنصوص القرآنية والحديثية والمسلح بالصرامة المنهجية، وذلك أثناء حواره مع الشاهد الثقة والمحدث الحافظ الإمام النووي رحمه الله، وما استدعاء الكاتب لهذا الشاهد  الحافظ إلا لكونه يؤمن بكون (لا فهم للدين أشمل من فهم حفاظ الحديث) ص 134 

والحذر الذي ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام هو أن الاختلاف بين هذه التموجات الفكرية هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، ويجمل بنا ألا نذكي روح الصراع  بينها حتى لا نقدم خدمة مجانية  للمشروع الصهيوني الأمريكي كما أكدت على ذلك إحدى التقارير الأمريكية حول مواجهة (الإسلام السياسي) بالمغرب .

يتحدث الكاتب في الثقافة الحديثية عن نصوص الأحكام التي أخذت ما تستحق من الدراسة والاهتمام مقابل نصوص الأخبار التي لم تأخذ موقعها المناسب من اهتمام الدارسين والباحثين في العلوم الشرعية في الوقت الراهن (ص 91)، وقد أجاد وأفاد الكاتب حينما عمل على تنزيل أحاديث الأخبار على مجالات حيوية كالسياسة والاقتصاد  (ص  94)، إلا أن الملاحظ أن التعامل مع أحاديث الأخبار غالبا ما يكون موسوما بالنظرة التشاؤمية والانهزامية والتباكي والحسرة غير المنشئة للعمل دون التركيز على أحاديث النصر والتبشير...

وفي فصل (التجديد لا التبديل) ص 97 يوضح المؤلف حفظه الله بالأمثلة التي لا تدع مجالا للشك مسألة التبديل  (ص 100 ) واضعا معيارا ذهبيا ودقيقا للتفريق بين التجديد والتبديل  ألا وهو النظر في أثر كل منهما على أن مصطلح التبديل ليس دائما مذموم شرعا كما ذهب إلى ذلك الكاتب بل هنا ك نصوص تمدح التبديل كما في قوله تعالى:(لا تبديل لكلمات الله)64 يونس، وفي قوله تعالى(لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)30 الروم، وقوله تعالى:(ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة )95 الأعراف.. إلى غير ذلك من الآيات.

أخيرا نختم هذه الفسحة في هذا الكتاب الشيق بما ختم به الشاهد الثقة الإمام النووي عندما استنصحه الكاتب فأرشده إلى الالتزام بالطائفة الظاهرة على الحق، ولنا أن نسأل من هي هذه الطائفة وما مواصفاتها وأين توجد ؟

قال الإمام النووي رحمه الله ناصحا الكاتب حفظه الله : (اذكر الله كثيرا واطلب الصلاح لدينك وتورع عن الشبهات ولا تجالس الظالمين والبغاة والمبطلين ولا تتنعم بالدنيا واحذر الاغترار بها ولا تقبل من أحد شيئا (...... ) واطلب الفقه في كتاب الله تعالى، واشدده بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الاشتغال بالأحاديث النبوية ينير القلب بمعاني القرآن ويعمر الفؤاد بحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.)

محمد بن عواد