طباعة
الثلاثاء, 18 كانون1/ديسمبر 2018 11:57

إنه الاحتلال والاضطهاد العنصري يا "غبي"

إنه الإقتصاد يا غبي" جملة كانت شائعة في تفسير سبب انتخاب الأمريكيين لبيل كلينتون رئيسا رغم آثامه، وكان القصد منها الإشارة إلى أن الدافع الإقتصادي، وليس الأخلاقي، كان العامل الحاسم في تصويت الناس.

واليوم يجتهد نتنياهو، ومراكز أبحاثه، وأجهزة مخابراته الإسرائيلية، ومعهم زملاؤهم الأمريكيين من فريق ترامب، وخاصة السفير فريدمان، لتحديد سبب لجوء الفلسطينيين للمقاومة، بكل أشكالها، بعد أن ضاقوا ذرعا بكل ما يتعرضون له من قمع وتنكيل.

وكما هو معتاد، فإن نتنياهو، وصحبه، وأبواقه الإعلامية، لا يقدمون سوى سبب واحد، لتصاعد المقاومة الفلسطينية وهو" التحريض".

وهم بذلك يخدعون أنفسهم، ويحاولوا خداع العالم معهم، لإبعاده عن رؤية الأسباب الحقيقية، والصورة الحقيقية لما يجري.

هم يشيرون للقتلى الإسرائيليين، ولا يذكرون آلاف الشهداء الفلسطينيين، ويُعَتمون على جرائم جيش الاحتلال، ومنها الإعدام الميداني للشهيد صالح البرغوثي بعد أن ألقي القبض عليه وتم أسره وهو حي معافى حسب شهود العيان، فانضم إلى الشهداء أشرف نعالوة ومجد المطور.

ويتجاهلون جريمتهم الفاحشة بإطلاق ثمانين رصاصة على المواطن الفلسطيني حلمي العارضة ابن السبعة وخمسين عاما، وتفجير رأسه وتحويل جسمه لأشلاء، وهو لم يفعل شيئا سوى السيربسيارته نحو بيته بحثا عن الأمان، وقد حاولوا التستر على جريمتهم، بإدعاء أنه حاول دهس الجنود، ثم تراجعوا عن كذبتهم بعد أن فُضحت.

تعرضت مئات من سيارات الفلسطينيين لرشق المستعمرين بالحجارة، وفقد أحدهم عينه على يد المستوطنين، وهوجمت بيوت عديدة في عدة قرى مثل بورين، وحي الياسمين قرب الجلزون، ولم يُردع المستوطنون إلا عندما تصدى لهم الشبان الفلسطينيون.

هل يحتاج أطفال مخيم الأمعري لمن يحرضهم بعد أن داهم جيش الاحتلال بيوتهم وأهانوا أهاليهم يوم أمس، وزجوا بخمسمائة منهم، وبعضهم لم يتجاوز عمره بضعة أيام، في ملعب مدرسة وفي البرد القارص من منتصف الليل حتى ساعات الصباح، ثم لم يتركوا بيتا من بيوت المخيم إلا وغمروه بالغاز الخانق، ولم يتركوا شابا إلا وحاولوا إطلاق الرصاص المعدني وقنابل الصوت عليه فأصابوا حوالي ثمانين شابا؟ هل يحتاج الناس إلى تحريض وهم يرون بيت خنساء فلسطين أم يوسف وناصر حميد، وستة من أبنائها في سجون الاحتلال، يُفجر مرتين متتاليتين كي يرضي نتنياهو وزراءه المتعطشين للدم و الهدم؟

طوال السنتين الماضيتين، عمل نتنياهو مع إدارة ترامب على مشروع خطير لتصفية مكونات القضية الفلسطينية تحت عنوان صفقة القرن، وقبل عام بالضبط أقدمت إدارة ترامب على نقل سفارتها للقدس خارقة بذلك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وأمعنت في محاولة تصفية حقوق اللاجئين في العودة من خلال الهجوم على وكالة الغوث.

وخلال هذين العامين أطلق نتياهو وحش الإستيطان بصورة لا سابق لها، مستغلا صمت إدارة ترامب، ودعمها.

وامتلأت السجون بالأسرى والأسيرات، حيث لا يمر يوم دون اعتقال العشرات، وتعاظمت محاولات التهويد في القدس والمسجد الأقصى.

وعند حاول البعض طرح مبادرات سياسية دبلوماسية لم يترك نتنياهو وحكومته بابا إلا وأغلقه، وعمليا فإن الذي مات في شوارع نابلس والقدس ورام الله في الأيام الماضية، ليس الشهداء الخالد ونفي جنات الخلد، وفي قلوب شعبهم، بل إتفاق أوسلو بكل مكوناته بعد أن خرقته حكومة إسرائيل، وجيشها، المرة تلو الأخرى.

اليوم تعيش فلسطين إجماعا شعبيا وتحولا نوعيا، جوهره الإقتناع بأن طريق المفاوضات قد فشل وانتهى، وأن بديله هو إستراتجية وطنية جديدة عمادها المقاومة الشعبية، والمقاطعة، والوحدة، وتعزيز صمود الناس، وإعادة بناء التكامل بين مكونات الشعب الفلسطيني ، والعمل على زعزعة صفوف الخصم،وتغيير ميزان القوى.

استراتيجية تستعيد نهج الإعتماد على النفس، بدل انتظار المساعدة من الآخرين، وتركز على تنظيم النفس، وتحدي إجراءات الاحتلال ومستعمريه المستوطنين.

وبكلمات أخرى، ترسخت مجددا القناعة الشعبية بأنه "ما حك جلدك مثل ظفرك"، وأن الحال لن يتغير ما لم يصبح الإحتلال مكلفا، بدل أن يكون مربحا.

لا يحتاج الفلسطينيون لتحريض من أحد، فالظلم الوحشي الواقع عليهم هو أكبر محرض على المقاومة والعصيان.

ويستطيع نتنياهو وزلمه أن يواصلوا الإدعاء بأن مُفعل المقاومة هو التحريض، ويستطيعوا أن يواصلوا حملاتهم الإعلامية التي تشوه الحقائق، ولكن كل ذلك لن يغير الحقيقة التي تصرخ في وجوههم: إن ما يفجر المقاومة اليوم كما في السابق، هو الاحتلال والظلم، ونظام الأبارتهايد والتمييز العنصري، وأفعال جيش الاحتلال. فهل يفهم الأغبياء ؟

مصطفى البرغوثي